أميركا وإيران.. حرب الألف طعنة

لم تبدأ الحرب بين أميركا وإيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026. لم تبدأ باغتيال إسرائيل وأميركا القائد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي، وجمعٍ من القادة العسكريين الإيرانيين. لم تبدأ، أيضاً، قبل أشهر من ذلك، عندما استهدفت إسرائيل قادة الحرس الثوري وعلماء نوويين في حزيران/يونيو 2025. هذه محطات، قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبعده. كلّها أيام في رزنامة الحرب المستمرة منذ عقود؛ منذ أن افترقت واشنطن وطهران إلى طرق متناقضة، وبالتحديد منذ أصبحت إيران جمهورية إسلامية.

بدأت من إيران نفسها، إلى العراق ولبنان، ثم أفغانستان، فالعراق مجدداً، وصولاً إلى غزة وسوريا، قبل أن تستقر مجدداً في إيران. مسار متعرج، فيه استراحات محارب. إنها الحرب الطويلة المنهكة، التي لا تكاد تنتهي معركة فيها حتى تبدأ معارك أخرى بأشكال مختلفة، وبعيداً عن عناوينها المعلنة: دعم الإرهاب، الدور الإقليمي، البرنامج الصاروخي البالستي، البرنامج النووي، جغرافيا تمدد النفوذ. كلها تبقى تحت السطر الأعلى الكبير الذي ثبّتته مسارات الأحداث. إنها حرب صفرية في عقول من يخوضونها، حتى وإن ارتضوا أنواعاً من المساكنة المتقطعة على مر السنوات. تراكم المراحل واشتباك المصالح باتا يعززان صعوبة خيار التسوية أو الهدوء الطويل. في طهران وواشنطن اتفاق على نقطة مركزية: مساحات الوقت الهادئ لا تخدم سوى الطرف الآخر في سعيه للنجاة.

نهاية استراحة المحارب

من هذا التصور الحاسم، خاضت أميركا وإسرائيل الحرب معاً ضد إيران، لأن المزيد من البقاء على ضفة التهديد والمشاغلة يضيف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد، ولأن المساكنة مع الحالة الإيرانية بأبعادها المختلفة لم تعد ممكنة. لا بد من الحسم أو من تعزيز فرصه. حسمٌ بالضربة القاضية منذ البداية، كما كان مخططاً، لكن ذلك فشل. فليكن إذن حسماً بألف طعنة وطعنة. هذا ما يبدو أن مسار الأحداث يمضي على سكته. ولأن الطريق متصل بين حرب وأخرى، وبين أدوات الضغط المختلفة، فالاتصال بين الحروب التي وقعت على إيران بين 2025 و2026 يبدو أمراً واقعاً يحكم منطق هذا الصراع.

الخيط الذي يربط هاتين الحربين يبدأ قبلهما بأربعة عشر شهراً. في نيسان/أبريل 2024، وبعد استهداف قنصليتها في دمشق، دخلت إيران للمرة الأولى مساحة المواجهة المباشرة مع إسرائيل. أطلقت أول هجوم صاروخي من أراضيها، ثم عادت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه بنحو مائتي صاروخ بالستي، فردت إسرائيل بضرب الدفاعات الجوية وعدد من منشآت إنتاج الصواريخ. منذ ذلك الحين، يسقط مع كل جولة خط أحمر إيراني جديد: المنشآت النووية في 2025، القائد الأعلى في 2026، ثم الجسور ومحطات الكهرباء. مسار يضيّق الدوائر على النظام حتى بات يواجه مباشرة، بلا وسائط ناجعة، وبهامش محدود للمناورة. لكن هذا المسار نفسه هو ما يجعله أكثر استعداداً للمغامرة، بعدما سقطت معظم خطوطه الحمراء، وهنا بات لا يخشى كسر المزيد منها.

حرب حزيران/يونيو 2025، «الأسد الصاعد»، بدأت إسرائيلية، بينما إيران وأميركا تتفاوضان في مسقط، وكانت الجولة التالية من التفاوض مقررة بعد يوم من بدء الحرب. بدأت باغتيال عدد كبير من القادة العسكريين والعلماء النوويين، وانتهت بدخول الولايات المتحدة بضربتها الكبرى على المنشآت النووية الإيرانية. أسمت واشنطن عمليتها «مطرقة منتصف الليل»، ثم توقفت الحرب بعد رد إيراني استهدف قاعدة العديد في قطر. انتهت المعركة وأميركا وإسرائيل معاً عند خط النهاية، تماماً حيث ستبدآن الحرب التي ستلي.

