احتلال الوعي.. والصراع على السردية

بين احتلال الأرض واحتلال الوعي، صِلَةٌ مَخفيَّة لكنها إستراتيجيّةٌ تماماً، وخطيرةٌ تتلازم معهما. وتكاد تكون جزءاً عضويَّاً مشتركاً بينهما. هذه الصلة ينشئُها كلُّ محتلٍّ، مثلما قد تنشِئها السلطات الداخليَّة في دولةٍ ما للسيطرة على وعي الجمهور وتدجينه. التعقيدات هنا كثيرةٌ وشديدة التشابك كونُ هذه الصلة لا تظهر مباشرة للعيان. لها طابع التسلُّل اللحْظَويِّ التراكُمي. ووظيفتها أن تؤثِّر في "اللاوعي الجمْعي"، كي تصنع لاحقاً مؤثرات متمادية في "الوعي العام"، وتنتج سلوكيَّات تتواءم مع مصالح مُنظِّميها، وتخلق قابليَّةً جاهزة للانسياق وراءَ مَن ينظِّمها، فيصبح المستعمَرُ(بفتح الميم) يتبنّى خطاب المستعمِر(بكسر الميم) وسرديّتَه، وتنشأ لديه حالة "استلاب الوعي"، وفقاً لتسمية "فرانز فانون" في روايته "معذّبو الأرض" التي ناقش فيها مخاطر هذه الحالة على مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال.

نحن في لبنان نعاني من المشروع الأميركي – الصهيوني لاحتلال الوعي من أجل “تحصِين” احتلال الأرض، وفقاً لحسابات العدوِّ الإسرائيلي. لا مجال الآن للعودة إلى البدايات في عشرينيَّات القرن الماضي، ولا إلى مرحلة 1948 لذا نكتفي بالتوقف عند الحاضر الخطير، ففيه دلالات كافية على الماضي.

العدوُّ ألإسرائيلي لم يكفَّ يوماً عن جرائمه بحق لبنان، بينما تبرز في الداخل ظاهرةٌ واسعةٌ، تزداد اتساعاً في هذه الآونة بالتزامن مع الاستعداد لمفاوضاتٍ مباشرة مع “إسرائيل”. هذه الظاهرة تحاول تبرير ممارسات العدوِّ تحت شعاراتٍ سياسية وإعلامية مشحونةٍ بمغناطيسٍ قويٍّ من الخبث والخداع الإعلاميين، ولا سيَّما من خلال المراهنة على التأثير في وعي جمهورٍ مأزوم غير مؤهَّل لاكتشاف خفايا اللعبة السوداء.

نتنياهو وانطوان لحد

الظاهرة متفشِّيةٌ جدّاً، ولا مبالغة في ذلك. والأدوات الحديثة من الشبكة العنكبوتية العالمية إلى تعدُّد مجالات الذكاء الاصطناعي، توفِّر تسهيلاتٍ تفوق الخيال من أجل صناعة التزييف العميق[deep fakes] والتلاعب بكلِّ شيء: النصوص، الصور، الوثائق، المشاهد المركبة، التوصيفات، التحليلات، المعلومات من دون مصادر، تزييف الوقائع التاريخية، تشويه المصطلحات، الإغراق المعلوماتي، مخالفة قانون 1955 الساري المفعول في لبنان الذي يحظر الاتصال مع العدوِّ الإسرائيلي[أحد الصحافيين اللبنانيين اعترف متفاخراً في مقابلة على قناة “المشهد” بأنه يكتب في صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيليّة]، وهذا إضافة إلى التشويه الديني لتوظيف ما يوصف بـِ “التنبؤات” من أجل خطط مستقبلية…إلخ.

هذه المسألة ليست عرَضيّة أو وليدة لحظة آنيّة. يكفي التذكُّر أنها بدأتْ بتراكمِها المكثّف منذ أوائل الثمانينيَّات. وزارة العدل الأميركيّة كشفتْ بنفسها في عدد من بياناتها أنَّها رصدتْ مئات آلافِ الدولارات لتمويل منصّاتٍ في لبنان والشرق الأوسط كي تروِّجَ المواقف السياسية والثقافية الأميركية في محاولة لإنشاء وعيٍ مزيَّفٍ ينزع صفة العدوِّ عن إسرائيل، وصفة راعي العدوِّ وحليفه عن الولايات المتحدة. أي أنَّها كوَّنتْ كاسحة ألغام إعلاميَّة أمام ما فعلَه المشروع الأميركي – الإسرائيلي ضد لبنان والمنطقة، وما ينوي فعلَه مستقبلاً. وكذلك ، كانت – ولا تزال – لدى وزارة الخارجيَّة ، والكونغرس، والوكالات التابعة للحكومة الأميركية خُططٌ مماثلة وبرامج تطبيقية متواصلة حتى اليوم. ولمَّا كانت وزارة الإعلام عندنا في لبنان لا تُلقي أيَّ إضاءةٍ على هذه الوسائل، فإننا لجأنا إلى ما يمكن وصفه بالمصادر الدولية شبه المحايدة والمتزنة. وتبيَّن لنا أنَّ أخطر المؤسسات المقصودة أعلاه ثلاثٌ هي: “شبكة الشرق الأوسط للإرسال”[mbn] ومؤسسة” الصندوق الوطني للديموقراطية”[ned] التي تنفِّذ نشاطاً منسَّقاً مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية. أمَّا المؤسسة الثالثة الأكثر علانيةً وتمويهاً فهي “الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليَّة”[usaid] وجميعها مموَّلة من الموازنات الأميركية ومن تبرُّعات اللوبي الصهيوني[منظمة أيباك – aipac].

