لبنان.. وطن بلا أمة

في اللغات اللاتينية والأوروبية، تدمج كلمة واحدة، هي Nation، بين مفهوم الوطن ومفهوم الأمة، بينما تعني كلمة «وطن» في اللغة العربية مكان إقامة الإنسان ومقرّه، وهو الموضع الذي يستقرّ فيه ويعدّه بلده. أمّا الأمة، فتعني الجماعة البشرية التي تربطها روابط مشتركة، كالدين أو اللغة أو التاريخ أو المصير، بالإضافة إلى التقارب الجغرافي. فالوطن هو الأرض، والأمة هي الناس الذين يعيشون عليها برابطة معنوية جامعة. لكن حين يُدمج المفهومان في كلمة واحدة، كما في اللغات الأوروبية، فهذا يعني أنّ الوطن لا يكون وطنًا سليمًا بكامل معناه إن لم يتحوّل شعبه إلى أمة واحدة.

تعدّدت النظريات في الفكر السياسي والاجتماعي التي تناولت مفهوم الأمة، ومن أهمّها النظريات الجوهرانية (Primordialism)، التي ترى أنّ الأمة كيان طبيعي وقديم، قائم على الروابط الأولية؛ أي إنّ مقوّمات الأمة، كاللغة والدين والعرق والتاريخ المشترك، أصلية ومتجذّرة في أعماق التاريخ، وتسبق الدولة وتكوّن هوية ثابتة للإنسان. وتسهم هذه النظريات في تغذية النزعات القومية المتطرّفة والعنصرية، وتتجاهل حقيقة أنّ معظم الأمم الحديثة تشكّلت تاريخيًا، وليست «أزلية». ومن أبرز نماذجها النموذج الألماني لدى هيردر (Herder) وفيشته (Fichte).

وهناك أيضًا النظريات البنائية (Constructivism)، التي ترى أنّ الأمة ظاهرة حديثة تمامًا، مرتبطة بظهور الدولة الحديثة والرأسمالية والطباعة والتعليم الشامل. فالأمة ليست قدرًا، بل بناء اجتماعي وثقافي، أو «هندسة اجتماعية»، تتولّاه النخب والدولة. ومن أعلام هذا الاتجاه إرنست غيلنر (Ernest Gellner)، وبندكت أندرسون (Benedict Anderson)، وإريك هوبزباوم (Eric Hobsbawm). وقد اعتبر الأخير أنّ كثيرًا من التقاليد، ومن عناصر التاريخ المشترك التي تعدّها الأمم «قديمة»، جرى في الواقع اختراعها وترسيخها حديثًا لخدمة المشروع القومي، مثل الأزياء الشعبية الموحّدة والاحتفالات الوطنية.

من جهتها، تركّز النظريات العقدية أو الإرادية (Voluntarism)، والتصوّرات المدنية للأمة (Civic)، على العقد الاجتماعي والإرادة الحرة بوصفهما أساسًا للأمة. والأمة هنا تجمّع سياسي قائم على الاختيار، وليس على العرق أو الثقافة فقط. وترتبط هذه النظريات بالنموذج الفرنسي والفكر الليبرالي الغربي. ومن أهمّ أعلامها إرنست رينان (Ernest Renan)، الذي عرّف الأمة بأنّها «استفتاء يومي»؛ أي إرادة العيش المشترك ونسيان الخلافات السابقة. فالأمة تجمع بين التراث، بوصفه ذاكرة جماعية، والرغبة الحالية في مواصلة الحياة المشتركة.

في لبنان، مع الأسف، لدينا وطن بالمعنى الجغرافي، لكنّنا لم نستطع بناء الروابط المعنوية والعقدية التي تجعلنا أمة. بمعنى أنّنا ما زلنا شعوبًا وقبائل متنافسة، جمعنا الواقع، لكنّنا نفتقد إرادة العيش المشترك. فالعصبية الطائفية تسبق الانتماء إلى الوطن، والروح التي تجعله أمة قد تبخّرت تحت وطأة الخطاب الطائفي اليومي وإعادة إنتاج الماضي المؤلم، بدل نسيانه كما دعا رينان. وهنا يكمن الخطر: أن نظلّ شعوبًا متجاورة لا أمة واحدة، وأن يكون الوطن مساحة إقامة لا وعاءً للانتماء.

من هنا، تصبح إمكانية بناء دولة سليمة شبه مستحيلة من دون التخلّص من إرث الطوائف داخل نفوسنا. فبحسب النظريات الجوهرانية، يملك اللبنانيون من الصفات المشتركة ما يؤهّلهم لبناء أمة بالمعنى القومي البحت: لغة مشتركة، وصفات متشابهة، وتاريخ مشترك. وتعلّمنا النظريات البنائية أنّ الأمة تُصنع، لكنّ الطائفية في لبنان تقف سدًّا منيعًا يحول دون صناعة الوطن. فالإرادة الجماعية التي تحدّث عنها رينان تتحوّل إلى إرادات متفرّقة، والاستفتاء اليومي يصبح استفتاءً على الولاء للطائفة لا للوطن.

