لم يعد النقاش حول «المناطق الآمنة» محصورًا بإطار إنساني أو أمني ضيّق، بل بات يتقاطع مع تحوّلات أعمق تمسّ تعريف الحرب والسلام، حدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي نفسه. فالمفهوم الذي وُلد لحماية المدنيين، تحوّل تدريجيًا إلى أداة لإدارة الصراع، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية. في هذا السياق، يتقاطع طرح إسرائيل لإنشاء مناطق آمنة، خصوصًا في جنوب لبنان، مع مسارٍ موازٍ أكثر حساسية: انتقال بعض الخطاب السياسي في لبنان من مرجعية «اتفاقية الهدنة» إلى تعبير «إنهاء حال العداء». وهذا التحوّل، وإن بدا لغويًا، يحمل في طياته دلالات سياسية وقانونية عميقة.
أولًا: المناطق الآمنة – حماية أم إعادة إنتاج للهيمنة؟
التجارب الدولية، من البوسنة إلى العراق وسوريا، تُظهر أن «المناطق الآمنة» لم تُنتج سلامًا مستدامًا، بل أفرزت حدودًا مؤقتة وهشّة. فهي تُعيد توزيع القوة دون أن تؤسس لشرعية، وتُجمّد النزاع بدل معالجته.
في هذا الإطار، يرى Michel Foucault أن السلطة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تُعيد إنتاجه. فإعلان منطقة «آمنة» هو في جوهره إعادة تعريف لمن يملك الحق في الفضاء ومن يُستبعد منه.
أما G. W. F. Hegel، فيربط الاستقرار بالاعتراف المتبادل، معتبرًا أن أي علاقة تقوم على الهيمنة لا يمكن أن تتحول إلى نظام مستقر. ويعزّز Thomas Schelling هذا الطرح حين يبيّن أن القوة قد تفرض توازنًا، لكنها لا تُنتج سلامًا، بل ردعًا هشًا قائمًا على الخوف.
ثانيًا: من الهدنة إلى «إنهاء حال العداء» – تحوّل في المرجعية
يثير استبدال عبارة «التمسّك باتفاقية الهدنة والقرارات الدولية» بمصطلح «إنهاء حال العداء» إشكالية تتجاوز اللغة إلى جوهر الخيارات السياسية والقانونية للدولة اللبنانية.
تاريخيًا، استند لبنان إلى إطارين أساسيين:
1-اتفاقية الهدنة لعام 1949.
2-مرتكزات اتفاق الطائف.
وهذان الإطاران كرّسا حالة «اللاحرب واللاسلم»، بما يسمح للبنان بالحفاظ على موقفه الرافض للتطبيع، مع إبقاء النزاع مضبوطًا ضمن الشرعية الدولية، خصوصًا عبر قرارات مثل 1701.
في المقابل، فإن تعبير «إنهاء حال العداء» يحمل دلالة مختلفة جذريًا، إذ يُستخدم عادة في سياق التسويات النهائية. وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة اتفاق 17 أيار/مايو 1983، الذي سعى إلى إنهاء حالة الحرب والعداء مع إسرائيل، لكنه أُسقط لاحقًا لاعتبارات داخلية وخارجية، بعدما اعتُبر خروجًا عن الإجماع الوطني.
ثالثًا: الإشكالية القانونية – بين الالتزام الدولي والبنية الداخلية
من الناحية القانونية، يوفّر التمسك باتفاقية الهدنة والقرارات الدولية توازنًا دقيقًا قوامه الآتي:
-الالتزام بالقانون الدولي.
-الحفاظ على القوانين الداخلية، وعلى رأسها قانون مقاطعة إسرائيل.
هذا التوازن يسمح بإدارة النزاع دون الانزلاق إلى التطبيع.
أما الانتقال إلى مفهوم «إنهاء حال العداء»، فيفتح بابًا مختلفًا كليًا، إذ يفترض:
-رفع القيود المرتبطة بحالة العداء.
-إعادة النظر في قوانين المقاطعة مع انتفاء صفة “العدو”.
-احتمال نشوء التزامات دبلوماسية أو أمنية جديدة.
أي أن الأمر لا يبقى ضمن إطار الخطاب، بل يفرض تعديلات تشريعية وخيارات سياسية بنيوية.
رابعًا: تقاطع المسارين – الأمن بالقوة أم السلام بالاعتراف؟
عند الجمع بين مسار «المناطق الآمنة» ومسار «إنهاء حال العداء»، يظهر تناقض بنيوي واضح:
المناطق الآمنة تقوم على الفصل والعزل.
“إنهاء حال العداء” يفترض، نظريًا، الانتقال إلى علاقة طبيعية أو شبه طبيعية.
غير أن فرض «الأمن» بالقوة، بالتوازي مع الدفع نحو «إنهاء العداء”، قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة: سلام شكلي بلا اعتراف حقيقي.
في هذا السياق، تؤكد Hannah Arendt أن العنف لا يؤسس سلطة، بل يظهر عندما تفشل السلطة في إنتاج شرعيتها. وبالتالي، فإن أي تسوية لا تقوم على قبول متبادل، تبقى عرضة للانهيار.
خامسًا: البديل – من إدارة الصراع إلى إعادة تأسيس العلاقة
-العزل.
-الهيمنة.
-فرض الوقائع.
بل عبر:
-الاعتراف المتبادل.
-العدالة.
-التوازن في الحقوق.
وهنا يبرز طرح John Rawls حول العدالة كشرط للاستقرار، ويتكامل مع نظرية الاعتراف لدى Axel Honneth، التي ترى أن أي نظام لا يعترف بجميع أطرافه يبقى نظامًا هشًا.
الخلاصة: بين خيارين لا يلتقيان
إن الجمع بين طرح «المناطق الآمنة» في جنوب لبنان، والدفع نحو استبدال مرجعية «الهدنة والقرارات الدولية» بمفهوم «إنهاء حال العداء»، لا يشكّل مسارًا متكاملًا بقدر ما يعكس تناقضًا في مقاربة الصراع.
فالأول يقوم على إدارة النزاع بالقوة وإعادة تنظيمه جغرافيًا،
والثاني يفترض، نظريًا، الانتقال إلى مرحلة ما بعد النزاع.
لكن في غياب اعتراف متبادل، وضمن اختلال موازين القوة، يتحول «إنهاء حال العداء» إلى صيغة قانونية فارغة، كما تتحول «المناطق الآمنة» إلى حدود مؤقتة قابلة للانفجار.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: أي صيغة نعتمد؟
بل: أي منطق يحكم هذه الصيغة؟
إذا بقي منطق القوة هو الأساس،
فإن:
«المناطق الآمنة» ستُنتج توترات جديدة.
و«إنهاء حال العداء» سيبقى بلا مضمون فعلي.
أما الخروج من هذه الحلقة، فلا يكون بتبديل المصطلحات، بل بإعادة تعريف العلاقة السياسية نفسها، على قاعدة الاعتراف والعدالة.
فحيث يُستبدل المفهوم دون تغيير المنطق، يتكرّر الصراع؛
وحيث يتغيّر المنطق، فقط، يبدأ ما يطلق عليه “السلام الممكن”.
