هذه المفارقة رافقت الفكر الإنساني طويلاً. سخر فولتير بمرارة من الحرب ومن قدرة المجتمعات التي تصف نفسها بالعاقلة والمتحضرة على الانخراط فيها، وهي المفارقة نفسها التي تضعنا اليوم أمام سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يتحول الإنسان من كائن يملك إمكان الوعي والاختيار إلى كائن يتصرف كما لو أن الظروف والأيديولوجيات والأنظمة قد صاغت استجابته سلفاً؟
فالعلوم والفلسفة قد تتحولان إلى أدوات جوفاء إذا لم تسهما في كبح نزعة القتل والظلم والإخضاع.
من هنا، تأخذنا هذه المقالة من تجربة فيكتور فرانكل في معتقلات النازية، إلى تحذير مارتن هايدغر من منطق التقنية، ثم إلى سخرية سلافوي جيجك من الإنسان الذي «يعرف جيداً ما يفعل، ومع ذلك يستمر في فعله». وفي الخلفية سؤال واحد: لماذا لا تكفي المعرفة وحدها كي تجعلنا أحراراً؟
ثم يأتي عصرنا الرقمي ليضيف إلى السؤال بعداً جديداً: ماذا يحدث عندما لا تعود السلطة ممثلة فقط في الجندي والدبابة والسجن، بل تدخل أيضاً عبر الشاشة والبيانات والخوارزمية إلى طريقة رؤيتنا للعالم؟
فرانكل.. الحرية الأخيرة
لم تتشكل أفكار فيكتور فرانكل في صالونات فلسفية هادئة، بل عبر تجربة قاسية في معسكرات الاعتقال النازية.
خالف فرانكل الرؤى التي رأى أنها تختزل الإنسان في البحث عن اللذة أو التفوق والقوة، ووضع في قلب مشروعه النفسي والفلسفي ما سماه «إرادة المعنى».
تستطيع المنظومة القمعية أن تسلب الإنسان أشياء كثيرة: ممتلكاته، حرية حركته، أمانه، وحتى اسمه وتحوله إلى رقم. لكن فرانكل رأى أن الإنسان قد يحتفظ، في أكثر الظروف قسوة، بهامش أخير: اختيار موقفه تجاه ما يحدث له.
وهنا تكمن الفكرة التي تستحق البقاء.
فالحرية لا تعني دائماً القدرة على تغيير الواقع الخارجي. قد يجد الإنسان نفسه أمام حدث لا يملك منعه أو إبطاله، لكنه يستطيع، في ظروف معينة، أن يقرر الطريقة التي سيمنحه بها معنى والموقع الذي سيختاره لنفسه داخله.
ولا يعني ذلك تحميل الضحية مسؤولية العنف الذي تتعرض له، ولا الادعاء بأن الإرادة قادرة على إلغاء القهر المادي. المقصود شيء أكثر دقة: ألا تتحول قوة الظروف إلى التفسير الكامل والنهائي للإنسان.
حين يصبح الإنسان مجرد حاصل جمع لما وقع عليه، تضيق مساحة حريته. أما حين يحتفظ بالقدرة على مساءلة تجربته وإعادة تفسيرها، فإنه يحمي منطقة داخلية لا يستطيع القهر السيطرة عليها بسهولة.
إنها مساحة الحرية الأخيرة.
هايدغر وجيجك.. حين لا تكفي المعرفة
في مكان آخر من الفلسفة الحديثة، حذّر مارتن هايدغر من أن خطر التقنية لا يكمن في الأجهزة نفسها، بل في أن تتحول التقنية إلى طريقة ننظر بها إلى العالم والإنسان.
فعندما يصبح كل شيء مورداً قابلاً للحساب والاستغلال والتنظيم، قد يصبح الإنسان نفسه جزءاً من هذه المنظومة: رقماً، أو طاقة إنتاجية، أو مجموعة بيانات.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً.
فمهمة الفلسفة لا تتمثل في إعلان الحرب على التقنية، بل في حماية المسافة النقدية بين الإنسان والأداة: الحق في البطء أمام التسارع، وفي التأمل أمام التدفق، وفي الصمت أمام الضجيج، وفي طرح السؤال عندما تقدم لنا الآلة آلاف الإجابات.
غير أن الوعي بالخطر لا يعني أننا سنتحرر منه.
وهنا يأتي سلافوي جيجك.
