كيف تُحكم إيران اليوم.. وما هو سر “منظومة الشبكات”؟

من يحكم إيران؟ يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طرح السؤال بين تصريحٍ وآخر، كأنّه يؤكد فعلًا أن طهران اليوم تسير من دون حاكم حقيقي، ومن دون قائد جديد. لعلّها رغبته في إثبات صحة ادّعائه الدائم بأنّه نجح في تغيير النظام. ولعلّها، أيضًا، رغبته في تحويل رفضه المعلن سابقًا لتولي مجتبى خامنئي سدّة الحكم إلى أمرٍ واقع.

تلك رغبات “ترامبيّة” عزّزها إصراره على أن يكون ذا مشورةٍ في اختيار خليفة الراحل آية الله علي خامنئي، بعدما نجح في اغتياله عبر غاراتٍ ضخمة مهرها بتوقيعه وتوقيع حليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 شباط/فبراير 2026.

ولعل سؤال ترامب عمّن يحكم إيران، يهدف لتثبيت سرديّةٍ تتمحور حول أن النظام في طهران متفكّك، أو غير متماسك، وقلق، وعاجز عن اتخاذ القرار، بل عاجز عن حكم جغرافيته الشاسعة من المضيق إلى المحيط.

لكن هذه السردية، وتلك الرغبات، سرعان ما تتهاوى عندما يختبر المرء طهران أثناء الحرب، وخلال أيام وقف إطلاق النار. نعم، لا يبدو النظام كما كان قبل الحرب. اختبرتُ الأيام الأخيرة في العاصمة، ميدانيًّا، عندما انتهت مواجهات دموية بين الأمن والمتظاهرين بمقتلةٍ تراوحت حصيلتها بين ٣٥٠٠ شخص بحسب التقارير الحكومية، وأعداد مضاعفة بحسب الأرقام الصادرة عن المعارضة، ونحو أربعين ألفاً، وفق رواية ترامب.

أمّا اليوم، فالنظام الذي أنتجته الحرب المجمّدة، يبدو أكثر تماسكًا وأكثر قدرة على فرض ايقاعه الخاص، مستنِدًا إلى حالة شعبية يفعّلها في الميدان مباشرة. يملأ الساحات والشوارع بأنصاره، ويستثمر الحرب كمنطلق لتوسيع قاعدته، فتشمل طيفًا أوسع منها، ومن أبرز ملامحه، أولئك الذين لا يتقاطعون معه إيديولوجيًّا، غير أنّ الحرب رتّبت تموضعهم في المساحة الوطنيّة نفسها.

تماسك إيران.. وخامنئي الجديد

في أيِّ ساعة تقرّر النزول إلى الشارع في طهران، سترى تجمعّات أهليّة، ولا أتحدّث هنا عن عناصر “الباسيج”، والحرس الثوري، والأمن الداخليّ، فهؤلاء لهم حواجزهم وانتشارهم. بل أتحدّث عن تجمعات أهليّة قوامها رجال، وأطفال، ونساء، من الفئات العمريّة كافة. وتشكل النساء، بحسب المشاهدات، عصب هذه الحالة الممتدة في كل المدن الإيرانيّة. يبدو ذلك لافتًا جدًا للانتباه.

يكفي أن تسمع صوت المنشد الديني والمدّاح مهدي رسولي وهو يصرخ: “تو رستم تهمتمی”، ليأتي الجواب بمعظمه من حناجر النساء: “بزن كه خوب میزني”. هنا، في صرخة، ترصد دمجًا بين الهوية القوميّة الإيرانيّة المتمثلة بشخصية القائد العسكريّ الفارسيّ رستم، وبين الحالة الراهنة المتمثلة بالحرب، وبين الأداء بطريقةٍ إسلاميّة. ثم تلتفت إلى مستوى آخر من التفاعل، يتمثل بتغليب الحضور النسائي، الذي يشكل جوابًا على سرديّة تهميش المرأة في هذا المجتمع. لكن برغم ذلك، فإنّ الصورة العامة لفكرة حضور الناس في الشارع نحو شهرين، بلا كلل أو ملل، تؤشّر بوضوح إلى أنّه ليس فعلًا تطوعيًّا خالصًا، ولا هو مجرّد قرارٍ شخصيٍّ في كلِّ حيّ، وبلدة، ومدينة، إنّما هو حالة تعبويّة منظّمة تربط بين شبكات تأثير أساسيّة في فريق الحكم الجديد. هذه الشبكات، بدورها، تعكس حالة من الحركيّة المنبثقة عن دستور عمل جديد.

