لا يقتصر هذا التحول على تطوير برمجيات أكثر كفاءة أو نماذج لغوية أكثر تقدماً، بل يعكس انتقال العالم إلى مرحلة أصبح فيها امتلاك القدرة الحاسوبية والبيانات والرقائق المتقدمة والبنية التحتية الرقمية عاملاً لا يقل أهمية عن امتلاك حاملات الطائرات أو الترسانة النووية. فالدول التي تنجح في السيطرة على هذه العناصر لا تكتسب تفوقاً تقنياً فحسب، وإنما تمتلك القدرة على إعادة تشكيل قواعد المنافسة الاقتصادية، وتسريع الابتكار العلمي، وتحسين كفاءة القرار العسكري، وفرض معاييرها التقنية على بقية العالم.
ومن هذا المنطلق، لم يعد الصراع الأميركي–الصيني يدور حول التفوق في الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً اقتصادياً، بل حول السيطرة على البنية التي ستجري على اساسها هندسة النظام الدولي الجديد، بحيث تغدو الخوارزميات والبيانات عناصر لا تقل وزناً عن الموارد الطبيعية أو القوة العسكرية التقليدية.
أولاً: الذكاء الاصطناعي وتحول مفهوم القوة الاستراتيجية
يكشف التنافس الدائر بين الولايات المتحدة والصين أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الإنتاجية أو تسريع النمو الاقتصادي، بل أصبح إطاراً ناظماً لإعادة تعريف القوة ذاتها. يفسر ذلك انتقال الذكاء الاصطناعي من المجال المدني إلى صلب التخطيط الأمني والعسكري. فلم تعد الجيوش تستخدمه لتحسين كفاءة العمل الإداري أو اللوجستي فحسب، بل أصبح جزءاً من دورة اتخاذ القرار القتالي نفسها، ابتداءً من جمع البيانات وتحليلها، مروراً بتحديد الأهداف وترتيب أولوياتها، وصولاً إلى تقييم نتائج العمليات في الزمن الحقيقي.
وقد شكلت العمليات الأميركية ضد إيران خلال عام 2026 نموذجاً واضحاً لهذا التحول، إذ اعتمدت القوات الأميركية بصورة واسعة على منظومة Maven Smart System لتحليل الصور الفضائية وبيانات الطائرات المسيّرة والاستخبارات الإشارية، بما أتاح توليد قوائم الأهداف وتحديثها بصورة شبه فورية. ولم يكن الإنجاز الحقيقي في سرعة تنفيذ الضربات وحدها، بل في تقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف واتخاذ قرار استهدافه، وهو ما يعرف في الأدبيات العسكرية بدورة Observe–Orient–Decide–Act (OODA Loop)، التي أصبحت سرعة إنجازها عاملاً حاسماً في ترجيح كفة أي مواجهة عسكرية.
ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر وسائل الحرب فحسب، بل بدأ يغيّر الزمن الذي تُدار فيه الحرب. ففي النزاعات التقليدية كانت أفضلية الجيوش تقاس بحجم النيران أو عدد الوحدات القتالية، أما اليوم فإنها تقاس بصورة متزايدة بسرعة معالجة المعلومات، والقدرة على تحويلها إلى قرار عملياتي قبل الخصم. ومن هنا يصبح امتلاك الخوارزميات المتقدمة جزءاً من منظومة الردع، لا مجرد وسيلة دعم تقني.
لكن التحول لا يقف عند حدود ميدان القتال. فمع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت البنية التحتية الرقمية نفسها هدفاً استراتيجياً. فمراكز البيانات العملاقة، وشبكات الألياف الضوئية، ومحطات الطاقة، ومصانع أشباه الموصلات، لم تعد منشآت اقتصادية فقط، وإنما أصبحت أصولاً سيادية ترتبط مباشرة بالأمن القومي. ولهذا لم يعد مستغرباً أن تتعامل الولايات المتحدة والصين مع صناعة الرقائق الإلكترونية بالطريقة نفسها التي كانت تتعامل بها الدول الكبرى مع حقول النفط أو القواعد البحرية خلال القرن الماضي.
ويفسر ذلك أيضاً تصاعد الهجمات السيبرانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف سرقة البيانات أو تعطيل البنية التحتية الرقمية أو الوصول إلى النماذج المتقدمة. فالمواجهة لم تعد تدور حول احتلال الأراضي أو تدمير المصانع، وإنما حول السيطرة على المعرفة والقدرة الحاسوبية، بوصفهما الموردين الأكثر قيمة في الاقتصاد العالمي الجديد.
وفي هذا السياق، يكتسب ما يعرف بـ”التقطير المعرفي” أهمية استثنائية. فهذا الأسلوب، القائم على تدريب نماذج أصغر اعتماداً على مخرجات النماذج الضخمة، لا يمثل مجرد تقنية لتقليل الكلفة، بل أصبح موضع تنافس استخباراتي بين الشركات والدول، لأنه يختصر سنوات من البحث والتطوير، ويتيح تقليص الفجوة التقنية من دون المرور بجميع المراحل التي استغرقتها الشركات الرائدة.
