«يالطا 2» تلوح: هل بدأ الكبار إعادة تشكيل العالم؟

يشهد النظام العالمي تحوّلًا تتقدّم وقائعه على مؤسساته ومفاهيمه. فقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة على إدارة العالم منفردة، واستعادت روسيا حضورها الاستراتيجي، وصعدت الصين من قوة اقتصادية إلى قطب تكنولوجي وسياسي ينازع على قواعد النظام، فيما ضعفت قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الحروب وضبط التنافس. فانحسرت الأحادية قبل أن تتبلور تعددية مستقرة تنظّم ما بعدها.

حين كتبتُ، قبل أشهر، عن احتمال «يالطا 2»، لم أكن أتنبأ بموعد اجتماع أو بصورة تجمع ثلاثة قادة، بل أقرأ تحوّلًا في موازين القوة يجعل التفاوض على قواعد التنافس ضرورة تفرضها مخاطر الفوضى. فالمؤتمرات التاريخية تبدأ قبل جلوس القادة إلى الطاولة؛ تبدأ حين يعجز النظام القائم عن تمثيل القوى الصاعدة، ويغدو ابتكار قواعد جديدة شرطًا لمنع الصدام الشامل.

وقد أخذ هذا التحول يجد تعبيره السياسي. فمدينة شِنْجِن الصينية تستضيف اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ «أبيك» يومي 18 و19 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فيما طرحت موسكو إمكان لقاء على هامشه يجمع دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ. وتفيد تقارير بأن بوتين يعتزم حضور القمة، بينما لم تعلن واشنطن مشاركة ترامب أو ترتيب لقاء ثلاثي. لذلك يبقى الاجتماع احتمالًا سياسيًا مفتوحًا؛ غير أن طرحه، واقتراب بعض شروطه، نقلا سؤال إدارة تنافس القوى الكبرى من التحليل إلى التداول الدبلوماسي.

وتتحرك الدبلوماسية، في الوقت نفسه، على أضلاع المثلث. فقد بدأ شي جين بينغ زيارةً للولايات المتحدة تمتد من 23 إلى 25 أيلول (سبتمبر)، يلتقي خلالها ترامب في الرابع والعشرين منه، فيما يتعمق التنسيق الروسي – الصيني، وتواصل واشنطن اتصالاتها المتعلقة بالحرب الأوكرانية وسط الخلاف على الأرض والضمانات والعقوبات. وقد يفتح تقاطع هذه المسارات بابَ الحوار الثلاثي، أو يكشف التناقضات التي تمنعه.

ومن هنا يمكن الحديث عن «دبلوماسية المسار»: تفاهمات ثنائية تتراكم قبل أن تتقاطع، فتنتج قواعد جزئية لإدارة التنافس من دون أن تنشئ تحالفًا بين القوى الثلاث. وقدّم الحوار الأميركي – الصيني مثالًا حديثًا عليها. فإلى جانب التجارة والمعادن النادرة، بحث مسؤولون من البلدين آلية للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي ومواصلة النقاش في شِنْجِن، فيما ظل تمديد الهدنة التجارية، التي تنتهي في 10 تشرين الثاني (نوفمبر)، غير محسوم. وقد تبدأ قاعدة دولية جديدة على هذا القدر من التواضع: قناة اتصال بشأن خطر محدَّد، تختبر قدرتها على العمل وسط خصومة أوسع.

ويكتسب لقاء ترامب وشي أهمية خاصة لأن العلاقة بين واشنطن وبكين هي محور المنافسة على قيادة القرن. وستحضر فيه التجارة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وتايوان، وسط توقعات بأن تضغط بكين لوقف مبيعات السلاح الأميركية للجزيرة، وأن تعرض تعاونًا في ملفات دولية أخرى. ويكشف هذا الربط بين الأمن والتكنولوجيا والتجارة طبيعة المساومات المقبلة: لن يُبحث كل ملف في حدوده، بل بوصفه ورقةً في معادلة أشمل.