Photo by Stringer/Getty Images 

أمام شبكات التأثير المتعدّدة، وعملية تحديث وتعديل آليات إتخاذ القرار، ستظهر الفوارق بين علي خامنئي ومجتبى خامنئي. هنا، لا يشابه الإبن أباه في الكثير من التفاصيل. أضعف الإيمان، لا يتشابهان في خلفيّتهما قبل تولي لقيادة. الأب رجل سياسة دخل مساحة رجال الدين، والإبن رجل دين وأمن أصبح صانعًا للقرار. في الظروف التي رافقت تسنّمهما القيادة، انتُخب علي خامنئي وليًّا للفقيه بعد وفاةٍ طبيعيّة لسلفه روح الله الخمينيّ، وبعد نهاية حرب ضروس امتدّت لسنواتٍ ثمانٍ مع العراق. الإبن، في المقابل، جاء في لجّة الحرب، خلفًا لقائد جرى اغتياله، وهو والده. هذا ليس تفصيلًا عابرًا في رسم المستقبل بالنسبة لمجتبى.

خامنئي الأب، وإن كان يُتّهمُ بتفضيل جناحٍ سياسيٍّ على آخر، إلّا أنه حافظ على التوازن بين ولاية رئاسية وأُخرى، كما أنّه أحاط نفسه بمجموعة متنوعة من المستشارين الذي يمثلون وجهات النظر المختلفة، ولذا قيل دائمًا إنّ الجمهورية الإسلامية في عهده كانت عبارة عن شبكة توازنات، لا شبكة انسجام كامل. أما الابن، فيبدو أقرب إلى أن يكون رجل شبكات. يحكم كمنسّق لمنظومة كانت قائمة أصلًا، لكنّه يعرف كيف يفعّلها في اللحظة المناسبة.
ربّما هذا ما يفسر جدليّة أنّ الحرب لم تصنع البنية الجديدة، إنّما سمحت لها بالانتقال سريعًا من الظلِّ إلى العلن. هذه الشبكة التي مارست أوّل محاكاة لها في عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، وجدت نفسها في الواجهة مباشرة بعد انتخاب مجتبى خامنئي قائدًا أعلى من قبل مجلس الخبراء في آذار/مارس ٢٠٢٦. إنّ حضور هذه الشبكات ساهم في استلام مسارٍ مجهّز سلفا للحكم.
منذ توليه السلطة، لم يظهر مجتبى خامنئي للعلن نهائيًّا. انحصرت علاقته بالإيرانيين والعالم ببيانات مكتوبة. هذا ما دفع كُثرًا إلى التشكيك في أصل حصول عملية انتخابه بأسرها. لكنّ مصدرين على الأقل في طهران، على اطلاع جيّد، وتسمح التجربة بالوثوق فيهما، أخبراني أنّ مجتبى تعافى بشكلٍ كبير جدًا من إصاباته جرّاء قصف مقر القائد في بداية الحرب. ويؤكد المصدران أنّ مجتبى خامنئي تمكّن قبل أيام من المشي بدون مساعدة، وأنّ في وجهه ندبةً كبيرةً ناتجة عن الإصابة. لكنّ ما كشفه أحد المصدرين هو أن خامنئي الإبن تعرض خلال الحرب إلى محاولتي استهداف إضافيتين فاشلتين. المحسوم حتى الآن، هو أن القائد الإيرانيّ الأعلى الجديد، وجهازه الأمنيّ الخاص، لا ينوون المخاطرة بظهوره طالما أنّ الحرب مستمرة. كذلك، جرى تأكيد لقائه بالرئيس مسعود بزشكيان، وإرساله رسائل جوابيّة مباشرة لشخصيّات قدمت التعازي بوفاة والده، ومن بينها زعيم التيار الإصلاحي محمد خاتمي. هذا مؤشّر يدلُّ أن الرجل لا يركّز على تثبيت موقعه داخل النواة الصلبة للنظام، بل يريد مدّ خيوط شرعيّة أوسع داخله.

