“الجوع التّطبيعيّ” لدى بعض اللّبنانيّين.. كيف نُفسّره؟

هناك ظاهرةٌ لافتةٌ للانتباه فعلاً في المشهد اللّبنانيّ الحاليّ بالذّات، وقد تجلّت بوضوح أكبر- بل بوضوح يستوقف الانتباه بعمق واقعاً - منذ اعلان بدء موجة المفاوضات المباشرة بين السّلطة - أو الدّولة - اللّبنانيّة وبين العدوّ الاسرائيليّ مؤخّراً. وهي ظاهرة يمكن تسميتها، من دون حُكم قِيميّ بالضّرورة ومن دون تهجّم شخصيّ أو عقائديّ الطّابع، بـ"الجوع التّطبيعيّ"، والذي قد يبدو عميقاً جدّاً في أحيان كثيرة وعند أوساط مُعيّنة – باتت أكثرَ تنوّعاً نسبيّاً - من اللّبنانيّين.

إنّه “جوعٌ” متأتٍّ عند بعض اللّبنانيّين ممّا يُمكن اعتباره نوعاً من “الحرمان” من هذا “التّطبيع” مع العدوّ. مع التّبسيط: هناك من يُريد “أَكل” هذه الوَجبة أو “التهام” هذا الطّعام، ولكنّه يشعر بأنّه محرومٌ من ذلك.

لنركّز سويّاً على هذا الجانب: الأمر يتخطّى القرار السّياسيّ أو الجيو-سياسيّ العمليّ الرّاهن، ويمتدّ واقعاً إلى جذور ثّقافيّة وفكريّة. إنّه يتخطّى، إن جاز التّعبير، مسألةَ اختيار “تقنيّة” الخروج من المأزق الاسرائيليّ أو من مأزق العدوان الاسرائيليّ أو من مأزق التّهديد الاسرائيليّ (إلخ..): يتخطّى هذا الجانب إلى شيء أبعد وأعمق بحسب اعتقادي وترجيحي شبه اليقينيّ.

فإنّكَ تَشعرُ وتُدركُ أنّ هناك “جوعاً” دفيناً مُعيّناً تجاه الأمر: فما أن يُفتح البابُ ولو قليلاً… حتّى تهتاجَ أحاسيس مُعيّنة عند هؤلاء اللّبنانيّين، كما تهتاجُ أحساسيك بشكل شبه تلقائيّ عندما تشمّ رائحة الطّعام في يوم صيامٍ طويل.

لنكنْ موضوعيّين: نحنُ اليومَ لا نسمعُ مُجرّدَ مواقف عابرة إذن، بل نلمس في الكَثير من الخطابات والتّعبيرات ما يوحي وكأنّنا حقّاً أمام شهيّة عميقة وجوع دَفين… وقد كانا، في الأغلب، مكبوتَين لفترة طويلة.

حقّاً، الواقع هو أنّنا أمام ظاهرةٍ حقيقيّةٍ ملموسةِ التّجليات أمامنا، وهي لم تزلْ تعيشُ معنا، وقد رأينا لها أمثلةً واضحةً… باتت تصدر من داخل بيئات مُختلفة، لا من بيئةٍ لبنانيّةٍ واحدة.

ولكنّ السّؤالَ الأساسيَّ يبقى بالطّبع: كيف يُمكن تفسير هذه الظّاهرة؟

من خلال أيّ عوامل أساسيّة يُمكن تفسيرُها؟

***

العامل التفسيريُّ الأساسيُّ الأوّل – وهو قويّ جدّاً نسبيّاً برأيي – هو عاملٌ هوياتيُّ الغَلَبة إن شئت. إذ يبدو، عند كلّ محطّة أساسيّة في هذا البلد أو الكيان، أنّ جزءاً من اللّبنانيّين ما فتئ ينظرُ إلى نفسِه… على أنّه جزءٌ من المنظومة الحضاريّة الغربيّة عمليّاً، أو على الأقلّ على أنّه امتداد – ثقافيّ، ومفاهيميّ، واجتماعيّ – لها. ومن هذا المنطلق، يصبح هذا “الجوع التّطبيعيّ” مع العدوّ انعكاساً طبيعيّاً – في وعي ولا-وعي هؤلاء الأفراد والجماعات – لانتماء ثقافيّ بل حضاريّ يشعرون به ويتماهون معه، وإن بدرجات مُتفاوتة بحسب السّياق المقصود.

مع التّبسيط: إذا كانت هذه المنظومة (الحضاريّة) الغربيّة، تؤيّد الاعتراف “بإسرائيل” وتسوّق لـ”سلامٍ” عامٍّ معها، بل وتسوّق لتماهٍ مع “مشروعيّتها” ومشروعها في جوانب كثيرة وأمثلة عديدة… فالطّبيعيّ هو أن تشعر هذه الأوساط اللّبنانيّة المقصودة، غالباً، بأنّ عليها السّير في نفس الطّريق. وهذا ما يحصل، في اعتقادي، على أرض الواقع، بما ينعكس في البلد على جوانب متعدّدة بما فيها الجوانب السّياسيّة أيضاً، والاقتصاديّة بالطّبع أيضاً وكما سنرى.

