العالم بلا مركز.. ثلاثية القوة والفاعلية والسيادة في الزمن الشبكي

ثمة تحوّل عميق يجري في بنية العالم السياسي والاستراتيجي المعاصر، لا يتعلق فقط بانتقال القوة من دولة إلى أخرى، أو من الغرب إلى الشرق، كما تحاول القراءات الجيوسياسية التقليدية أن تصفه، وإنما يتعلق بما هو أعمق من ذلك: تغيّر في أنطولوجيا القوة نفسها، وفي إبستمولوجيا الفعل الاستراتيجي، وفي ماهية السيادة.

كان السؤال القديم: مَن يمتلك القوة؟ أما السؤال الجديد فهو: أين تتموضع القوة أصلاً؟ وكيف تتوزع؟ وكيف تتمظهر؟ وهل هي في نواة صلبة أم في حزام واقٍ ذكي؟

والفرق بين السؤالين ليس لغوياً. فالسؤال الأول يفترض سلفاً أن القوة شيء يمكن تحديد مالكه: دولة، جيش، مؤسسة، زعيم، حزب أو شركة.

أما السؤال الثاني فينطلق من وضع أكثر تعقيداً: القوة لم تعد موجودة بكاملها في موضع واحد لكي نبحث عن مالكها، وإنما أصبحت موزعة داخل شبكة من القوى، والأهم من العقد والعلاقات والبيانات والمنصات والخوارزميات والبنى التحتية والأفراد والعالم الافتراضي؛ لكن السؤال لا يتوقف هنا.

فإذا لم تعد القوة متمركزة في فاعل واحد، فعلينا ألا نسأل فقط: مَن يقوم بالفعل؟ بل ربما علينا أن نطرح سؤالاً أكثر عمقاً: مَن يمتلك، في النهاية، القدرة على تحديد ما يمكن وما لا يمكن فعله؟ وهل يمكن تعيينه فعلاً، إذا كانت القوة نفسها موزعة في العالم؟

ومن هنا نصل إلى ثلاثة مفاهيم مترابطة:

-القوة الموزعة (Distributed Power).

-الفاعلية الموزعة (Distributed Agency).

-السيادة الموزعة (Distributed Sovereignty).

وهي ليست ثلاثة مظاهر منفصلة، وإنما ثلاث درجات متداخلة لتحول تاريخي واحد يمكن أن نطلق عليه:

ثلاثية التوزّع الاستراتيجي (Distributed Strategic Triad).

فحين تتوزع القوة يبدأ احتكار المركز للقدرة بالتراجع، وهذا يستدعي إعادة تعريف القوة نفسها في عالم اليوم. وربما كان من الأدق تعريفها أيضاً من خلال سؤالين: مَن يستطيع أن يمنح؟ ومَن يستطيع أن يمنع؟

وحين تتوزع الفاعلية، يبدأ احتكار الفعل والقرار بالتراجع. وحين تتوزع السيادة، يبدأ احتكار تحديد ما يمكن وما لا يمكن فعله بالتراجع.

أي أننا ننتقل من:

توزيع القدرة، إلى توزيع الفعل، إلى توزيع التحكم بالمصير.

أولاً؛ القوة الموزعة

يمكن تعريف القوة الموزعة بأنها حالة استراتيجية لا تعود فيها القدرة على إنتاج التأثير محتكرة من مركز واحد، وإنما تنتشر بين عدد كبير من العقد، بحيث تمتلك كل عقدة جزءاً من القدرة، فيما تنشأ القوة الأكبر من تفاعل هذه الأجزاء داخل الشبكة. وقد لا تكون هذه الشبكة موجودة داخل دولة واحدة أصلاً.

وهذا يختلف، بطبيعة الحال، عن مفهوم توازن القوى.

فتوازن القوى يفترض وجود قوى محددة يمكن قياسها ومقارنتها: الدولة (أ) تمتلك قدراً معيناً من القوة، والدولة (ب) تمتلك قدراً آخر، ومن التوازن أو الاختلال بينهما ينشأ الاستقرار أو الصراع.

أما في القوة الموزعة، فالمشكلة أكثر تعقيداً؛ لأننا قد لا نستطيع أصلاً أن نحدد أين تبدأ القوة وأين تنتهي. كما أن توزيع موارد القوة لا يعني توزيعها بالتساوي؛ فقد تكون الشبكة واسعة وموزعة، فيما تتمركز قدرة استثنائية داخل عدد قليل من العقد الحرجة.

لنأخذ الحرب المعاصرة مثلاً. كان ممكناً، في التصور التقليدي، القول إن قوة الدولة العسكرية موجودة في جيشها واقتصادها وقدرتها على الإسناد اللوجستي.

أما اليوم، فقد تكون القدرة العسكرية موزعة بين الأقمار الصناعية، وشركات الاتصالات، ومراكز البيانات، وشركات الذكاء الاصطناعي، والمصارف، وسلاسل التوريد، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الذكاء الاصطناعي، والشركات الخاصة، وأنظمة الملاحة، والمنصات الإعلامية، والمعلومات مفتوحة المصدر، بل وحتى آلاف الأفراد الذين يحملون هواتف ذكية.

وهذا لا يعني مجرد زيادة في عناصر القوة؛ بل يعني تغيّراً في هندسة القوة وفي شكل بنائها.