الحوزة والحرس: تداخل لا تحالف

ولعلَّ هذا الأمر يأخذنا باتجاه نقاش كيفيّة تمكّن مجتبى خامنئي من حكم إيران من خلف الستار، وعبر الشبكات التي بناها خلال العقدين الماضيين. المسألة هنا بالنسبة للناظر من الخارج ليست واقعًا في ضمور قوة النظام أو تمظهرها بشكل مختلف، إنّما في تفعيل هذه القدرة بشكلٍ لم يعتد عليه المراقبون من الخارج. ولعلّ اللافت للانتباه هنا، أيضًا، قدرة النظام على تحفيز كتله لقيادة حالة شعبيّة في الشارع، متّصلة، وقادرة على جذب الآخرين ليصبحوا جزءاً من حالة وطنيّة جامعة. على الأقل، لم يكن هذا ممكناً بهذا الشكل من قبل. على العكس تماماً، فقد كانت التظاهرات السنويّة في مناسبات محددة، كذكرى انتصار الثورة، و”يوم القدس العالمي”، وذكرى احتلال السفارة الأميركيّة، عبارة عن تظاهرات يغلب عليها العنصر المتقدّم في السن. الشباب كان شبه غائب عن هذه الفعاليات، ولا يمكن تفسير سبب ذلك بدون دراسة علميّة دقيقة. لكن الواضح أنّ الحرب، والتغيير على مستوى رأس الدولة، أطلقا العنان للعمل بشكل مختلف هذه المرّة.

لكن، هل هي حقًا ظواهر جديدة؟ نعم، ولا. هي ظواهر كانت محصورة داخل مساحاتها الخاصة وانطلقت إلى الفضاء العام بفعل الظرف الجديد، وأسهمت في تشكيلها أيضًا حالة تعبويّة متمثلة بمجتمع المدّاحين الذين تطور حضورهم في المجتمع الثوري خلال العقدين الأخيرين، وتحت نظر ومباركة القائد الأعلى الراحل، آية الله علي خامنئي، ولكن ضمن شبكة أخرى من شبكات التأثير التي عمل عليها مشروع نجله مجتبى، قبل أن يخلفه قائداً للبلاد.

للوهلة الأولى سيبدو دور هؤلاء محصورًا في المساحة الدينيّة، لكنّ الحقيقة هي أنّ مساحة عملهم تمدّدت بشكلٍ واسع، على مدى السنوات وعلى امتداد الأزمات. شكّل هؤلاء عامودًا أساسيًّا من أعمدة السرديّة الإستراتيجيّة الإيرانيّة في حربي سوريا والعراق، وفي الصدامات الداخلية، وفي مواجهة السياسات التي عارضها فريق مجتبى في الدولة في ما مضى. لقد صنعت هذه الطبقة مجتمعًا هجينًا، ومتديّنًا، ومثقفًا، وثوريًّا، ومسيّسًا بشكل يجعله حاضرًا يوميًّا على منصّات التواصل الإجتماعيّ، وفي التجمعات السياسيّة الشعبيّة ليقلب حياة خصومه جحيمًا.

هؤلاء باتوا بدورهم شبكة واسعة، لا حالةً هرميّة جامدة. ولذلك تجدهم اليوم يأخذون المبادرة، وتجد خطابهم في لحظة الحرب مقبولًا من طيفٍ إيرانيٍّ واسع، لأنّه مسلح بعوامل تجعله جذابًا لمن يريدون لرستم أن يضرب ضرباته، لأنّه يعرفُ جيدا كيف يضرب، بالعودة إلى كلمات لطميّة مهدي رسولي التي تتردّد كل ليلة في شوارع طهران.

إقرأ على موقع 180  إنتخاب رئيس للبنان ووقف النار.. مساران متوازيان

هنا يمكن الحديث بشكل أوسع عن التحوّل الكبير الذي أشتدّ وضوحه خلال الأسابيع الماضية. على مدى عقدين من الزمن، بنى مجتبى خامنئي حضورًا بمختلف المستويات في البلاد. وكان حضوره بالواسطة عبر مراكز تأثير متعددة الطبقات، يمكن الشعور بها، لكنّها لم تكن ملموسة. حالة مركّبة تشبه ما يسّمى عادةً بالدولة العميقة، لكنّها ليست دولة الحرس الثوري العميقة، ولا دولة الحوزة العميقة، ولا دولة المدّاحين العميقة، ولا دولة الإعلام الحديث العميقة، ولا حتى دولة مجتبى خامنئي العميقة، إنّما دولة كلّ هؤلاء معًا. يتخادمون ويتكاملون بشكل نراه اليوم واضحًا من خلال مجموعة من المسارات.

ففي السياسة مثلا، يتقدم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كرأس حربة ورئيس ظل. ولعلّه في الدور الذي بدأ يلعبه يتشابه مع دور أكبر هاشمي رفسنجاني في ثمانينيّات القرن الماضي خلال الحرب الإيرانيّة العراقيّة، وبعد نجاح الثورة. وقاليباف هنا، على اختلاف المراحل والأدوار، يبدو ربّان الإستمراريّة المؤسساتيّة في النظام، ولعلّه، إذا ما تخطّى مرحلة الحرب وبلغ نهايتها حيًّا، سيلعبُ دورًا أكبر في مرحلة ما بعد الإصلاحيّين والأصوليّين. فالمؤشرات في طهران تشير إلى حالة سياسيّة مختلفة من المرجّح أن تتمخّض عن التحوّل في القيادة والحرب.