***

أمّا العامل التفسيريُّ الأساسيُّ الثّاني، فيرتبط بخيالٍ تاريخيّ وسياسيّ واجتماعيّ معاً. فنحن هنا: أمام أوساط مُعيّنة قد ترى – في وعيِها وحتّى في لا وعيِها – في هذا السّياق “التّطبيعيّ” المَوعود… فرصةً لإعادة إنتاج مُحتَمَلة لنموذج شبيه بـ”اسرائيل ثانية” (بين مزدوجين)، ولكن، بصيغةٍ أخرى، أو لمصلحة مكوّن/مكوّنات آخر/أخرى.

من هنا، فقد يُفهم هذا “الجوع التّطبيعيّ” من هذه الزّاوية الأساسيّة أيضاً: على أنّه نوعٌ من الاعجاب المباشر و/أو الضّمني و/أو اللّا-واعي… بوجود كيان “كإسرائيل” في المنطقة، على قاعدة أن… “يا حبّذا لو كان لنا (دولةٌ)، مثل ما كان لَكُم من (دولة)”.

***

أمّا العامل التّفسيريُّ الأساسيُّ الثّالث – ومع التّركيز هنا، مجدّداً، على البُعدَين الثّقافيّ والاجتماعيّ بشكل خاصّ، ولكن أيضاً، على البُعد الاقتصاديّ كما سنرى – فهو عاملٌ مرتبطٌ على الأرجح ببُنيةٍ بُرجوازيّةٍ لبنانيّةٍ راسخة، وإن كانت متفاوتةً في قِدَمها وعَرَاقتِها بين بيئةٍ (طائفيّة) وأخرى.

مع التّبسيط: إنّ هذه البرجوازيّة اللّبنانيّة، مندمجة – بدرجاتٍ مختلفةٍ كما أشرنا – ضمن الشّبكات البرجوازيّة الغربيّة أوّلاً (التي تُشكّل النّواة المُهيمِنة على البُرجوازيّة العالميّة، بما يشمل البُرجوازيّة العربيّة الواضحة المراكز طبعاً)… وتتحرّك بالتّالي، أي هذه البرجوازيّة اللّبنانيّة، في اطار حركة ومصالح البرجوازيّة العالميّة (أي البرجوازيّة الغربيّة بشكل خاصّ إن أرَدت).

ولا يقتصر هذا العامل على البعد البنيويّ فقط إن جاز التّعبير، بل يشمل أيضاً مسألةَ المصالح الماديّة الآنيّة، اضافةً إلى عقليّة ميركانتيليّة تجاريّة قد تعزّزت في السّياق اللّبناني وتنوّعت لا سيّما بعد نهاية الحرب الأهليّة لتتخطّى في مفاعيلها الحدود الطّائفية الكلاسيكيّة الأساسيّة.

وبالتّالي، مع هذا التّفسير الماركسيّ الطّابع إلى حدّ كبير إن شئت؛ يمكن فهم أسباب هذا “الجوع التّطبيعيّ” لدى البعض… كترجمةٍ لتجلّيات الصّراع الطّبقيّ والتي تنعكس في اطار النّزعات الاستعماريّة على بلادِنا طبعاً؛ ويُمكن فهمها أيضاً على أنّها ترجمةٌ لعقليّةٍ مرتبطة بما سبق عموماً، ولكنّها أكثر آنيّة… وهي عقليّة ترى في الانفتاح على التّمدّد الرّأسماليّ الغربيّ الهَيمنة وعلى توجّهاته الأساسيّة… قبل أيّ شيء آخر، فرصة اقتصاديّة وماليّة وتجاريّة واجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة معاً.

إقرأ على موقع 180  الحرب لم تنتهِ.. والقرار في طهران

***

في النّهاية، لا بدّ من الاقرار بأنّنا أمام ظاهرةٍ واقعيّةٍ وعميقة الجذور. وهي تكشف عن نفسها بتجلّيات متعدّدة، اليوم وبالأمس.

إنّها ظاهرةٌ تستحقّ التوقّف عندها جدّيّاً، وبعيداً عن التّموضعات السّياسيّة وعن اللّعبة السّياسيّة المتقلّبة والآنيّة الطّابع: لا لوصفها وتوصيفها فقط، بل بهدف فهم ما تحمله من دلالاتٍ ومخاطرَ وجوديّة على البلد – وعلى العَيش سويّاً – قبل أيّ شيء آخر.

فنحن هنا أمام بُعدٍ خطير يتجاوز السّياسة الرّاهنة إذن، بل ويتجاوز الجيو-سياسة إلى حدّ كبير، ليمسّ عمق البنية الاجتماعيّة والثقافيّة والمفاهيميّة، وليهددّ بإعادة انتاج انقساماتٍ حادّةٍ عند كلّ محطّة أساسيّة في البلد… انقساماتٍ قد تفتح الباب – في كلّ مرّة – أمام دورات من الصّراع الدّاخليّ والأهليّ في لبنان.

أمّا سؤالُ “هل يَنفعُ الحوارُ حقّاً مع ظاهرةٍ كهذه ومع قادتِها”: فله بحثٌ آخر، ولكنّ بناء الأوطان وبناء نوعٍ من “الدّول”… يلزمه حوارٌ جذريٌّ قبلَ أيّ شيء آخر. وأعتقد أنّها مُقاربةٌ كان يؤمن بها الامام المُغيّب السّيّد موسى الصّدر، أكثر بكثير نسبيّاً من قادة كِبار آخرين مُعارضين لهذه التّوجّهات.. ولهذا الطّرح “الصّدريّ” الطّابع نقاشٌ آخر، لاحقاً ربّما، كما أشرت.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إنزال أميركي على معبر باب الهوى .. ما الرسالة لـ "جبهة النصرة"؟