ثانياً؛ القوة لم تعد هرماً

كانت القوة التقليدية ذات بنية هرمية:

قمة مسيطرة ← مستويات وسيطة ← تنفيذ.

أما القوة الموزعة فتأخذ، بصورة متزايدة، شكل الشبكة:

عقدة ↔ عقدة ↔ عقدة ↔ عقدة.

وهذا يعني أن إزالة القمة لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام؛ لأن القوة ليست متموضعة في القمة وحدها. فالعقد تؤدي وظائفها ضمن بنية مترابطة، وقد تستطيع الشبكة إعادة توزيع بعض وظائف العقد التي تتعرض للتعطيل. وهذا ما كنا قد شرحناه سابقاً في مفهوم اللاتسلسلية.

وهنا تكمن إحدى النتائج الاستراتيجية المهمة.

ففي النظام الهرمي تستطيع البحث عن مركز الثقل ثم ضربه. أما في النظام الشبكي، فقد لا يكون هناك مركز ثقل واحد يؤدي تعطيله إلى انهيار المنظومة بأكملها. فقد تضرب القيادة، فتبقى الشبكة. وقد تدمر منشأة، فتنتقل الوظيفة أو الدور إلى بنية أخرى.

وفي عالم الشبكات، قد تحظر منصة فتظهر منصة بديلة، وقد تعطل قناة اتصال فتتشكل قنوات اتصال جديدة.

وهكذا تصبح: اللامركزية مصدراً للمناعة الاستراتيجية.

وهي مفارقة مهمة؛ لأن اللامركزية التي كان يمكن أن تُقرأ في بعض النماذج التقليدية باعتبارها عاملاً من عوامل ضعف السيطرة، قد تتحول في النظام الشبكي إلى مصدر للمرونة والبقاء.

فالبقاء لا يعود مرتبطاً فقط بحماية المركز، بل بقدرة الشبكة على امتصاص الصدمة وإعادة توزيع وظائف العقد المتضررة.

ومن هنا يمكن النظر إلى هشاشة بعض الأنظمة السياسية أو العسكرية المعاصرة باعتبارها، جزئياً، نتيجة عجزها عن الانتقال من منطق المركز الواحد إلى منطق الشبكات والعقد.

ثالثاً؛ أوكرانيا والحرب الشبكية

تقدم الحرب الروسية–الأوكرانية نموذجاً مهماً لفهم القوة الموزعة؛ فالقدرة الأوكرانية لم تكن، في مراحل كثيرة من الحرب، تعبيراً عن القوة العسكرية الأوكرانية وحدها. لقد تشكلت حولها شبكة قدرة أوسع من الدولة ذاتها، اشتركت فيها حكومات غربية وأجهزة استخبارات، وأقمار صناعية تجارية، وشركات تكنولوجيا واتصالات، ومصادر معلومات مفتوحة، ومسيّرات تجارية وأخرى قدمها داعمون، فضلاً عن متطوعين ومبرمجين ومؤسسات مجتمع مدني.

وهنا يصبح السؤال:

أين تنتهي القوة الأوكرانية وأين تبدأ القوة الغربية؟

ليس من السهل الإجابة؛ لأن التداخل نفسه أصبح جزءاً من بنية القوة الموزعة.

فالقدرة الاستراتيجية لم تعد مساوية للحدود السياسية للدولة. ولا تكفي هنا مقولة «التبعية لحلف شمال الأطلسي» لتفسير الظاهرة؛ فقد يكون في هذا التوصيف جانب من الصحة، لكنه يبقى توصيفاً تقليدياً لا يلتقط عمق التحول الشبكي.

ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة:

جغرافيا القوة تتجاوز جغرافيا السيادة.

وهذه إحدى الخصائص الأساسية للنظام الاستراتيجي الجديد.

رابعاً؛ الرقائق وقوة العقدة الحرجة

لنأخذ مثال أشباه الموصلات.

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن القوة موجودة لدى الدولة التي تصنع الرقائق. لكن عندما نفكك المنظومة نجد شبكة شديدة التعقيد: التصميم في موضع، وبرمجيات أتمتة التصميم الإلكتروني (EDA) في موضع آخر، ومعدات الطباعة الضوئية المتقدمة في حلقات شديدة التركّز، والتصنيع في شرق آسيا ومناطق أخرى، والمواد والغازات والكيماويات المتخصصة موزعة بين دول وشركات مختلفة، ثم يأتي التغليف والاختبار في حلقات أخرى من السلسلة.

لا يمتلك فاعل واحد السلسلة بكاملها. لكن بعض العقد داخلها تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الشبكة أو تعطيلها.

ومن هنا يمكن أن نقترح مفهوم:

قوة العقدة الحرجة (Critical Node Power).

أي أن قوة العقدة لا تتحدد بحجمها فقط، وإنما بدرجة ضرورتها لاستمرار الشبكة، وبصعوبة استبدالها، وبموقعها من تدفقات القوة داخلها.

وهذا يقود إلى مفارقة استراتيجية:

قد يكون الفاعل صغيراً جغرافياً، لكنه كبير شبكياً.

فالسيطرة على عقدة يصعب استبدالها قد تصبح، في بعض الحالات، أكثر أهمية من امتلاك مساحة جغرافية هائلة. هنا لا تتناسب كتلة الفاعل بالضرورة مع حجم أثره.