وبينما يسعى قاليباف ومن معه لتأمين هبوط آمنٍ من الحرب، واتفاق سلام يسمح بافتتاح مرحلة إيرانيّةٍ جديدة، ترافقه حالة على الإعلام الجديد التي تقدّم الرواية الإيرانيّة بشكل حديث وشبابيّ وبلغة جذابة وبسيطة. الشبكة الإعلاميّة لفريق مجتبى خامنئي، قدّمت الليغو، والتغريدات المنسّقة للمسؤولين الإيرانيّين، وسفارات وقنصليات إيران في الخارج، بمعزلٍ عمّا إذا كان هؤلاء مرتبطين رسميًّا أم غير مرتبطين بالنظام.

الطبقة غير المرئية حاليًّا في عملية التأثير هي طبقة رجال الدين. لا ننسى هنا أنّ مجتبى خامنئي قضى عقديه الماضيين في الدراسة الحوزويّة والتدريس. ووفق شخصيّة عرفته عن قرب لسنوات، “مجتبى أخوند” أي رجل دين، بخلاف والده الذي كان رجل السياسة بعباءة دينية. في الحوزة صنع خامنئي الثاني شبكته بين طلابه، وزملائه، وأساتذته، ولعلّ هذا ما انعكس في الانتخابات الأخيرة لمجلس الخبراء، وسينعكس لاحقًا على مستوى الحوزة العلميّة في قم، مع أفول المراجع الدينيّين الطاعنين في السن، وبدء صعود رجال الدين الجدد، والنخبة الدينيّة الجديدة، التي توصف بأنها على تقاطع كبير مع النخبة العسكرية في الحرس الثوري ذات التوجهات العقائديّة الثوريّة. هنا يأخذنا الحديث إلى العلاقة بين الحوزة الجديدة والحرس الثوريّ، وربّما هذه هي المساحة بين الشبكات التي يمكن العثور فيها بشكل ملموس على العمود الفقري للنظام كما يتشكّل اليوم.

فالعلاقة هنا لا يمكن تبسيطها ووصفها بالتبعية، كما أنّها ليست تحالفًا ظرفيًّا فرضته الحرب، إنّما حالة تداخلٍ عضويٍّ بين الشرعية الدينيّة والمذهبيّة الممتدة بحسب الدستور إلى الإمام الثاني عشر، وبين الشرعية الثوريّة المتمثلة بالمدافعين عن النظام. كأنّنا نتحدّث عن محرّكات موازية داخل عربةٍ واحدة.

هندسة النظام من داخله
في العمق الأمنيّ للنظام، تبقى الأسماء مألوفة: قائد الحرس الثوريّ بالوكالة أحمد وحيدي، وقائد الحرس الثوريّ السابق محمد علي جعفري، وأمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ محمد باقر ذو القدر، ورئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري السابق حسين طائب، وآخرون من المدرسة القديمة. كما يبدو واضحًا، هؤلاء ليسوا طارئين على النظام، والأمر المختلف في أدوارهم اليوم هو ترابطها بشكل أوثق وأكبر، لأنهم يعملون ضمن رؤية موحدة ومتناغمة، كفريق واحد لا كأفرقاء متنافسين أو متقابلين. يمكن تلخيص الأمر بأنّه إعادة هندسة للنظام من داخل النظام، حيث القرار أكثر مباشرة وأقل مساومة بين تيارات متعدّدة، وأكثر التصاقًا بنواةٍ ترى أنّ لحظة الخطر الوجوديّ تفرض اختصار المسافات بين السياسة، والأمن، والعقيدة.
لكن، وعلى الرغم من هذا التماسك فإنّ هذا النظام ليس بلا ثغرات. فالمشكلات قد تبرز إذا ما بدأت التباينات بين المؤسستين الدينية والأمنية بالظهور، خصوصًا مع دخول وجوه جديدة تسعى إلى تثبيت مواقعها في هرم السلطة. الروابط الوثيقة التي تمنح هذا البناء قوته اليوم، قد تتحوّل إلى نقاط ضعف إذا ما تسلّلت إليها الشقوق. كما أنّ تسريع آليات اتخاذ القرار قد يأتي على حساب النقاش الداخلي، ما يراكم توترات كامنة قد تنفجر لاحقًا وبحدود أوسع من السابق في حال عدم توفر مظلة سياسية واسعة في المرحلة الجديدة وتوسيع التمثيل السياسي لهذه النخبة في المؤسسات التشريعية والمناصب الحكومية. كذلك، ترتبط قوة التماسك وتقليل الثغرات بدرجة أو بأخرى ببقاء الرجل الذي تمحورت الشبكات حوله. صحيح أنها لن تتلاشى في حال غياب مجتبى عن المشهد، لكن بلا شك لن يستمر التماسك أو الثغرات طبقا للمستوى الحالي.