خلال أشهر قليلة، ضغوط اقتصادية متزايدة، ثم احتجاجات واسعة في الداخل الإيراني في كانون الثاني/يناير قُمعت بقسوة من يراها وجهاً آخر من وجوه الحرب الخارجية، رغم أن كثيرين في إيران لا يرونها بهذه الحدة. ثم تفاوض على طاولة عمانية متنقلة بين مسقط وجنيف. تفاوض بدا واضحاً، كما في معظم المرات التي سبقت، أنه لا يهدف إلى حل المشكلة بقدر ما كان هدفه شراء الوقت. من يتابع مفاوضات إيران وأميركا على مدى سنوات سيكتشف أن الطرفين لا يتفاوضان بهدف الحل، بل لسحب فتيل انفجار متوقع. في الجولة التي سبقت الحرب الأخيرة، كانت إيران تشتري الوقت لدعم مخازن صواريخها ومسيراتها، أما أميركا فكانت تستكمل عتاد الحرب بالشراكة مع إسرائيل.

حرب تبدأ من حيث انتهت الأخرى

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 تنطلق الحرب الثانية. هذه المرة من حيث انتهت الأولى: إسرائيل وأميركا معاً منذ الغارة الأولى. هجوم قتل رأس النظام، القائد الأعلى آية الله علي خامنئي، وأعضاء في مجلس الدفاع وكبار القادة الآخرين. بدت ضربة، في حجمها السياسي، بوزن استهداف البرنامج النووي، بل قل أكثر: كان المقصود ضربة بوزن نووي للنظام لا يقوم من بعدها. هذا ما لم يحصل. أما إيران، فكما اختتمت ردها على الحرب الأولى باستهداف قاعدة العديد في قطر، ضربة لدولة في الخليج، بدأت ردها هذه المرة من حيث انتهى الرد السابق: بقصف القواعد الأميركية في دول الخليج كافة، وأضافت إلى ردها هذه المرة إغلاق مضيق هرمز، الذي يعبر منه نحو خُمس النفط الذي يستهلكه العالم.

امتدت الحرب لأسابيع، شهدت غارات في عمق إيران، استهدفت المدن والمدارس ودور العبادة، بما في ذلك كنيس يهودي في طهران. قتلت الهجمات أكثر من ثلاثة آلاف شخص على امتداد البلاد. وفي الأيام الأخيرة بدأ التهديد بضرب الأصول الاستراتيجية والبنى التحتية ومنشآت الطاقة في إيران، ثم توالت الضربات. استهدفت الولايات المتحدة جسراً في كرج، ودمّرت إسرائيل جزئياً ثمانية جسور. خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدها ليهدد بمحو الحضارة، في ليلة كان يصورها على أنها ستكون الأخيرة لكثير من الأماكن والأشخاص. كانت الأخيرة قبل تجميد القتال فجر الثامن من نيسان/أبريل، نتيجة مبادرة باكستانية فتحت الطريق للتفاوض من جديد. أعلنت مذكرة التفاهم في إسلام آباد، لكن التفاهمات باتت قصيرة الأجل، لأن مساحات المناورة لدى الطرفين باتت أضيق من أي شيء في هذه المعادلة. بدا التفاهم هشاً حتى قبل إعلانه. بدأ يترنح، إلى أن تجدد القتال بشكل محدود في تموز/يوليو. عادت الضربات، وخرج ترامب في الثاني والعشرين من الشهر نفسه ليعلن أنه سيدمر جسراً أو محطة كهرباء، بما في ذلك في طهران، مقابل كل سفينة تُستهدف في هرمز. بدا جلياً أن الجولة التي انتهت عند البنية التحتية تعبّد الطريق لبداية الجولة المقبلة.