وفي العالم الهرمي كان الكبير يؤثر، في الأغلب، تأثيراً يتناسب مع حجمه. أما في عالم الشبكات فقد اختلت هذه العلاقة. فقد تمتلك عقدة صغيرة قدرة على إحداث أثر عالمي لأنها تتموضع عند نقطة اختناق (Chokepoint).

وبذلك يمكن صياغة قاعدة استراتيجية:

في النظام الشبكي، لا تسأل عن حجم الفاعل فقط؛ اسأل عن موقعه داخل شبكة الاعتماد.

خامساً؛ الفاعلية الموزعة

إذا كانت القوة الموزعة تجيب عن سؤال: أين تتوزع القدرة؟ فإن الفاعلية الموزعة تنقلنا إلى سؤال أشد تعقيداً:

مَن يفعل؟

في التصور التقليدي لدينا:

فاعل ← قرار ← فعل ← نتيجة.

لكن هذه السلسلة بدأت تتغير جذرياً.

ففي النظم المعاصرة، قد تكون النتيجة حصيلة تفاعل عشرات أو آلاف الفاعلين، بالتداخل مع الأنظمة التقنية والخوارزميات، من دون أن يكون أي منهم قد قرر النتيجة النهائية منفرداً.

ومن هنا يمكن تعريف الفاعلية الموزعة بأنها:

حالة لا يعود فيها الفعل الاستراتيجي قابلاً للإرجاع بالكامل إلى إرادة مركزية منفردة، وإنما ينشأ من التفاعل التراكمي والبيني بين البشر والمؤسسات والأنظمة التقنية والخوارزميات والعقد الشبكية.

هنا يصبح الفعل منبثقاً (Emergent) بقدر ما يكون مأموراً به.

من «مَن فعل؟» إلى «كيف حدث الفعل؟»

هذه النقلة ذات دلالة إبستمولوجية عميقة.

فعندما يقع حدث سياسي، نسأل باللغة التقليدية: مَن أصدر الأمر؟

أما في النظام الموزع فقد يصبح السؤال غير كافٍ، لأن النتيجة ربما لم يصدر بها أمر واحد أصلاً. وهنا لا يختفي السؤال السببي، لكنه يصبح أكثر تعقيداً: لا نبحث فقط عن صاحب القرار، بل عن المسار والبنية والتفاعلات التي أنتجت النتيجة.

خذ الأسواق المالية مثلاً. قد يحدث انهيار سريع للأسعار نتيجة تفاعل خوارزميات التداول، وأوامر البيع الآلية، وتوقعات المستثمرين، والأخبار، ومنصات التواصل، ونماذج المخاطر وحركة رؤوس الأموال. وقد يؤدي إغلاق مضيق بحري، بوصفه عقدة وصل، إلى تحولات في أسعار أصول وقطاعات لم تكن هي الهدف المباشر للحدث.

فمن «قرر» النتيجة؟

لا أحد بصورة منفردة، والجميع بصورة ما.

وهنا نصل إلى المفارقة التي يمكن تسميتها:

فاعل بلا فاعل مركزي.

أو، بصورة أكثر اختصاراً:

فاعل بلا فاعل.

ليس المقصود أن الفاعلين اختفوا، بل أن النتيجة قد لا يكون لها مؤلف واحد يستطيع الادعاء بأنه أنتجها وحده.

وهذه إحدى أهم سمات الفاعلية الموزعة.

سادساً؛ فاعلية الفاعل وفاعلية البنية

مع دخول الذكاء الاصطناعي تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

لنفترض أن منظومة عسكرية تعتمد على أقمار صناعية لجمع البيانات، ونظام ذكاء اصطناعي لتصنيف الأهداف، وخوارزمية لترتيب الأولويات، وضابط بشري للموافقة، وطائرة مسيّرة للتنفيذ. ثم نُفذ عمل ما.

فمن قام بالفعل؟

الإجابة التقليدية تبحث عن شخص. أما الإجابة الشبكية فتبحث أيضاً عن بنية الفعل.

ومن هنا يمكن التمييز تحليلياً بين:

فاعلية الفاعل (Actor Agency)

و

فاعلية البنية (Agency of Architecture).

فالحدث في الأنظمة المعقدة قد يكون نتاج بنية تجعل مجموعة من الأفعال الصغيرة تنتج نتيجة كبرى لم يقصدها أي عنصر منفرد بالصورة النهائية نفسها. وليس معنى ذلك أن البنية تمتلك إرادة بشرية، وإنما أن تصميمها وترابطاتها وقواعد عملها تحدد ما يستطيع الفاعلون فعله، وكيف تتفاعل أفعالهم، وما النتائج التي يمكن أن تنبثق عنها.

سابعاً؛ حرب لا يقررها أحد

لنتصور سيناريو مستقبلياً: دولتان كبيرتان في أزمة.

ترصد خوارزمية استخباراتية تحركاً عسكرياً لدى الخصم وتمنحه احتمالاً مرتفعاً بأنه استعداد للهجوم. فيقوم نظام آخر، يعمل بالتوازي، برفع حالة التأهب.

تلتقط منظومة الخصم حالة التأهب الجديدة وتفسرها بوصفها استعداداً للهجوم، فترفع بدورها حالة التأهب.

ثم تلتقط خوارزميات الدولة الأولى هذا التغيير، فتزداد ثقتها بأن توقعها الأول كان صحيحاً.