يقلب جيجك الصيغة الماركسية التقليدية عن الوعي الزائف. فالمشكلة في المجتمع المعاصر، بحسب قراءته، لم تعد دائماً أن الناس «لا يعرفون ما يفعلون». إنهم في أحيان كثيرة يعرفون جيداً، ومع ذلك يستمرون.
نعرف مثلاً أن أنماطاً معينة من الاستهلاك تضر بالبيئة، وأن بعض المنصات مصممة لاحتجاز انتباهنا، وأن الإعلانات تلعب على رغباتنا أكثر مما تخاطب حاجاتنا. نعرف ذلك، نسخر منه، ثم نواصل السلوك نفسه.
وهنا تظهر فجوة هائلة بين المعرفة والفعل.
فالإنسان لا تحركه المعرفة وحدها. تحركه الرغبة والعادة والخوف والانتماء والحاجة إلى الاعتراف.
ولذلك فإن السخرية نفسها ليست ضمانة للتحرر. يمكنك أن تعرف أن خطاباً ما يتلاعب بك، وأن تتهكم عليه، وأن تعود بعد دقائق إلى التصرف وفق منطقه.
الأيديولوجيا الأكثر فاعلية ليست بالضرورة التي تمنعك من معرفة الحقيقة، بل تلك التي تستطيع الاستمرار بعد أن تعرفها.
من القوة العسكرية إلى صناعة القبول
هنا تصبح المسألة أوسع من الفرد.
فالإنسان لا يعيش وحده أمام خياراته، بل داخل بنى سياسية واقتصادية وإعلامية تسهم في تشكيل المجال الذي يتخذ داخله قراراته.
وهذا هو المدخل الذي يقدمه المؤرخ السويسري دانييلي غانسر في كتابه (Imperium USA)، الصادر عام 2020، حيث يقدم قراءة شديدة النقد للسياسة الخارجية الأميركية وللدور الذي أدته القوة العسكرية في صعود الولايات المتحدة إلى موقعها العالمي.
يستعرض غانسر تاريخاً طويلاً من التوسع والحروب والتدخلات والانقلابات والصراعات غير المباشرة، ويرى أن القوة العسكرية لم تكن مجرد وسيلة طارئة في السياسة الأميركية، بل أحد مكونات الهيمنة الدولية كما يفهمها.
وبغض النظر عن الاتفاق مع استنتاجاته أو الاختلاف معها، فإن السؤال الذي يطرحه يتجاوز الولايات المتحدة نفسها: كيف تتحول القوة إلى نظام يعيد إنتاج الحاجة إلى القوة؟
لكن الإمبراطورية الحديثة، إن صح التعبير، لم تعد تحتاج إلى الدبابة وحدها.
فقد كشفت تسريبات إدوارد سنودن عام 2013 عن برنامج (PRISM) وغيره من آليات المراقبة الإلكترونية الأميركية، وعن قدرة أجهزة الاستخبارات على جمع بيانات من البيئة الرقمية التي تديرها شركات التكنولوجيا الكبرى.
ولم تكن العلاقة بين الأجهزة الأمنية والشركات بالبساطة التي صورتها بعض التقارير الأولى؛ فقد نفت شركات مثل غوغل وفيسبوك وآبل منح الحكومة الأميركية «وصولاً مباشراً» إلى خوادمها، فيما أكدت الوثائق المسرّبة وجود عمليات جمع بيانات قانونية وسرية عبر بنية الإنترنت.
لكن الدلالة الأوسع بقيت: البيانات أصبحت جزءاً من القوة.
فالسلطة في القرن الحادي والعشرين لا تحتاج دائماً إلى منع الإنسان من الكلام. قد يكون أكثر فاعلية أن تعرف ماذا يقرأ، وماذا يبحث، وما الذي يخيفه، وما الذي يجذب انتباهه.
وهنا تنتقل المعركة من السيطرة على الأرض إلى المنافسة على الانتباه والوعي والسلوك.
تشومسكي.. حين تُصنع الموافقة
ومن زاوية أخرى، يقدم نعوم تشومسكي نقداً للبنية السياسية والاقتصادية التي تركز الثروة والقوة.