لكن الحرب لم تعد إيرانية ـ أميركية ـ إسرائيلية حصراً، فالطاولة مزدحمة حد الاختناق بالملفات الأخرى. إغلاق مضيق هرمز أدخل كل المتضررين إلى حجرة التفاوض، كلٌّ بحساباته، كما أن دخول حزب الله الحرب جعل من لبنان بنداً على اللائحة الطويلة. صحيح أن الحرب لم تعد كما كانت قبل أسابيع، لكنها في الواقع تحولت إلى جولات مترابطة، تفرض على المنطقة تطبيعاً مع حالة الفوضى، وتستعير من حرب روسيا وأوكرانيا ديمومتها، ليصبح هذا الأمر الواقع الجديد. لكنه ليس أمراً واقعاً مستداماً، وهذا ما أدخل أدوات أخرى على المشهد: تشديد الحرب الاقتصادية، وحصار المطارات الذي أغلق الأجواء في وجه الطائرات الإيرانية، ومنع الطائرات الأخرى من الدخول إلى إيران، ثم الحصار البحري على الموانئ الإيرانية الذي أعيد فرضه في الرابع عشر من تموز/يوليو. مسلسل استنزاف كبير خنق إيران. لكنها، في المقابل، عمدت إلى قلب المعادلة بفرض استنزاف على الآخرين، رغم محدودية الأدوات. مضيق هرمز لا يزال بطاقتها الأقوى، بينما ترسل مع موجات هجماتها رسائل بأنها قادرة على توسيع ردودها، وفي التهديدات تلوّح بتوسيع بنك أهدافها إلى خارج الإقليم، ولقدرة صواريخها على إصابة أهداف متحركة. ليس معلوماً إن كانت حادثة قاعدة فيرفورد في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر في بريطانيا، التي تتهم لندن طهران بالضلوع فيها، جزءاً من هذه الحملة.

هذه المرة، يتفاوض الطرفان على محددات الجولة المقبلة أكثر مما يتفاوضان على تجنبها. لا يقال هذا في العلن، لكنه جزء مما يشغل بال المفاوضين، الذين كانوا في الموضع نفسه قبل حربين خيضتا على تخوم المفاوضات. في الربع ساعة الأخيرة، حملت قطر خطة إيرانية من سبع نقاط، تتضمن فتح هرمز واستئناف التفاوض النووي، مقابل رفع الحصار. كان رفض ترامب لها قاطعاً، فهو يفضل إبقاء الحصار أداة الضغط المفضلة إلى أن يحين موعد القرار العسكري، وهو يقترب أكثر فأكثر، بحسب المؤشرات الميدانية. فحاملة طائرات ثالثة تمخر عباب البحر نحو المنطقة، إلى جانب تعزيزات أخرى، ولا يمكن هنا فصل الانسحاب الأميركي من العراق في الثلاثين من أيلول/سبتمبر عن هذا السياق.

أبعد من حسابات انتخابية

يبقى أن موعد هذا القرار عالق بين روزنامتين: الأولى أميركية، حيث كرر ترامب تهديده باستئناف القصف بعد الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر؛ والثانية إسرائيلية، مرتبطة بانتخابات الكنيست في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر. وبين التاريخين تلوح نافذة خطر حقيقية، قد تشرّع الباب أمام ما ليس مسبوقاً. فقد تعمد إسرائيل إلى استباق القرار الأميركي بضربة منفردة، وهو شيء وقع أصلاً في حزيران/يونيو 2025. وقد تعمد إسرائيل إلى استدراج رد إيراني على عمل عسكري في مساحة تأثير وضغط كلبنان. اغتيال كبير، مثلاً، يختبر التزام إيران تجاه حلفائها، وعندها نكون أمام طريق باتجاهات متعددة. ضربة كهذه قد تفرض تأجيل الانتخابات الإسرائيلية. لكن الانتخابات ليست الهدف الحقيقي، أو لنقل الهدف الأصيل لنقلة كهذه. المهمة: تعجيل الحرب والإطباق على النظام في طهران قبل أن يستعيد توازنه، ووضع واشنطن أمام أمر واقع يسبق حساباتها الانتخابية.

تقف طهران أمام إغراء معاكس، يمكن وصفه بإغراء «الشجرة الملعونة»: حملة استباقية تبادر فيها بالضربة الأولى، للمرة الأولى، بدل انتظار جولة تعرف أنها آتية، في الأسابيع التي تسبق الانتخابات النصفية الأميركية، قبل أن تعيد واشنطن ملء مخزونها من صواريخ الاعتراض. يبدو هذا الخيار أقل ترجيحاً، وبكلفة عالية تمنح خصومها الذريعة التي ينتظرونها، وتحولها في عيون الإقليم من طرف يتلقى الضربات إلى طرف يبدأها، كما تهدد التفافاً داخلياً بُني أساساً على سردية الدفاع عن أمة تواجه العدوان.