وقد تتيح تهدئة العلاقة الأميركية – الصينية توسيع الحوار، بينما يضع تعثرها القمة الثلاثية موضع الشك. وتدفع موسكو نحو اللقاء لتثبيت مكانتها قوةً لا يمكن تجاوزها، فيما تتحفظ بكين على صورة إدارة ثلاثية مغلقة تناقض دعوتها إلى تمثيل أوسع للجنوب العالمي. وإذا اجتمع القادة، فستجمعهم الحاجة إلى ضبط التنافس أكثر مما تجمعهم الثقة؛ فالخصومة التي تمنح الحوار ضرورته تضع حدوده أيضًا.

تستمد المقارنة مع يالطا الأولى مشروعيتها من وظيفتها التاريخية، لا من تطابق الأزمنة. فقد انعقد مؤتمر شباط/فبراير 1945 والحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، والقوى المنتصرة تستعد لترتيب ما بعدها. وأتاح لها ميزان القوة يومذاك التأثير في خرائط أوروبا ومجالات النفوذ وشكل النظام المقبل.

أما العالم الراهن، فتدور فيه حروب لم يحسمها أحد، وتتعايش الخصومة مع الاعتماد المتبادل. وتتوزع القوة بين السلاح النووي والاقتصاد والتكنولوجيا والبيانات والطاقة والمعادن والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. وتملك أوروبا والهند واليابان والبرازيل وتركيا ودول الخليج وسواها مصالح وقدرات تحول دون اختزال العالم في ثلاثة مراكز أو استنساخ خريطة 1945. وقد تعني «يالطا 2»، لذلك، انتقال التفاوض من تقسيم المكان إلى تحديد حدود الصدام وتنظيم القوة وإدارة المخاطر.

ولهذا ينبغي التمييز بين قمة تنتهي بصورة وبيان، وتفاهمات مستمرة تخفف خطر التصادم، وترتيب أوسع يربط الملفات الكبرى أو يقرّ مجالات نفوذ أو ينشئ آلية دائمة لإدارة التنافس. والمستوى الأخير وحده قد يستحق اسم «يالطا 2»، لكنه يطرح سؤالًا يتجاوز فاعلية الاتفاق: من يملك شرعية اتخاذ قرارات تمس شعوبًا غائبة عن صنعه؟

وتزداد الإجابة تعقيدًا لأن المثلث الأميركي – الروسي – الصيني غير متكافئ. فالمنافسة بين واشنطن وبكين تمتد من التجارة والذكاء الاصطناعي إلى تايوان والبحار وسلاسل الإمداد. وتجمع موسكو وبكين مصالح استراتيجية من دون تماثل في عناصر القوة؛ إذ تملك روسيا ترسانة نووية وخبرة عسكرية أوسع، فيما تتقدم الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا. أما واشنطن وموسكو، فتجمعهما الخصومة والحاجة المتبادلة إلى منع المواجهة المباشرة ومعالجة أخطار التسلح والحروب القائمة.

تريد واشنطن الحد من تماسك الشراكة الروسية – الصينية، وتخفيف كلفة النزاعات، وانتزاع مكاسب تجارية وتكنولوجية من بكين، ضمن حدود يفرضها الكونغرس والمؤسسة الأمنية والحلفاء. ويسعى بوتين إلى تثبيت دور روسيا في صياغة التسويات، وتخفيف العقوبات، وحماية ما تعدّه موسكو مصالح أمنية حيوية في أوكرانيا وأوروبا. أما شي، فيريد حماية صعود الصين وتأمين تجارتها وطاقتها وتكنولوجيتها وتجنب حرب حول تايوان، مع إبقاء بكين في صورة القوة المدافعة عن تعددية لا يحتكر إدارتها ثلاثة قادة.