وهكذا تدخل الحالة في حلقة تتجاوز مجرد التغذية الراجعة إلى ما يشبه الدارة المعيبة (Vicious Circle):

التباس في الموقف ← استجابة ← رصد الاستجابة ← تأكيد الافتراض الأول ← استجابة أكبر.

وفي النهاية قد تصل الدولتان إلى حافة الحرب، وربما تدخلانها، فيما لم يكن أي منهما يريدها ابتداءً.

لقد أنتجت الشبكة نتيجة لم يقررها عنصر واحد.

وهنا تصبح الفاعلية موزعة بين البشر والآلات والإجراءات والتوقعات وسوء تفسير الإشارات.

ونكون أمام مفهوم يمكن أن نسميه:

الخطأ المنبثق (Emergent Error).

أي الخطأ الذي لا يمكن اختزاله في خطأ فرد واحد، بل ينتج من تفاعل عناصر قد يبدو كل منها عقلانياً منفرداً، فيما تنتج كليتها نتيجة غير عقلانية.

وهنا يتضح الفرق بين القوة الموزعة والفاعلية الموزعة: الأولى تتعلق بتوزيع القدرة على التأثير، والثانية بتوزيع إنتاج الفعل والنتيجة.

فقد تمتلك مؤسسات كثيرة عناصر قوة، بينما تبقى القيادة السياسية صاحبة القرار النهائي. لكن عندما تتوزع عمليات التقدير والقرار والتنفيذ والتعديل بين البشر والخوارزميات والمؤسسات والشبكات، نكون قد انتقلنا إلى الفاعلية الموزعة.

ومن هنا نصل إلى المفهوم الثالث.

ثامناً؛ السيادة الموزعة

السؤال هنا هو:

لماذا لم يعد هناك مَن يمتلك الكلمة النهائية كاملةً؟

يمكن تعريف السيادة الموزعة (Distributed Sovereignty) بأنها:

حالة تحتفظ فيها الدولة بسيادتها القانونية والرسمية، فيما تتوزع الشروط والقدرات الفعلية اللازمة لتقرير مصيرها وإدارة مجالها الاستراتيجي بين شبكات وعقد داخلية وخارجية وتقنية واقتصادية وخوارزمية لا تخضع جميعها لسلطتها المباشرة.

ولا تعني السيادة الموزعة بالضرورة انهيار السيادة.

فالانهيار يعني غياب السلطة، أما التوزع فيعني أن السلطة موجودة، لكن القدرة اللازمة لتحويل إرادتها إلى واقع لم تعد موجودة بكاملها في مكان واحد.

قد تظل الحكومة صاحبة القرار الدستوري، لكن قدرتها على تنفيذ قرارها تعتمد على مصارف عالمية، وشركات تكنولوجيا، ومنصات رقمية، وشبكات دفع، ومراكز بيانات، ومزودي خدمات سحابية، وأقمار صناعية، وسلاسل توريد، وشركات أشباه موصلات، وأنظمة ذكاء اصطناعي.

ومن هنا تظهر المفارقة:

قد تكون الدولة كاملة السيادة قانونياً، لكنها ناقصة الاستقلال شبكياً.

تاسعاً؛ السيادة القانونية والاستقلال الشبكي

وهنا ينبغي التمييز بين:

السيادة القانونية (Legal Sovereignty)

و

الاستقلال الشبكي (Network Autonomy).

فالدولة قد تكون ذات سيادة قانونية كاملة، لكن ذلك لا يعني أنها تستطيع أداء جميع وظائفها الاستراتيجية من دون الاعتماد على شبكات خارج سيطرتها.

وبذلك لا تكون «السيادة الموزعة» نفياً للسيادة القانونية، بل وصفاً لتوزع شروط ممارستها الفعلية.

عاشراً؛ من السيادة الإقليمية إلى السيادة الوظيفية

ارتبط مفهوم السيادة تاريخياً بالإقليم: مَن يحكم هذه الأرض؟ مَن يسيطر على حدودها؟ ومَن يملك حق استخدام القوة داخلها؟

لكن المجال الذي تتحرك فيه الدولة اليوم لم يعد جغرافياً فقط.

هناك مجال البيانات (Data Space)، والمجال السيبراني (Cyberspace)، والمجال الخوارزمي (Algorithmic Space)، والمجال المالي (Financial Space)، والمجال المعلوماتي (Information Space)، والمجال المداري (Orbital Space).

وقد تستطيع الدولة السيطرة على حدودها البرية، فيما لا تسيطر بالكامل على البيانات التي تتحرك داخلها، ولا على المنصات التي تشكل جانباً من وعي مواطنيها، ولا على البنية السحابية التي تعتمد عليها مؤسساتها، ولا على الخوارزميات التي تدخل في بعض قراراتها.

عندئذ تبقى السيادة الإقليمية قائمة، فيما تصبح السيادة الوظيفية (Functional Sovereignty) أكثر توزيعاً.

حادي عشر؛ القرار السيادي لا يساوي القدرة السيادية

لنتخيل أن دولة قررت إنشاء منظومة ذكاء اصطناعي سيادية متقدمة.

من الناحية القانونية تستطيع اتخاذ القرار. لكن التنفيذ يحتاج إلى رقائق متقدمة، ومعدات تصنيع شديدة التخصص، وبرمجيات، ومراكز بيانات، وطاقة، وخبرات، وربما خدمات سحابية أو بنى تقنية موجودة خارج الدولة.