ولذلك لم تعد المنافسة تقتصر على حماية الشيفرات البرمجية أو الأسرار الصناعية، بل امتدت إلى مراقبة أنماط استخدام النماذج نفسها. وقد كشفت تقارير أميركية عن مخاوف من محاولات شركات صينية، من بينها «ديب سيك» و«مونشوت إيه آي» و«ميني ماكس»، الاستفادة من هذا الأسلوب لتسريع تطوير نماذجها، فيما لجأت بعض الشركات الأميركية إلى أنظمة مراقبة متقدمة لرصد محاولات استغلال نماذجها، قبل أن تتراجع عن بعضها تحت ضغط الانتقادات المتعلقة بالخصوصية.
ثانياً: حدود الصعود الصيني وإستراتيجية الاحتواء الأميركية
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أصبح البنية التحتية الجديدة للقوة الدولية، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمن يملك أفضل نموذج لغوي أو أكثر الخوارزميات تطوراً، بل بمن يسيطر على المنظومة الكاملة التي تسمح بإنتاج هذه النماذج وتشغيلها وتحديثها بصورة مستمرة. وتضم هذه المنظومة ستة عناصر مترابطة: الرقائق المتقدمة، والقدرة الحاسوبية، والبيانات، والطاقة الكهربائية، ورأس المال، والموارد البشرية عالية التأهيل. وأي اختلال في أحد هذه العناصر ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي.
في هذا السياق، تبدو المنافسة الأميركية–الصينية أكثر تعقيداً من مجرد سباق في الابتكار. فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى تطوير نماذج أكثر تقدماً، وإنما إلى الحفاظ على سيطرتها على حلقات الإنتاج كافة، بدءاً من تصميم الرقائق الإلكترونية، مروراً بأدوات تصنيعها، ووصولاً إلى البرمجيات اللازمة لتشغيلها. أما الصين، فتركز على تقليص اعتمادها على هذه الحلقات عبر بناء منظومة وطنية متكاملة تستطيع، ولو تدريجياً، إنتاج التكنولوجيا الحرجة محلياً.
ويظهر هذا التحول بوضوح في سوق مسرّعات الذكاء الاصطناعي داخل الصين، حيث ارتفعت حصة الرقائق المحلية إلى نحو 41% خلال عام 2025، بعد أن كانت شركة “إنفيديا” تستحوذ قبل عامين فقط على أكثر من 90% من هذا السوق. ولا يعكس هذا التحول مجرد نجاح تجاري، بل يعبر عن استراتيجية صينية تهدف إلى تقليص قابلية الاقتصاد الوطني للابتزاز التكنولوجي، في ظل القيود الأميركية المتزايدة على تصدير الرقائق المتقدمة.
وتقود شركة “هواوي” هذا المسار عبر توسيع إنتاج سلسلة رقائق “أسند”، في حين تسعى شركات أخرى، مثل “كامبريكون”، إلى بناء بدائل محلية لمعالجات الذكاء الاصطناعي، رغم استمرار انخفاض معدلات التصنيع الناجح مقارنة بالشركات الغربية. وبرغم أن الأداء الخام لهذه الرقائق لا يزال دون مستوى أحدث منتجات “إنفيديا”، فإن التجربة الصينية تشير إلى أن الفجوة التقنية أصبحت تتقلص بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً قبل سنوات قليلة.
غير أن الرقائق ليست سوى الحلقة الأولى في معادلة القوة الجديدة. فالقدرة الحاسوبية تحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات هائلة من الطاقة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى شبكات ألياف ضوئية فائقة السرعة وأنظمة تبريد متطورة تعتمد على كميات كبيرة من المياه والطاقة. ولذلك، بدأت المنافسة العالمية تمتد من مصانع الرقائق إلى محطات الكهرباء، ومن الخوارزميات إلى البنية التحتية للطاقة. ولم يعد من قبيل المصادفة أن تخصص الولايات المتحدة والصين استثمارات ضخمة لبناء مجمعات حاسوبية عملاقة بالقرب من مصادر الطاقة المستقرة، لأن إنتاج الذكاء الاصطناعي بات يرتبط بقدرة الدولة على إنتاج الطاقة بقدر ارتباطه بقدرتها على كتابة الشيفرات البرمجية.
ويضاف إلى ذلك عنصر البيانات، الذي يمثل المادة الخام التي تتغذى عليها النماذج الذكية. وهنا تتمتع الصين بميزة نسبية ناتجة عن ضخامة سوقها الداخلية، واتساع استخدام الخدمات الرقمية، وقدرة الدولة على الوصول إلى كميات هائلة من البيانات. في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بأفضلية واضحة في جودة منظومة الابتكار، وفي الجامعات، ورأس المال المغامر، والشركات الرائدة القادرة على تحويل الأبحاث إلى منتجات عالمية خلال فترات زمنية قصيرة.