تنطلق هذه المؤسسات من فلسفة إعلاميَّةٍ/سياسيَّةٍ ترى أنَّ من يمتلك قوة التعريف يمتلك قوة التسمية، ويُمسك بناصية صوغ المصطلحات التي تُوجِِّه التفكير، وترسُمُ له آليَّات منهجيَّة تخدم الاحتلال والسياسات الأميركية، وأساليبَ الهيمنة السلطويَّة والاستعماريَّة على حدِّ تعبير “غرامشي” الذي يؤكِّد “أن الاستعمار يسعى إلى احتلال وعي الجماهير كي يُصوِّر منطقه بأنه منطق تاريخي عام فيما هو تزييف للوعي”. وهكذا فإنَّ هذه المؤسسات التي تموِّل في الخفاء مئات المنصَّات الموجَّهة إلى لبنان تخوض بوجهنا المعركة على السرديَّة[narrative control] إذ تريد أن تتزامن المعلومة والدبَّابة، وأحياناً كثيرة المعلومة أمام الدبَّابة، مثلما تريد أن تسطو على التاريخ كي تصنع في أجيالنا ذاكرة غريبة ومثقوبة بالشكوك ومبنيَّة على وقائع مغلوطة.

الأمثلة كثيرة نكتفي منها ببعض العيّنات:

  • جار بدلاً من العدو: بدأ بعض السياسيين، وقلةٌ من رجال الدين، يُشيعون بين الناس تسمية الجار في وصف العدو الإسرائيلي لتمرير فكرة “وجوده” الطبيعي.
  • توصيف “دولة إسرائيل”: تروِّج بعض القوى السياسية في إعلامها توصيف “إسرائيل” بـِ”الدولة” لا الكيان، والقول بأنْ ليس لديها أطماع في لبنان، وبأنها “عدوٌ” فئةٍ من اللبنانيين لا كل اللبنانيين بما يخدم أفكار التجزئة والتقسيم.
  • حزب الله لا المقاومة: تدأب بعض المحطات التلفزيونيَّة على التنكُّر لفكرة المقاومة التاريخية ضد العدوِّ الإسرائيلي، وتُلقي مسؤولية العدوان على حزب الله بِزعْمِ أنَّه هو مَنِ “اعتدى” على “إسرائيل”، وزجَّ لبنان في “الحرب”، وتمحو كلَّ ما كان منذ العام 1948. وتسعى إلى نزع صفة المقاومة عنه[أصدر وزير الإعلام اللبناني تعميماً في 26 آذار/مارس 2026 يطلب فيه عدم استخدام صفة المقاومة لحزب الله] مثلما سعت سابقاً إلى تشويه المقاومة الوطنية، وتلميع صورة سعد حدَّاد وأنطوان لحد بوصفهما “لبنانييْنِ” لا عميلين في ما كان يعرف آنذاك بالشريط الحدودي، وكأنَّ ذلك تمهيد نفسيٌ/إعلاميٌ لما يخطط له العدو مستقبلاً.
  • المفاوضات المباشرة وهدنة 1949: يجري حاليَّاً ترويج خطير لـِ”مفاوضات السلام المباشرة” التي أعلنتها السلطة بأنها ستكون على أساس هدنة 1949. وهذا الأمر ينطلي على غالبية الجمهور الذي يُوحَى إليه بأنَّ اتفاقية الهدنة هي اتفاقية سلام، لكي تكون الذريعة بأنَّ ما يُحضَّرُ له راهناً لا يختلف عمَّا كان عام 1949 فيما نص الاتفاقية واضح جداً، ولا سيما في المادة الثانية منه لجهة أن الاتفاقية محصورة بالاعتبارات العسكريَّة والأمنية. وهكذا يتِمُّ الخلط بين الهدنة والسلام المثقل بالشكوك حول ما ينتظر لبنان.
  • تزييف التاريخ وتوظيفه سياسيَّاً: تَظهَرُ بعض النُخب الثقافية عبر بعض المحطَّات، وفي كثير من المنصَّات الإلكترونية لتعمل على طرح السلام بادَّعاءٍ تاريخي كمثل الحديث عن العلاقة “التحالفيّة” بين ملك صور “أحيرام” و”الملك سليمان” ومساعدة الأول للثاني في بناء الهيكل المزعوم. ولا يخفى على المتبصِّرين أن هذا التوظيف هدفه ترويجُ أنَّ السلام مع “إسرائيل” هو “أمرٌ طبيعي وتاريخي”، وله “جذور في القرن العاشر قبل الميلاد”.
إقرأ على موقع 180  وأخيراً.. إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية!

هذه العيّنات التي أشرنا إليها، بدأت تتغلغل في النسيج الداخلي بواسطة أدوات الإعلام الحديث، وهي من الخطورة في درجة حمراء تستوجب الردَّ عليها، ومقارعتها بالسرديّة العلميَّة التي هي وحدَها كفيلة بإسقاط السردية المزيَّفة.

المعركة على السرديّة والوعي، لا تقلُّ أهميَّةً عن معركة المقاومة بالسلاح بل ربّما تتفوَّق عليها في بعض المراحل المصيرية كالتي نمرُّ بها في لبنان. هل لنا أن نستغرب تقصير وزارة الإعلام ووزارة الثقافة أم إنَّ الأمر بات طبيعياً قبل حصول أي مفاوضات؟. احتلال الوعي أشدُّ خطورةً من احتلال الأرض لأنه – كما يقول نعوم تشومسكي – “يجعل الضحيَّة تدافع عن قيودها”.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "الخونتا" اللبنانية.. ونزلاء السجن الكبير