ومن هنا، قادتني خطواتي، وأنا أبحث عن مطعم لبناني، إلى مطعم سوري. لكأن السير في طرق صغيرة له اجتهاداته، فجمعتني الصدفة بشابّين من اللاذقية استقبلاني كأنني ضيفة حلّت في بيتهما. «لاقيني ولا تطعميني»، نقول، فالاستقبال يزيد مذاق الأطباق طعماً ومتعة. كان الشابان يتمازحان بخفة، ويُشركان في مزاحهما من يُحسن مجاراتهما. وللكلام في هذه الضيافة لعبته الخاصة، وضحكة تختصر المسافة بين غرباء.
خرجت من ثم أتجوّل في قلب العاصمة، حتى بلغت «الغراند بلاس». توقفت أمام جمالها المهيب، ولم يمنعني الإعجاب من التفكير في ماضي هذا البلد الاستعماري. يصعب أحياناً أن ننظر إلى روعة المدن الأوروبية من دون أن نتساءل عمّا جرى بعيداً عنها، وما تركه بطشها في ذاكرة شعوب أخرى.
ومن هناك، لفت نظري واجهة مطعم إثيوبي معروف. دخلت لإلقاء نظرة على المكان، فإذا بي أجلس وأحتسي شراب الكركديه. امتدّ الحديث مع صاحب المكان إلى تاريخ إثيوبيا ومقاومتها للاستعمار، وإلى ما تمنحه الجغرافيا من حماية، وما يضيفه إليها عناد أهلها. طال الكلام حتى صار وعد العودة إلى المطعم طبيعياً، فللحديث بقية محفوظة على الطاولة التي تركتها.
ثم تابعت سيري نحو المسرح الوطني، وكان أمامي متّسع من الوقت، فجلست في مقهى قريب، وهناك التقيت بتونسيين يحملون في طيّات معاطفهم ثقافة بلدين، وحكايات لا تنفد، وحباً يفيض في كلامهم.
أصرّوا على ضيافتي، ثم دعوني إلى منزلهم بعد الحفل للراحة. وإن لم يتيسّر ذلك الليلة، ففي يوم آخر.
***
حين دخلت المسرح الوطني أخيراً، أحاطت بي ألفة عذبة. وجوه من المشرق والمغرب، بأعمار مختلفة، وأحاديث تبدأ من دون مقدمات طويلة. تعرّفت إلى يوسف؛ شاب فلسطيني في الثامنة عشرة، قال إنه من جنين. كان اسم مدينته حاضراً وأنا أستمع إليه يتحدث عن بروكسل والموسيقى ومرسيل خليفة. وتعرّفت إلى شاب آخر من مخيم الرشيدية في جنوب لبنان. وكان هناك آشوري من عمال المسرح، وآخر جزائري. وكان بين الحاضرين بلجيكيون كثر، جاؤوا هم أيضاً ليشاركوا في «مهرجان الحريات»، وهو الحدث الذي استضاف مرسيل خليفة. اجتمعنا تحت هذا الاسم، ولكلّ منا ما يسمعه فيه، وما يرجوه منه.
فرحت حين وجدت مكاناً في الصفوف الأمامية. فالخشبة قريبة، وفي الانتظار أحاديث تأتي من كل جانب، كأن الحفل بدأ في قلوب الناس قبل أن تبدأ الموسيقى. جلست وأنا أحمل شيئاً من دفء النهار، من المائدة السورية، والحديث الإثيوبي، والضيافة التونسية، ومن كل هذه الوجوه التي جاءت لتلتقي حول صوت واحد.
***
فجأة، خفتت الأحاديث، وأُطفئت الأنوار.
وظهر مرسيل خليفة وحده على الخشبة.
كان الديكور مقتضباً، خالياً من الزخرفة. في الوسط، منصّة ترتفع درجة واحدة عن خشبة المسرح. عليها ظهر مرسيل وحده، مع عوده ومعنا، كما قال.
وبهدوئه المعتاد، استهلّ اللقاء بكلمات قليلة، ثم دعانا إلى الوقوف دقيقة صمت حداداً على شهداء غزة وفلسطين وجنوب لبنان. عند ذكر الجنوب، تنفّستُ الصعداء. هذا الجنوب المنسي له رمزيته، ولن يُترك اليوم وجعه خارج الذاكرة. لم يكن ذلك غريباً على مرسيل، لكنّ الهرطقات السياسية كانت قد ألقت في نفسي شكّاً مؤلماً ذلّلته الدعوة إلى الصمت دقيقةً. أمكنني بعدها أن أستسلم لشغف الموسيقى التي نشأتُ عليها، والتي رافقتني في كل محطات الحرب. كنّا، في حداثة أعمارنا، نحفظ قصائد لا ندرك كل معانيها، ونردّدها عن ظهر قلب بكل جوارحنا، لأننا كنا على يقين بأنّها تتحدّث عنّا وتدعونا إلى الانتفاض على الظلم، حتى حين تعجز كلماتنا الصغيرة عن شرح ما توقظه فينا.