photo by Kaveh Kazemi/Getty Images 

وعلى المقلب الأخر، هناك نخب سياسية وقسم من المجتمع ليس بالقليل يقطن على أطراف الشبكات الحالية وخارجها، وهؤلاء لا يزالون يلتزمون الصمت وحتى أنهم غائبين عن المشهد الذي يتشكل. ولهذا أسباب عديدة أهمها تكلفة المواجهة مع تلك الشبكات، وترجيحهم الاحتفاظ بالزخم الموجود لديهم إلى لحظة اليقين، التي على الأقل يقررون فيها أين يمكنهم الاستثمار في الزخم الذي لديهم.

هنا أيضاً تبرز العوامل الخارجية بثقلها. العقوبات، وارتفاع سقف الضغوطات الدولية، لا تستنزف الاقتصاد فحسب، بل تختبر أيضًا تماسك النخبة الحاكمة. وقد بدا ذلك واضحًا في مسار محاولات إنهاء الحرب. فعلى الرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار لإفساح المجال أمام المفاوضات، وبدء اتصالات أولية بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في باكستان، فإنّ هذه الجهود لم تُترجم إلى تقدّم فعلي. هذا دفع إلى استنتاجات حول صراع داخلي بين أقطاب الإدارة الإيرانية الجديدة بين خياري الدبلوماسية والمواجهة، لكن الحقيقة أن ما جرى استعراضه أعلاه يعكس حسماً للخيارات على مستوى القيادة تجاه عدم وجود نية لتقديم تنازلات تمسّ الخطوط الحمراء.
وانعكس خيار المواجهة مجدداً في استخدام النظام للضغط المباشر سبيلاً لدعم الدبلوماسية من خلال تشديد الإجراءات في مضيق هرمز وتقييد حرية العبور بناء على توجيهات مكررة من مجتبى خامنئي، بأن وضع المضيق لن يعود كما كان قبل الحرب.

في هذا السياق، يمكن الإستخلاص أن المعضلة الأساسية التي تواجه واشنطن ليست كما يفيد الرئيس الأميركي بشكل مكرر، التحدي ليس في تحديد من يتخذ القرار في طهران، بل في التعامل مع منظومة جديدة قادرة تحت أقسى الضغوط على التماسك. هنا نعود مجدداً إلى الشبكات التي حافظت على تماسك الداخل خلال الحرب، وهي عينها التي تدفع نحو تبنّي نهج يقوم على الصبر والمراكمة، لا على التنازل برغم الضغوطات المختلفة، من الداخل بنسبة أقل ومن الخارج، بما في ذلك بعض الشركاء الإستراتيجيين كالصين وروسيا.

كلُّ ذلك يعيدنا مجددًا إلى كلام الرئيس الأميركيّ عن إسقاط النظام وغياب القيادة الإيرانيّة. بل يعيدنا إلى تكرار ترامب هذا الكلام، وكأنّه أمرٌ مفروغ منه. مهما كان الهدف من هذه السردية، فإنّها تعكس أزمة مستحكمة منذ عقود بين إيران وأميركا. أتحدّث تحديدًا عن القراءات الخاطئة المبنيّة على خلاصات رغائبيّة من مستشارين ومراكز دراسات لا تربطهم علاقة مباشرة بالأرض، حيث الوقائع.

الخطأ الأكبر في واشنطن، اليوم، ليس السؤال عن اسم الحاكم، بل الاعتقاد بأنّ الحكم في إيران يجب أن يظهر من خلال مركز واحدٍ واضحٍ ومرئيّ. إيران ليست بلا رأس. لكنّها مياه كثيرة جرت في جداول “دربند”. مياه غزيرة جدًا، منذ أن اغتالت أميركا وإسرائيل آية الله علي خامنئي.

(*) يُنشر بالتزامن مع “الجادة

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إنتخاب رئيس للبنان ووقف النار.. مساران متوازيان