وهنا تظهر المعادلة:

القرار السيادي لا يعني امتلاك القدرة السيادية على تنفيذه.

لقد قررت الدولة، لكنها تحتاج، لكي يصبح قرارها واقعاً، إلى شبكة من الفاعلين الآخرين. وهكذا يدخل هؤلاء، من دون أن يصبحوا حكومات أو أصحاب سيادة قانونية، في البنية الفعلية لممارسة السيادة.

إقرأ على موقع 180  حين يفقد القائد ذاكرته السياسية: من ديغول إلى ترامب!

ثاني عشر؛ الشركات ووظائف السيادة

في النظرية السياسية التقليدية لا يمكن لشركة خاصة أن تكون صاحبة سيادة، وهذا صحيح قانونياً.

لكن ماذا يحدث إذا أصبحت منظومة اتصالات أو أقمار صناعية تجارية ضرورية لاستمرار عمليات دولة أثناء حرب؟

عندئذ يصبح قرار الشركة المتعلق بالتشغيل أو التغطية أو القيود التقنية ذا أثر سيادي.

الشركة لم تصبح دولة، لكن الدولة أصبحت تعتمد على قرار ليس قرارها وحدها.

فالسيادة الموزعة لا تعني أن الشركات أصبحت دولاً؛ بل إن بعض وظائف ممارسة السيادة أصبحت تمر عبر عقد لا تتمتع هي نفسها بالسيادة.

ثالث عشر؛ السيادة النقدية والخوارزمية

قد تمتلك دولة عملتها ومصرفها المركزي وتكون صاحبة سيادة نقدية قانونية، فيما يعتمد اقتصادها بصورة واسعة على شبكات دفع دولية وأسواق رأس المال الخارجية والتصنيفات الائتمانية والمنصات الرقمية والخوارزميات المالية.

أي إنها تعيش داخل عالم من السياسة النقدية الشبكية.

تستطيع الدولة اتخاذ القرار النقدي، لكن أثره يتشكل من خلال استجابات شبكة أوسع لا تسيطر عليها بالكامل.

وبالتالي تصبح السيادة، في بعض وجوهها:

قراراً مركزياً ذا نتائج موزعة.

رابع عشر؛ عقدة الفيتو

عندما تتوزع القوة والسيادة، لا تحتاج العقدة إلى امتلاك الشبكة لكي تكون قوية. فقد يكفي أحياناً أن تستطيع منع الشبكة من أداء وظيفة حاسمة.

ومن هنا يمكن أن نقترح مفهوم:

عقدة الفيتو (Veto Node).

وهي:

العقدة التي لا تحتاج إلى امتلاك المنظومة لكي تمتلك القدرة على منعها من أداء وظيفة حاسمة.

وهذا شكل مختلف من القوة.

فالعقدة قد لا تستطيع القول: افعلوا.

لكنها تستطيع القول:

لن تستطيعوا أن تفعلوا من دوني.

وهنا ننتقل من:

قوة الأمر (Command Power)

إلى:

قوة الاعتماد (Dependency Power).

وقد تصبح قوة الاعتماد في العالم الشبكي، في بعض الحالات، أكثر أهمية من قوة الأمر.

خامس عشر؛ قاعدة الاعتماد الاستراتيجي

يمكن بناء قاعدة على ذلك:

كلما ازدادت ضرورة العقدة لاستمرار وظيفة استراتيجية، وازدادت صعوبة استبدالها، ازدادت قوتها حتى لو لم تمتلك سلطة رسمية على بقية الشبكة.

ومن ثم فإن القوة لا تقاس فقط بما تستطيع إجبار الآخرين على فعله، وإنما أيضاً:

بما لا يستطيع الآخرون فعله من دونك.

وهذا يعيد تعريف مفهوم القوة الاستراتيجية.

سادس عشر؛ من الهرم السيادي إلى الشبكة السيادية

كان النموذج التقليدي للسيادة أقرب إلى هرم:

الدولة ↓ المؤسسات ↓ الأجهزة ↓ المجتمع.

أما النموذج الناشئ فأقرب إلى شبكة:

الدولة ↔ الشركات ↔ المنصات ↔ الأسواق ↔ الخوارزميات ↔ البيانات ↔ الأفراد ↔ الشبكات الدولية.

لا يعني هذا تساوي هذه العناصر، ولا اختفاء الدولة.

بل يمكن القول إن الدولة أصبحت عقدة فائقة (Super-Node) داخل شبكة أكبر، بدلاً من أن تكون الحاوية الوحيدة لكل الشبكات التي تعمل في مجالها.

وهذا فارق أساسي.

سابع عشر؛ الدولة من مركز النظام إلى العقدة الأعظم

ربما لا تكون الدولة في طريقها إلى الاختفاء كما توهمت بعض نظريات العولمة، بل قد يحدث شيء مختلف:

تتغير طبيعة مركزية الدولة.

تبقى الدولة أقوى العقد في كثير من الحالات، لكنها لا تبقى العقدة الوحيدة القادرة على إنتاج النتائج.

ومن هنا يمكن التمييز بين السيادة المركزية والسيادة العقدية.

في الأولى:

السيادة نابعة من الدولة–المركز.

وفي الثانية:

تتحدد فاعلية السيادة بقدرة الدولة على إدارة شبكة الاعتماد المحيطة بها والمتداخلة معها.