تدرك إيران أنها تحت ضغط شديد، ولا سيما في الجانب الاقتصادي الذي يعتبر المحفز الأكبر لأي تحرك داخلي، واللحظة التي يراهن عليها منطق الألف طعنة. فقد قدّر محافظ البنك المركزي التضخم السنوي في أيلول/سبتمبر بنحو 84 في المئة، كما انهار مصرفا «نور» و«آينده» في آب/أغسطس، قبل أن يُدمجا قسراً في بنك «ملي». الحصار أفرغ جيوب الإيرانيين وصعّب من حياتهم اليومية. والرهان الأميركي والإسرائيلي واضح، وهو في تحول الضغط الخارجي إلى انفجار داخلي.

إقرأ على موقع 180  المُبتدَأ

لكن الحرب حتى اللحظة أنتجت مفعولاً معاكساً، تجلى في ارتفاع التأييد للدولة في الداخل، بل يمكن القول إن الحرب زوّدت الجمهورية الإسلامية بأكبر نسبة تأييد للدولة، وليس بالضرورة للإيديولوجيا التي تحكمها، منذ سنوات. مرد ذلك، بالدرجة الأولى، إلى الخطاب الذي تبناه ترامب ونتنياهو، وهو ما بدا في عيون كثير من الإيرانيين موجهاً ضد إيران كهوية قومية وحضارية. يضاف إلى ذلك اغتيال المرجعية السياسية الأعلى للمذهب في البلاد، الولي الفقيه، وهو الذي جعل المذهب الشيعي نفسه يبدو مهدداً بالنسبة إلى الطبقة المتدينة في إيران. يبقى الإحساس العام بأن إيران دولة جرى الاعتداء عليها في خضم التفاوض، مرتين. ولعل ذلك انعكس بشكل كبير في أكثر من 850 تجمعاً في البلاد حتى آذار/مارس. كما حشد تجمع «جانفدا» (الفدائيون) مئات الآلاف في طهران في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر، في أكبر تجمع منذ بدء الحرب. هي تجمعات شعبية تنظمها الدولة، والحرب سبقتها احتجاجات كانون الثاني/يناير التي تصدت لها الدولة نفسها، وسقط بفعلها آلاف القتلى. ما جرى فعلياً هو أن الحرب نقلت قطاعات من الرماديين إلى صف التأييد.

هذا الالتفاف يبدو قوياً حتى اللحظة، ولا يبدو أنه سيهتز تحت النار إلا في حالة واحدة، مخالفة للتوقعات: أن يبدو النظام عاجزاً عن الرد بالشكل المطلوب، وأن تبدو إيران ضعيفة في مواجهة خصومها. عندها سيخسر النظام مشروعيته في نظر الكثيرين. فمشكلة الإيرانيين الجوهرية، تاريخياً، هي الحاكم الضعيف، غير الممسك بخيوط اللعبة وغير القادر على المبادرة والدفاع. حُكمت هذه البلاد بالملوك والشاهات لقرون. الخطر على النظام يكمن في الشعور بعجزه عن الرد، لا في حجم الضربات التي قد تتلقاها البلاد.