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية هذا التباين؛ فبينما تتصدر الصين العالم في عدد براءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتحقق تقدماً كبيراً في حجم الإنتاج العلمي، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق في القيمة الاقتصادية لهذه البراءات، وفي حجم الاستثمارات الخاصة، التي بلغت أكثر من مئة مليار دولار خلال عام واحد، مقابل أقل من عشرة مليارات دولار في الصين. وهذا يعني أن بكين تنافس بقوة في الكم، بينما لا تزال واشنطن تحتفظ بتفوق نوعي في تحويل الابتكار إلى قوة اقتصادية واستراتيجية.
غير أن المفارقة تكمن في أن سياسات الاحتواء الأميركية قد تحمل في داخلها عوامل إضعافها. فكلما توسعت القيود على تصدير الرقائق والبرمجيات وأدوات التصنيع، ازدادت الحوافز أمام الصين لتسريع بناء منظومتها التكنولوجية المستقلة. ومن ثم، فإن الهدف الأميركي لم يعد يبدو منع الصين من التقدم، لأن ذلك أصبح غير واقعي، بل إبطاء هذا التقدم وإطالة الزمن اللازم للوصول إلى مستوى المنافسة الكاملة. وفي المقابل، تعمل بكين على اختصار هذا الزمن عبر الاستثمار المكثف في البحث العلمي، والتصنيع المحلي، والنماذج المفتوحة المصدر منخفضة الكلفة.
وبذلك، يصبح جوهر المنافسة ليس من يصل أولاً، بل من ينجح في إدارة الزمن الاستراتيجي لمصلحته.
ثالثاً: نحو ردع رقمي متعدد الأقطاب
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع لا تقوم على الفصل الكامل بين الاقتصاد والأمن، بل على اندماجهما داخل منظومة تكنولوجية واحدة، يصبح فيها الاستثمار في مراكز البيانات، أو إنتاج الرقائق، أو تدريب النماذج اللغوية، جزءاً من استراتيجية الأمن القومي.
ومن المرجح أن يقود هذا الواقع إلى تعميق ظاهرة “الانفصال التكنولوجي” بين الولايات المتحدة والصين، بحيث تتطور تدريجياً منظومتان رقميتان متوازيتان، لكل منهما معاييره التقنية، وسلاسل إمداده، وأنظمة تشغيله، وضوابطه القانونية، وربما حتى تطبيقاته الخاصة في المستقبل. ولن يقتصر أثر هذا الانقسام على التجارة، بل سيمتد إلى طبيعة التحالفات الدولية، حيث ستجد الدول نفسها مضطرة إلى اتخاذ خيارات تتعلق بالبنية التحتية الرقمية، تماماً كما كانت تختار في الماضي بين التحالفات العسكرية.
ولا يعني ذلك أن أحد الطرفين سيفرض هيمنته المطلقة على الآخر. فالولايات المتحدة لا تزال تتفوق في معظم المفاصل الحساسة لمنظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، بينما تمتلك الصين قدرة استثنائية على تعبئة الموارد، وتسريع التصنيع، وخفض الكلفة، والتوسع في الأسواق الناشئة. ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في انتصار أحد النموذجين بصورة كاملة، وإنما في استمرار منافسة طويلة الأمد يعيد فيها كل طرف تشكيل أدواته باستمرار.
خاتمة
لا يبدو التنافس الأميركي–الصيني سباقاً عابراً يمكن حسمه خلال سنوات قليلة، بل تحولاً بنيوياً يعيد توزيع مصادر القوة العالمية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أفضلية نوعية في الابتكار والقدرة الحاسوبية والاستثمار، بينما تواصل الصين تقليص الفجوة عبر استراتيجية تقوم على الاكتفاء التكنولوجي، والتصنيع المحلي، وخفض الكلفة، وتسريع دورة التطوير.
وعليه، فإن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بميزان القوى العسكرية أو بحجم الاقتصادات الوطنية، وإنما أيضاً بقدرة الدول على إنتاج المعرفة الرقمية، وتأمين بنيتها التحتية الحاسوبية، والتحكم في تدفقات البيانات والطاقة والرقائق. وإذا كانت الثورة الصناعية قد أعادت تعريف الثروة، والثورة النووية أعادت تعريف الردع، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي تعيد اليوم تعريف القوة ذاتها. والدولة التي ستنجح في الجمع بين الخوارزميات، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، والبيانات، ورأس المال البشري، لن تحقق تفوقاً تقنياً فحسب، بل ستكون الأقدر على رسم قواعد النظام الدولي خلال العقود المقبلة. بهذا المعنى، فإن الردع في القرن الحادي والعشرين سيكون ردعاً رقمياً بقدر ما هو ردع عسكري.