ستحضر أوكرانيا بوصفها الاختبار الأول لأي تفاهم أميركي – روسي. وقد يبدأ البحث بوقف للنار وحماية منشآت الطاقة والملاحة وتبادل الأسرى، لكنه سيصطدم بالأرض والضمانات الأمنية وعلاقة أوكرانيا بحلف شمال الأطلسي والعقوبات. ويتزامن الحديث الدبلوماسي مع تصعيد الضربات المتبادلة؛ فكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل التفاوض. ويزيد القانون الأميركي الجديد، الذي يتيح فرض رسوم على دول تستورد الطاقة الروسية أو تساعد في الالتفاف على العقوبات، تشابك الحرب مع علاقات موسكو الاقتصادية بالصين والهند. وقد تسهم بكين في تيسير بعض التفاهمات، لكن شرعية التسوية ستتوقف على مشاركة أوكرانيا والأوروبيين المعنيين بأمن القارة في صنعها.

إقرأ على موقع 180  عن رئيس أميركا.. وفستان رانيا يوسف!

ويأتي ضبط السلاح النووي في مستوى أشد خطورة. فبعد انتهاء معاهدة «نيو ستارت» في شباط (فبراير) 2026، أصبحت الترسانتان الأميركية والروسية خارج سقوفها الملزمة. وتريد واشنطن إشراك الصين في إطار جديد، بينما تطالب موسكو بمراعاة القدرات البريطانية والفرنسية، وترفض بكين مساواتها الفورية بقوتين تفوقانها ترسانةً. وقد يقتصر الممكن على مبادئ عامة وإخطارات مسبقة وقنوات اتصال وقيود مؤقتة. ويزيد استخدام الذكاء الاصطناعي في الرصد والتقدير أهمية إبقاء القرار النووي تحت سيطرة البشر؛ فلم يعد ضبط الصاروخ كافيًا حين تستطيع الخوارزمية تقليص الوقت المتاح للتحقق من الإنذار.

أما تايوان، فتختصر التوتر بين مطالبة الصين بالسيادة ورفضها استقلال الجزيرة، وبين سعي الولايات المتحدة إلى منع تغيير الوضع بالقوة، ودعم قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها، وحماية حرية الملاحة. ويمنح موقع الجزيرة في صناعة أشباه الموصلات هذا التوتر أثرًا عالميًا، تتداخل معه الرسوم الجمركية والقيود التقنية والمعادن النادرة والأمن السيبراني. وقد تنتج المفاوضات تهدئة تجارية أو ضوابط عسكرية محدودة؛ أما مستقبل تايوان فلا يصح اختزاله في مساومة تتجاهل سكانها.

وتصل الطاقة والشرق الأوسط الحرب الأوروبية بأمن الخليج والاقتصاد الآسيوي. تريد واشنطن استقرار الأسعار والممرات، وتحتاج الصين إلى استمرار الإمدادات، وتسعى روسيا إلى حماية صادراتها. ويجعل مضيق هرمز هذه المصالح متداخلة، فيما تفرض ملفات إيران النووية والملاحة والعقوبات الحاجة إلى ترتيبات تمنع توسع المواجهة. ويضيف البرنامج النووي الكوري الشمالي اختبارًا آخر لقدرة القوى الكبرى على التعاون المحدود وسط خلافها الواسع.

لكن اتساع جدول التفاوض لا يمنح القوى الثلاث حق الانفراد بنتائجه. فقد يكشف استبعاد أوروبا من البحث في أمنها حدود قوتها السياسية، من دون أن يلغي وزنها في تنفيذ أي ترتيب للقارة. وأوكرانيا طرف في تقرير مصيرها، فيما يقتضي البحث في مستقبل تايوان مراعاة إرادة سكانها وواقعها السياسي الخاص. فالاستقرار المصوغ فوق رؤوس المعنيين به يظل معرضًا للانهيار مهما بلغت قوة ضامنيه.

وتملك الهند والبرازيل وتركيا ودول الخليج وسائر القوى الوسطى أوراقًا تتصل بالأسواق والطاقة والتكنولوجيا والموقع. وقد تفضّل تنويع شراكاتها على الانضواء في معسكر ثابت، وتطالب بدور في صياغة القواعد التي ستخضع لها. ولهذا يصعب على ثلاثة قادة تحويل تفاهم بينهم إلى نظام عالمي يتجاهل القوى التي ينبغي أن يعمل من خلالها.