ترتيب البيت الداخلي

ولأن الداخل بيضة القبان في هذه الحرب، يعيد النظام الإيراني بناء هيكله الأمني والعسكري. ففي العاشر من آب/أغسطس أصدر القائد الأعلى مجتبى خامنئي ستة مراسيم أعاد بها رسم القيادة العسكرية، فعيّن أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري، وعلي عبداللهي رئيساً للأركان العامة، وعلي أزمائي قائداً لبحرية الحرس، بعد تعيين محسن رضائي على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي. لكن التعيين الأكثر دلالة ذهب إلى «الباسيج». حسين طائب أمضى أكثر من عقد على رأس استخبارات الحرس الثوري، وقاد الباسيج نفسه خلال احتجاجات 2009، حين لعبت هذه القوة الدور الأبرز في قمعها، ويعود إليها اليوم بتفويض لتوسيع شبكتها الاستخبارية على مستوى القواعد، ولتصبح مجتمع الاستخبار المحلي. يوصف طائب بأنه ذراع مجتبى، بل الرجل الذي بنى شبكاته وصنع صعوده إلى السلطة، وقد ترافقا معاً لسنوات، وخدما معاً في الكتيبة نفسها خلال الحرب مع العراق. ومع غياب القائد الأعلى عن الصورة العامة بات طائب الرجل الذي تحت الضوء، وهو من افتتح تجمع «جانفدا» أو الفدائيين، برسالة أعلن فيها جاهزية المتطوعين لـ«دفاع شامل». انتقل الأمن بمعناه العام إلى قوات التعبئة، ومعه مهمة منع أي محاولة لزعزعة صورة الوحدة الوطنية في لحظة الحرب. التعيينات في مجملها تثبت سلطة مجتبى خامنئي عبر رجال يثق بهم، وتسد ثغرات كشفتها حربان متتاليتان. وهكذا، بين الضائقة المعيشية والغضب السياسي، يقف الالتفاف الوطني سداً عازلاً، وخلفه يقف طائب حارساً لأمن النظام، الذي يستشعر أيضاً خطراً داخلياً آخر، من الأطراف.

هناك، حيث القوميات والأقليات الطامح بعضها إلى الاستفادة من لحظة الحرب لفرض جغرافيا جديدة، بدأ الضغط فعلاً. في الجنوب الشرقي انطلق حراك بلوشي مسلح، محدود حتى الآن في قدرته على السيطرة على الأرض، لكنه يتصاعد بوتيرة يومية. في بداية تشرين الأول/أكتوبر أعلنت وزارة الاستخبارات تفكيك شبكات عدة كانت تستعد لتنفيذ عمليات في سيستان بلوشستان وهرمزغان. قبلها، في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر، دارت في سراوان مواجهات استمرت نحو تسع ساعات. بعد أحد عشر يوماً فقط، قُتل العميد حسين ظريفي، قائد مقر الحرس الثوري في سراوان ورئيس استخباراته، في مواجهة ثانية مع «جبهة المقاتلين الشعبيين»، واتهم مقر القدس الإقليمي واشنطن وتل أبيب بتفعيل الجماعات المسلحة. في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، قُتل ضابط شرطة في مدينة راسك في محافظة سيستان وبلوشستان، وفي التاريخ نفسه، أعلن الحرس الثوري مقتل ستة مسلحين في زاهدان في جنوب شرق إيران. وفي الشمال الغربي، الجبهة الكردية حاضرة. وكالة الاستخبارات المركزية تعمل على تسليح فصائل كردية، كما نقلت «سي. إن. إن» في آذار/مارس. الحرس الثوري لم يتوقف عن قصف مقرات الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق، حتى في فترات التهدئة. لكن هذه الجبهة تصطدم بكابح أساسي اسمه تركيا، التي ستعمل جاهدة على منع أي تحول كردي مسلح في إيران خشية ارتداده على أكرادها.

الخطوط الحمراء الهشة

البيّن من هذا الازدحام أن هناك جهداً قائماً لتحويل المنطقة الإيرانية المطلة على مضيق هرمز إلى منطقة تسودها الفوضى، وهو ما قد يضيف بعداً جديداً أكثر خطورة إلى المعادلة، وقد يلعب دوراً معاكساً في الداخل الإيراني، ولا سيما في مواجهة فكرة تقسيم البلاد أو اختزال جغرافيتها. يضاف إلى ذلك أي تحرك قد يستهدف الجزر الثلاث، أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وربما جزراً أخرى في هرمز والساحل المحيط ببندر عباس، خصوصاً أن البنتاغون طرح خيار السيطرة على أبو موسى، كما نقل موقع «أكسيوس». الهدف الأساسي هنا هو التحييد، بحيث لا يكون الجنوب والمضيق بقبضة إيران بشكل كامل. وهنا تدخل الإمارات على الخط، الدولة التي لها مطالبات تاريخية بالجزر منذ 1971، وهو ما يتيح تسويق العملية على أنها استعادة لا غزو، إلى جانب أن أبوظبي نفذت عشرات الغارات على إيران شملت أهدافاً في قشم وأبو موسى وبندر عباس منذ بداية الحرب. لكن طهران توعدت أبوظبي، إن جرى المساس بالجزر، برد يفوق كل ما تعرضت له منذ بدء الحرب.