ومن ثم تصبح الدولة الأكثر استقلالاً استراتيجياً ليست بالضرورة الدولة التي تعلن استقلالها أكثر، وإنما الدولة التي تستطيع تقليل اعتمادها الحرج على العقد التي لا تسيطر عليها، وفي الوقت نفسه زيادة اعتماد الآخرين على العقد التي تسيطر هي عليها.

ثامن عشر؛ فجوة السيادة

يمكن أن نسمي فجوة السيادة المسافة بين القرار الذي تستطيع الدولة اتخاذه قانونياً، والفعل الذي تستطيع تنفيذه بصورة مستقلة فعلياً.

فكلما اتسعت هذه المسافة اتسعت الفجوة بين:

السيادة القانونية والسيادة الفعلية.

وكلما تقلصت اقتربت الدولة مما يمكن تسميته:

الاستقلال الاستراتيجي.

وهذا يقدم مقياساً مختلفاً للسيادة. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل الدولة مستقلة؟ يصبح السؤال:

كم تبلغ المسافة بين إرادتها وقدرتها المستقلة على تحويل هذه الإرادة إلى واقع؟

تاسع عشر؛ المثال الصيني 

يمكن، من هذا المنظور، قراءة سعي الصين إلى تعزيز قدراتها في سلاسل الإمداد والرقائق والمنصات الرقمية وأنظمة الدفع والبنية التحتية التكنولوجية.

يمكن قراءة ذلك اقتصادياً، لكن ثمة قراءة استراتيجية أعمق: إنها محاولة لتقليل المسافة بين:

ما تريد الدولة فعله، وما تستطيع فعله، وما تحتاج إلى الآخرين لكي تفعله.

أي محاولة لزيادة التقارب بين:

القوة والفاعلية والسيادة.

وبذلك يصبح الاستقلال الاستراتيجي ليس عزلة عن العالم، بل:

إدارة محسوبة للاعتماد المتبادل، بحيث لا يتحول الاعتماد الحرج إلى حق تعطيل يمارسه الآخر عبر شبكة الاعتماد وعقدها الحساسة.

عشرون؛ السيادة المعرفية

مع الذكاء الاصطناعي تصل المسألة إلى مستوى أعمق.

فالشركات التقنية لم تعد فقط تمتلك موارد تحتاج إليها الدول؛ بل أصبحت تنتج وتدير بعض الأدوات المعرفية التي تدخل في تكوين القرار نفسه.

فإذا اعتمدت الدولة على منظومات الذكاء الاصطناعي في التحليل الاستخباراتي، والتنبؤ، وتحديد المخاطر، والحرب السيبرانية، والتخطيط العسكري، والسياسة الاقتصادية، فإن السؤال لم يعد فقط:

مَن يمتلك وسائل تنفيذ القرار؟

بل أيضاً:

مَن يشارك في تشكيل المعرفة التي يتأسس عليها القرار؟

وهنا نصل إلى مفهوم السيادة المعرفية (Epistemic Sovereignty).

ويمكن تعريفها بأنها:

قدرة الفاعل السياسي على امتلاك، أو التحكم بدرجة كافية، في شروط إنتاج المعرفة التي يبني عليها قراراته الاستراتيجية، لا مجرد امتلاك الحق الشرعي في اتخاذ تلك القرارات.

فالدولة التي لا تمتلك الأدوات التي تعرف من خلالها العالم قد تمتلك سيادة القرار، لكنها لا تمتلك بالكامل السيادة على المعرفة التي أسهمت في إنتاج القرار.

وإذا كانت الخوارزمية تحدد ما الذي يستحق الانتباه، وما الذي يمثل خطراً، وما السيناريو الأكثر احتمالاً، وما البيانات ذات الصلة، فإنها لا تتخذ القرار السياسي بالضرورة، لكنها تشارك في تحديد:

المجال المعرفي الذي يصبح القرار داخله ممكناً.

لن يمتلك أي فاعل كل السيادة المعرفية، لكن امتلاك قدر أكبر من أدوات المعرفة ومفاصلها وعقدها يعزز استقلاله الاستراتيجي.

واحد وعشرون؛ النموذج الموحد

يمكن الآن ترتيب ثلاثية التوزع الاستراتيجي على ثلاثة مستويات:

1-المستوى الأول: توزع القدرة.

لم يعد السؤال فقط: مَن يستطيع التأثير؟ بل: مَن هم الذين يؤثرون، وما درجات تأثيرهم، وأين تتموضع قدرتهم داخل الشبكة؟

2-المستوى الثاني: توزع الفعل.

والسؤال هنا:

مَن يشارك في إنتاج الحدث؟

3-المستوى الثالث: توزع التحكم والسيادة.

والسؤال:

ما الشبكات والعقد التي تستطيع تحديد ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله؟

لكن المستويات الثلاثة تقوم فوق مستوى أعمق:

البنية التحتية الإبستمولوجية (Epistemic Infrastructure).

والسؤال فيها:

مَن يحدد ما نعرفه عن الواقع الذي نقرر داخله، وبأي أدوات، ومن خلال أي بيانات؟

وهكذا يمكن بناء سلسلة:

المعرفة → الفاعلية → القوة → السيادة.

لكن الشبكة تعمل أيضاً في الاتجاه المعاكس:

السيادة → القوة → الفاعلية → إنتاج المعرفة.