وتواجه الأمم المتحدة امتحانًا يتجاوز عجز مجلس الأمن حين تتصادم مصالح أعضائه الدائمين. فالمنظمة تؤدي وظائف إنسانية وتنموية، لكن قدرتها على صون السلم تتراجع حين يُعطَّل القرار في المجلس. وقد يمنحها تفاهم القوى الكبرى فرصة للمساعدة في تنفيذ تسويات تعذّر إقرارها؛ وقد يحوّلها إلى جهة تضفي الشرعية على اتفاقات صيغت خارجها. ويرجّح أن يبدأ أي تفاهم ثلاثي، إن تحقق، بتنسيق المواقف في أزمات محددة قبل بحث إصلاح المجلس وحق النقض، وهو بحث يتجاوز أطراف القمة. بذلك يصبح مستقبل الأمم المتحدة مقياسًا لـ«يالطا 2»: هل تشارك الدول داخلها في صنع القواعد، أم تُختزل في ختم لما اتفق عليه الأقوياء؟

وعلى هذه الخلفية تتدرج النتائج الممكنة. فقد لا تُعقد القمة الثلاثية، وتستمر اللقاءات الثنائية والحوارات المتخصصة، أو تنعقد وتكتفي ببيان عام. والاحتمال الأرجح، في ضوء تباعد المصالح، هو إدارة مرنة للتنافس: تهدئة تجارية محدودة، وقنوات لخفض أخطار الذكاء الاصطناعي والتصعيد العسكري، وتفاهمات جزئية حول أوكرانيا والطاقة والتسلح. وقد تمنع هذه الإجراءات أزمةً من الانفجار من دون أن تنهي أسباب الخصومة.

أما الحزمة التي تربط الحرب والعقوبات والتجارة والتكنولوجيا والطاقة والتسلح، فتحتاج إلى تنازلات أعمق وقدرة على إشراك الحلفاء والدول المتأثرة بها. ويظل قيام إدارة ثلاثية دائمة للنظام الدولي أبعد الاحتمالات، لأن القوة موزعة على أطراف أكثر، ولأن الشراكة الروسية – الصينية والمنافسة الأميركية – الصينية تعوقان قيام وفاق مستقر بين الثلاثة.

تعدّد القوى لا يعني تعدد العدالة. فقد تتخذ التسوية صورة «يالطا التقاسم»، حيث يشتري الكبار الهدوء بينهم بتوزيع النفوذ وتحويل الشعوب إلى موضوعات للتفاوض. وقد تتجه إلى «يالطا المسؤولية»، حيث تقترن القدرة على وقف الحرب بواجب إشراك أصحابها، وتصبح المؤسسات الدولية والضمانات القابلة للتحقق جزءًا من الاتفاق. وتحتاج هذه المسؤولية إلى آليات تنفيذ ومراقبة وإنذار مبكر؛ فالترتيب الذي يجمّد النزاع ويترك أسبابه قد يؤجل الحرب، لكنه يعجز عن تأسيس السلام.

لقد اقتربت فكرة «يالطا 2» من امتحانها السياسي. فالتقارب المكاني بين القادة قد يتحقق في شِنْجِن، لكن اللحظة التاريخية لا يصنعها اجتماعهم وحده. قد تنتج المسارات الجارية صفقةً عابرة، أو إدارةً أعقل للتنافس، أو بدايةً لقواعد أوسع. وسيتحدد معناها بما تتفق عليه القوى الكبرى، وبمن يشارك في الاتفاق، وبما يملكه المتأثرون به من قدرة على قبوله ومراجعته.

لذلك سيكون السؤال، إذا اجتمع ترامب وبوتين وشي في شِنْجِن، أبعد من الشبه بين صورتهم وصورة يالطا القديمة: هل سيجد العالم الخارج من القاعة قواعد تقيه الفوضى، أم خرائط جديدة للفوضى وقّعها الأقوياء باسم السلام؟

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  جمال القرى رحّالة في "العلاقات الروسية الشرق أوسطية"