أمام كل هذه التحركات، يصبح السؤال القريب: متى الحرب، وليس هل من حرب جديدة؟ في تصور السيناريوهات، يمكن توقع انطلاق الجولة المقبلة من حيث انتهت سابقتها: البنية التحتية ومنشآت الطاقة. ضربة واسعة ومتزامنة على الطرق والجسور وشبكات الكهرباء، بشمولية لم نرها بعد. هدفها تقطيع أوصال الدولة وفرض ضغط داخلي على أعلى مستوى، على النظام نفسه وعلى الكتلة الصلبة التي تسانده، حتى تتحول كلفة الصمود إلى عبء يومي يعيشه كل إيراني. هي ضربة لمنظومة القيادة والسيطرة المركزية أيضاً، تحرم طهران من إيصال الإمداد إلى المحافظات الطرفية، في اللحظة التي تكون فيها هذه المحافظات تحت ضغط أمني متصاعد. مجدداً يبرز اسم حسين طائب والباسيج لمواجهة سيناريو كهذا.

اليمن شرارة الحرب الجديدة؟

لسنوات خلت ظلت إيران تعوّل على دفاعها المتقدم لتجنب مثل هذه السيناريوهات، لكنها اليوم تواجه كابوسها الذي صارعت عقوداً لمنعه. وبسبب ما جرى على مدى السنوات الثلاث الماضية، تراجعت بنية حلفائها الإقليميين، وهذا ما جعلهم يتراجعون على سلم استراتيجيتها الدفاعية خلف الجغرافيا، وخلف الصواريخ والمسيرات المنطلقة من إيران. مع ذلك، فإن لهم دوراً تكميلياً في أي معركة مقبلة. هؤلاء الحلفاء سيعمدون إلى توسيع جغرافيا الألم التي ستفرضها إيران، ولهم في ذلك مصلحتان: واحدة مرتبطة بأدوارهم في مساحات تأثيرهم، وأخرى على مستوى المحور والمنطقة ككل. تتقدم حركة أنصار الله (الحوثيون) كرأس حربة للمحور الذي تقوده إيران، حيث يسيطرون الآن على مضيق باب المندب، أو على الأقل بيدهم قرار إغلاقه وفتحه. هذا المضيق، الذي أضحى شرياناً بديلاً للنفط بعد إغلاق هرمز، بإمكانه رفع مستوى الإزعاج، ولا سيما مع ضرب خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب. وفي العراق تتحرر الفصائل من القيود بعد الانسحاب الأميركي، وأمامها مهلة حكومية لنزع السلاح حتى الثلاثين من حزيران/يونيو 2027، وفي جيبها مقترح مضاد بتجميد لعامين، ووجهتها إقليم كردستان والسعودية والأردن. أما حزب الله في لبنان فقد خرج من حرب 2026 مثقلاً بخسائر في المقاتلين والسلاح، وبتأثير محدود على القرار السياسي في لبنان، وسط صمت ميداني. قطع هذا الصمت بشكل استثنائي زيارة وفد مقرب من مجتبى خامنئي إلى الجنوب اللبناني في الأول من تشرين الأول/أكتوبر. قد لا يعود الحزب إلى القتال إلا إذا رأى في الجولة المقبلة تهديداً وجودياً لطهران. وعندها لن تكون حساباته اللبنانية هي الحاسمة.

لم تبدأ الحرب قبل سبعة أشهر، ولن تنتهي في تشرين الثاني/نوفمبر. الجولة المقبلة، أياً كان من يفتتحها، ربما تكون أصعب ما قد تشهده المنطقة، من هرمز إلى باب المندب، ومن كردستان العراق إلى الأردن، ومن يدري، ربما أوسع من ذلك. الفريقان متحرران من كل شيء يكبح الحرب تقريباً: الخوف، الوقت، التوجس من الآخر، الذعر من نتائج اللا حرب واللا سلم. كل ذلك يرجح أن الانفجار الكبير بات مسألة وقت.

(*) بالتزامن مع موقع “الجادة“

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  المُبتدَأ