لأمراضنا الطائفية جذور وأسباب تاريخية؛ إذ لم تُبلور الإمبراطورية العثمانية مفهومًا للمواطنة بالمعنى السليم، وكان الرعايا يُصنَّفون بحسب انتماءاتهم الدينية والمذهبية. ومع ضعفها وتحوّلها إلى «الرجل المريض»، بدأت التدخّلات الأجنبية في بلادنا لمصلحة الطوائف فيها، وغذّت الانقسامات التي تحوّلت إلى نزاعات دامية في القرن التاسع عشر. ومع إنشاء الكيان السياسي بصيغته الحالية، بقرار من سلطات الانتداب، جرى ترسيخ النظام الطائفي الذي كانت بذوره قد بدأت بالظهور في عهد القائمقاميتين، ثم في نظام المتصرفية.

منع هذا النظام الطائفي تشكيل هوية وطنية جامعة؛ إذ أدّى الشعور بالغبن لدى بعض الطوائف، إلى جانب عوامل أخرى كثيرة، إلى زعزعة أركان السلم الأهلي، وصولًا إلى الحرب الأهلية الكبرى التي اندلعت عام 1975 واستمرّت نحو عقد ونصف من الزمن.

وأدّت التسوية التي أنهت تلك الحرب، عبر اتفاق الطائف، إلى عقد اجتماعي جديد دعا إلى وضع آلية لالغاء الطائفية السياسية من دون أن يفرض تطبيقها، ما أبقى نظام تقاسم الحصص على أساس طائفي قائمًا، وبالتالي لم يقضِ على أسباب الانقسامات الداخلية المتجذّرة في المجتمع اللبناني.

لم تعد الطائفية مجرّد نظام سياسي، بل أصبحت ثقافة سائدة تعيد إنتاج نفسها في مختلف نواحي الحياة، وحتى في المخيال الجمعي. وعندئذ يصبح الوطن مجرّد «ساحة تسوية» بين طوائف، لا فضاءً للعيش المشترك. وكلّ محاولة للخروج من هذا المأزق تصطدم بسؤال لم يُحسم بعد: هل لبنان مشروع أمة، أم مجرّد تسوية هشّة بين جماعات لا تثق بعضها ببعض؟

وهكذا، يصبح المواطن اللبناني «مرتهنًا» لهويته الطائفية قبل أن يكون مواطنًا، ويظلّ السؤال الأكبر بلا إجابة: كيف نبني أمة ونحن نُدار باعتبارنا «مجموعة أقليات» دائمة الخوف بعضها من بعض؟ ومع الانهيارات المتلاحقة، الاقتصادية والنقدية والاجتماعية، أصبح الانهيار الوطني مسألة وقت لا احتمال. ولا يكمن الحل في حذف الطائفية بمرسوم، بل في بناء مشروع مجتمعي طويل الأمد: تعليم يركّز على المشتركات لا على الخلافات، وإعلام يعيد تشكيل الوعي العام بصورة سليمة، وإرادة سياسية حقيقية تنتقل من «المحاصصة» إلى «المواطنة». ومن دون ذلك، يظلّ لبنان تجربة وطنية فاشلة بامتياز، ودروسها مؤلمة لكلّ من يريد بناء أمة من شتات الطوائف.

إقرأ على موقع 180  مشاهد سقوط الأسد.. متى ينقُد المحور عقلَهُ؟

اليوم، مع ضرورة معالجة مشكلة السلاح، يتأجّج الخطاب الطائفي المترافق مع خطاب الكراهية والتحريض. ومن الطبيعي ألّا يؤدّي مثل هذا الخطاب إلى معالجة المشكلة، بل إلى تفاقمها. فالحل ليس بالهجوم والتهديد، بل بتفهّم الهواجس والتطمين وإظهار التعاطف، والبدء ببناء مفهوم سليم للمواطنة يؤدّي إلى وطن جامع. فالمعضلة أنّ السلاح في لبنان لم يعد مجرّد أداة عسكرية، بل تحوّل إلى رمز طائفي للوجود والحماية والشرعية الذاتية. وعندما يُهاجَم رمز طائفي بعنف خطابي، يشعر أبناء تلك الطائفة بأنّ الهجوم موجّه إليهم شخصيًا، لا إلى سلاحهم فقط. فتتصاعد الكراهية، وتُختطف أيّ محاولة جادّة للنقاش تحت راية «المؤامرة على الطائفة».

والحل، إذن، ليس في تعزيز الخطاب الطائفي المضاد، بل في تفكيك هذه المعادلة تدريجيًا: فصل السلاح عن الهوية، وبناء ضمانات حقيقية للجميع، وإعادة تعريف المواطنة بوصفها الإطار الوحيد الذي يوفّر الأمن والعدالة للجميع، من دون حاجة إلى سلاح خاص بأيّ جماعة. عندئذ فقط يصبح الحديث عن حلّ مشكلة السلاح ممكنًا، ويبدأ الوطن الجامع بالحلول محلّ الطائفية الهدّامة. وإذا بدأنا بالتفهّم والتطمين، أمكن أن يتحوّل النقاش إلى أرضية مشتركة للبناء، لا إلى سبب لمزيد من الهدم.

في انتظار اكتمال الوعي السياسي والمجتمعي، يبقى لبنان مثالًا حيًّا على الفجوة بين الوطن الجغرافي والأمة المعنوية. فالطائفية تهدم الوطن حين تمنع تحوّل الإرادات المتفرّقة إلى إرادة جامعة للاندماج، لا في مجرّد عيش مشترك، بل في عيش موحّد.

Print Friendly, PDF & Email
هالة أبو حمدان

أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الأممية الطلابية، الثورة العربية.. وقضية فلسطين