***
خيّل إليّ للحظة أن “مرسيل أبولو” على الأولمب، فوق تلك المنصة البسيطة، تحيط به الأضواء المنسجمة مع روح المناسبة، لكأنها تنبعث من السماء بأشكال وألوان تتعدد وتتمايل مع النغمات. يغنّي مرسيل خليفة مغمض العينين، كأنّه يصغي إلى صوته من الداخل. يقترب من العود حتى تزول المسافة بينهما، فيبدو ما تعزفه يداه امتداداً لما يجيش في صدره.
في هذا الاستغراق مسحة صوفية، إذ ينكفئ عن العالم ويغيب في الإصغاء، كأنّه في اتحاد روحي مع موسيقاه. ويأخذ الغناء هيئة نداء تتوارى فيه الأنا، فيما يملأ حضوره المكان، وتتعالى حوله الآهات والترديدات.
ثم يصير مرسيل حكواتياً. ولكلّ حكاية أغنيتها، ولكلّ أغنية ذكرى تفيض رقّة وحنيناً. حدّثنا عن محمود درويش، وعن أمّه وأبيه وقريته عمشيت. ثم استعاد أستاذ الموسيقى في القرية، وحكاية العود الذي جاء من سوريا، ثمّ المعهد الوطني للموسيقى في بيروت ومشقّة الوصول إليه آنذاك. وبين حكاية وأخرى، كنت أتساءل إن كان لصوته، وهو يروي، مقامٌ خاصّ به، أم أنّ المقامات كلّها اجتمعت فيه وصارت «صنع بسحرك»…
غنّى من «وعود من العاصفة»، ألبومه الأوّل. حكى عن ريتا التي طالما تساءلنا عنها في ما مضى. ما تزال شابة في روحها وفي حضورها وعمقها.. كأن الزمن لا يجرؤ أن يترك تجعيدة واحدة في الرمزيات كما في حضوره هو. بقي ذلك التواصل الحميم وتلك الأواصر التي لم تنل منها السنون.. ما زال الكثير منا يستعيد منها أمسية ملعب الصفا بوصفها “سهرة من العمر”. ظلّ في أدائه ذلك الزخم، وفي صوته تلك القدرة على بلوغنا، وإن ترك الزمن أثراً خفيفاً في بعض طبقاته، عالجه بأوتاره السحرية من دون أن ينتقص من رونقه وجماله. كان يغنّي بعشق، والعشق يعرف كيف يجدّد ما مسّه الزمن، وكيف يؤجج الرغبة والإبداع في الحياة.
***
خارج المسرح، كان العالم يواصل اضطرابه. حضرت في ذهني المظاهرات الطلابية في فرنسا، وما توقظه من أمل في إمكان التغيير برغم ما تواجهه من قمع. بدا لي أن في هذا اللقاء، في أول الخريف، شيئاً من الأغاني التي رافقت وعينا الأول السياسي والاجتماعي، فوجدت في أصوات الشباب المتمرّدة مَن يواصل الطريق.
***
“وعود من العاصفة” في تلك الليلة كانت وعوداً قد صدقت؛ فعادت إلينا بحكايات وذكريات، وبصدى أفكار حسبنا أنّها ضاعت منّا إلى الأبد. أعادنا مرسيل إلى زمن نتذكّر صفاءه برغم اضطرابه، ونستعيد أحلامه برغم خيباته. زمن ظننّا أنّه مضى، ولم يبقَ منه سوى صور في ألبوم عتيق، تركناها تبهت، وتردّدنا في فتحه خشية أن نستسلم لفكرة الضياع.
هذه الليلة فتحنا هذا الألبوم معك، يا مرسيل. وعلى مهل، عادت الوجوه والأماكن، وعاد شيء منّا كنّا قد تركناه هناك. حملت الموسيقى الذكريات برفق، فلم يثقل علينا استرجاعها. كانت أدفأ من الصور، وأوسع ممّا تسعه الحكايات.
شكراً لأنّك رافقت حياتنا كلّ هذه السنين. ولأنّك، في هذه الليلة، جعلتنا نسمع من جديد أصوات من كنّا، ونصغي بحنان إلى من صرنا.