ولهذا لسنا أمام خط مستقيم. نحن هنا نتجاوز الخطيّة إلى:

حلقة استراتيجية ذاتية التعزيز تنتج فيها المعرفة القوة، وتعيد القوة تشكيل شروط إنتاج المعرفة.

القوة بلا مالك، والفعل بلا فاعل، والسيادة بلا مركز كامل

عندما نجمع المفاهيم الثلاثة نصل إلى نتيجة شديدة الصلة بعالم VUCA الذي تناولناه بالتفصيل سابقاً، وبعالم ما بعد ما بعد الحداثة.

في العالم التقليدي كنا نتخيل وجود:

فاعل معلوم، وقوة معلومة، وقرار معلوم، ونتيجة قابلة للإسناد.

أما الآن فقد يصبح لدينا:

قوة موزعة، وفاعلية موزعة، وسيادة موزعة، وقرار منبثق، ونتيجة يصعب إسنادها إلى جهة واحدة.

وهذا يزيد التشابك والتعقيد والالتباس واللايقين، وهي عناصر أساسية في عالم VUCA.

وهنا لا يعود الالتباس مجرد نقص في المعلومات، بل يصبح، في بعض الحالات:

خاصية بنيوية للنظام ذاته.

فنحن لا نعرف مَن الفاعل، ليس فقط لأن الفاعل قد يكون مستتراً، وإنما لأنه ربما لا يوجد فاعل واحد أصلاً.

إننا ننتقل من:

فاعل مجهول

إلى:

لا فاعل منفرد.

بل مجموعة فاعلين، حيث الكل ليس مجرد مجموع أفراده.

وهذا أكثر تعقيداً.

ومن هنا تظهر ثلاث مفارقات:

قوة لا يمتلكها طرف بعينه بالكامل.

فعل لا يقوم به أحد بالكامل.

وسيادة لا يمارسها مركز واحد بصورة وظيفية مطلقة.

ثاني وعشرون؛ هندسة الاعتماد الجديد

من هنا يمكن الوصول إلى المفهوم الجامع للمسألة كلها:

هندسة الاعتماد الجديد (Architecture of New Dependency)

لقد اعتدنا سابقاً النظر إلى الاعتماد باعتباره رذيلة سياسية، وكأن الاستقلال ممكن بإدارة الظهر إلى الآخرين. لكن واقع العالم الشبكي مختلف.

فجوهر الصراع الاستراتيجي في العالم القادم قد لا يكون السيطرة على الأراضي وحدها، ولا السيطرة المباشرة على الآخرين، وإنما:

التحكم الفاعل في هندسة الاعتماد.

أي: مَن يعتمد على مَن؟ وإلى أي حد؟ وفي ماذا؟ وبأي درجة؟

والأهم:

ما العقدة التي إذا تعطلت تعطلت معها وظائف أخرى؟ ومَن يمتلك البديل؟ ومَن لا يمتلكه؟

فالقوة في عالم ما بعد ما بعد الحداثة ستكون، بصورة متزايدة، مرتبطة بقدرة الفاعل على جعل الآخرين يعتمدون عليه، فيما يقلل هو اعتماده الحرج عليهم.

ومن هنا يمكن صياغة معادلة مفاهيمية:

القوة الاستراتيجية الشبكية =

الاعتماد الذي تفرضه على الآخرين ÷ الاعتماد الحرج الذي يفرضه الآخرون عليك.

وليست هذه معادلة رياضية بالمعنى الحرفي، وإنما أداة نظرية للتفكير والقياس المقارن.

فكلما ارتفع البسط وانخفض المقام ازدادت:

السيادة الشبكية.

أي: كلما زاد الاعتماد الذي تفرضه على الآخرين، وقل اعتمادك الحرج عليهم، ازدادت قدرتك على الحركة داخل الشبكة.

وهنا يجب التأكيد:

لن تكون هناك سيادة مطلقة.

ثالث وعشرون؛ الحضور الاستراتيجي بوصفه ضرورة

لنتخيل شركة صغيرة طورت خوارزمية أصبحت معياراً أساسياً تعتمد عليه آلاف المؤسسات في اتخاذ قرارات مالية أو أمنية.

اقتصادياً قد تكون الشركة صغيرة. عسكرياً لا تمتلك شيئاً. جغرافياً ربما تشغل مبنى واحداً.

لكنها تقع في قلب شبكة القرار.

فإذا تعطلت خوارزميتها أو أخطأت، انتقل الأثر إلى آلاف العقد الأخرى.

هنا لا يمكن قياس القوة بالدبابات ولا بالناتج المحلي ولا بعدد السكان وحدها.

إننا أمام:

القوة بالعقد الشبكية.

أي أن:

قيمة القوة الجديدة لا تتحدد فقط بما تملكه العقدة، وإنما بعدد الوظائف والفاعلين الذين يعتمدون عليها، وبدرجة اعتمادهم، وبصعوبة استبدالها.

وهذا يفتح أمامنا مفهوماً أكثر عمقاً:

القوة بوصفها ضرورة للآخر.

فأحد أعلى أشكال القوة الشبكية قد لا يكون إجبار الآخر على الطاعة، بل جعل وجودك شرطاً لاستمرار قدرته على الفعل.