في كتاب «قداس للحلم الأميركي»، الذي جمعه محرروه من سلسلة طويلة من مقابلاته، نُظمت أفكاره في عشرة مبادئ تفسر، بحسب هذه القراءة، آليات تركيز الثروة والنفوذ: تقليص الديمقراطية، وتشكيل الأيديولوجيا، وإعادة تصميم الاقتصاد، ونقل الأعباء إلى الفئات الأضعف، وضرب التضامن الاجتماعي، وزيادة نفوذ المصالح الخاصة في أجهزة التنظيم، والتأثير في النظام الانتخابي، وضبط الجمهور، وصناعة القبول، وتهميش قطاعات واسعة من السكان.
وهنا يصبح مفهوم السلطة أكثر تعقيداً.
فالدولة لا تحتاج دائماً إلى إجبار الناس بالقوة المباشرة. تكفي أحياناً بنية اقتصادية وإعلامية وسياسية تجعل مجموعة محدودة من الخيارات تبدو وكأنها الخيارات الطبيعية الوحيدة.
وهذه ربما إحدى أكثر صور السلطة نجاحاً: أن يشعر الإنسان بأنه اختار بحرية ما جرى إعداد المجال كله لكي يختاره.
التطرف.. عندما يصبح العنف معنى
لكن العنف لا يأتي من الدولة وحدها، ولا من الإمبراطوريات وحدها.
في كتاب «البقاء للأعنف: نظرة في جذور الراديكالية»، يحاول عمر الحمادي فهم الجذور النفسية والاجتماعية للتطرف، بعيداً عن الصورة المبسطة التي تختزل المتطرف في شخص جاهل أو فقير أو فاقد للعقل.
فالتطرف يقدم لأتباعه أشياء شديدة الجاذبية: هوية واضحة، وعدواً واضحاً، وعالماً مقسوماً إلى خير وشر، وإجابة جاهزة عن الأسئلة المعقدة.
إنه يقلل الالتباس.
وحين يشعر الإنسان بأن العالم شديد التعقيد، قد يصبح اليقين المتطرف أكثر إغراء من التفكير.
ومن هنا تأتي خطورة الأدبيات التي تحول العنف إلى مشروع سياسي منظم، كما في نصوص مثل «إدارة التوحش» وغيرها من أدبيات الجماعات المتطرفة، حيث لا يعود العنف انفجاراً عشوائياً، بل يتحول إلى أداة لإدارة المجتمع والوصول إلى السلطة.
ولهذا لا يكفي الرد الأمني وحده.
فالفكرة التي تحولت إلى عنف تحتاج أيضاً إلى مواجهة في مستوى الفكرة؛ والمجتمع الذي ينتج التطرف يحتاج إلى ما يمكن تسميته لقاحات فكرية: تعليم نقدي، ومساحات للنقاش، وقدرة على الشك، ومجتمع لا يحوّل الخلاف إلى عداوة وجودية.
الحكمة فعل مقاومة
إن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن نصنع آلات أكثر ذكاءً فقط، بل أن نحافظ على قدرتنا على أن نكون بشراً في عالم يزداد قابلية للقياس والحساب والتنبؤ.
حين يصبح كل شيء قابلاً للقياس، تصبح الحكمة شكلاً من أشكال المقاومة.
وحين يتحول الزمن إلى تدفق متواصل من البيانات، يصبح التأمل مساحة من الحرية.
وحين تحاول الخوارزميات توقع ما سنشاهده وما سنشتريه وما سنرغب فيه، يصبح أحد معاني الحرية الإنسانية أن نحتفظ بالقدرة على المفاجأة؛ أن نفعل ما لم يكن متوقعاً سلفاً.
لهذا ليست الفلسفة في العصر الرقمي ترفاً فكرياً.
إنها إحدى المساحات القليلة التي يستطيع فيها الإنسان أن يتوقف قبل أن يستجيب، وأن يسأل قبل أن يصدق، وأن يفكر قبل أن يشارك، وأن يختار قبل أن ينقاد.
وربما هنا يلتقي فرانكل بهايدغر وجيجك، على اختلاف عوالمهم: ليست الحرية أن تعرف فقط، بل أن تتحول المعرفة إلى موقف.
أن ننتقل من:
«أنا أعرف.. ومع ذلك أفعل»
إلى:
«أنا أعرف.. ولذلك أختار».
فأرفع درجات الحكمة ليست في القدرة على إخضاع الآخر، بل في صون الحياة وتخفيف المعاناة والاحتفاظ بالمساحة التي تجعل الإنسان أكثر من مجرد استجابة لمثير.
تلك هي الحرية الأخيرة. وربما كانت تلك، أيضاً، وظيفة الفلسفة.