وهنا يحدث التداخل في الاعتمادية، ويتراجع معنى الاستقلال بصورته القديمة. فالاعتماد أصبح جزءاً لا يتجزأ من العالم الشبكي، وهذا يستلزم إعادة النظر في مفهوم الصراع نفسه. فالصراع لم يعد دائماً مجرد كسر مباشر للإرادات؛ بل يمكن أن يصبح صراعاً على شروط الاعتماد، ومسارات التدفق، والعقد التي تسمح بالفعل أو تمنعه.

رابع وعشرون؛ انتصار بلا حرب

لنفترض وجود دولتين: (أ) و(ب).

الدولة (أ) تمتلك جيشاً أقوى.

لكن الدولة (ب) تسيطر على عقد حيوية تعتمد عليها الدولة (أ): رقائق إلكترونية، أو مواد استراتيجية، أو بنية بيانات، أو طرق تجارية، أو برمجيات حاسمة.

وفق المنطق التقليدي:

أ أقوى من ب.

لكن وفق منطق القوة الموزعة قد تستطيع (ب) تعطيل جزء حاسم من قدرة (أ).

وهنا تظهر نتيجة استراتيجية:

قد يستطيع فاعل أضعف عسكرياً إكراه فاعل أقوى إذا كان يحتل موقعاً أكثر حساسية داخل شبكة اعتماد الأخير.

وهكذا تنتقل الاستراتيجية من:

ضرورة تدمير قوة الخصم

إلى:

إعادة هندسة اعتماد الخصم.

أي أن الانتصار قد يتحقق، في بعض الحالات، من دون تحطيم القوة المادية للخصم، إذا أمكن التحكم بالشروط التي تجعل هذه القوة قابلة للاستخدام.

ومن هنا تتولد تحولات استراتيجية كبرى:

من امتلاك القوة إلى السيطرة على العقد الحرجة.

ومن السيادة على الإقليم إلى السيادة على الاعتماد.

ويمكن أن نضيف تحولاً أكثر عمقاً:

من السيطرة على القرار إلى التأثير في الشروط المعرفية التي يتولد ضمنها القرار.

وهنا تتصل السيادة الإبستمولوجية مباشرة بالقوة الموزعة والفاعلية الموزعة والسيادة الموزعة.

خاتمة: مَن يصمم الشبكة؟

العناصر الثلاثة ليست مجرد ثلاثة مصطلحات جديدة لوصف اللامركزية، بل تعبر عن تحول في ماهية العالم الاستراتيجي نفسه.

ففي القوة الموزعة تتشظى القدرة بين العقد.

وفي الفاعلية الموزعة يتوزع إنتاج الفعل بين البشر والمؤسسات والآلات والخوارزميات.

وفي السيادة الموزعة تتوزع الشروط العملية التي تجعل القرار السيادي قابلاً للتنفيذ.

وعند هذه النقطة لا يعود جوهر الصراع الاستراتيجي مجرد امتلاك المزيد من القوة، بل:

تصميم شبكة الاعتماد.

فالقوة الجديدة لا تتحدد فقط بما أملكه، وإنما بما يحتاج الآخر إليّ لكي يفعله.

ولا تتحدد السيادة فقط بحقي في اتخاذ القرار، وإنما بمقدار قدرتي على تنفيذه من دون أن تستطيع عقدة خارج إرادتي تعطيله.

ولا تتحدد الفاعلية فقط بمن أصدر الأمر، وإنما بالبنية التي جعلت النتيجة تظهر.

ومن هنا يمكن تلخيص التحول كله في ثلاث مفارقات:

قوة لا يمتلكها أحد بالكامل.

فعل لا يقوم به أحد بالكامل.

وسيادة لا يستطيع أحد ممارستها بالكامل بمعزل عن الشبكة.

ومن ثم فإن العالم القادم لن يكون فقط عالماً متعدد الأقطاب، بل عالماً متعدد العقد، متعدد الفاعليات، ومتراكب السيادات والاعتمادات. وقد يعني ذلك حالة أعلى من السيولة، بحيث يصبح الحديث عن «نظام عالمي» بالمعنى الذي عرفناه أكثر تعقيداً.

وعندئذ لن يكون السؤال الاستراتيجي الأكبر:

مَن يحكم العالم؟

بل:

مَن يصمم الشبكة الاعتمادية التي يعمل العالم داخلها؟

لأن من يصمم بنية الاعتماد لا يحتاج بالضرورة إلى أن يحكم كل عقدة فيها.

يكفي أن يجعل نفسه:

العقدة التي لا يمكن تجاوزها.

وهنا نصل إلى أقصى صورة للقوة الشبكية السيادية:

أن تكون موجوداً في بنية فعل الآخرين إلى الدرجة التي يصبح فيها استمرار قدرتهم على الفعل مشروطاً باستمرار وجودك.

وعندها يتحول معنى القوة من:

أن تستطيع أن تفعل ما تريد

إلى مستوى أكثر عمقاً:

أن يصبح الآخر غير قادر على فعل ما يريد من دونك.

وهنا تظهر الاعتمادية بصورة مختلفة، وتتغير معها معاملات السيطرة.

ويصبح تعريف القوة:

ما تستطيع أن تمنح في الشبكة، وما تستطيع أن تمنع في العقد.

(*) راجع مقالات الكاتب ضمن السلسلة نفسها على موقع 180 بوست

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حروبنا الطائفية.. نتاجُ ديكتاتورياتنا العربية!