من هنا تبدأ المفارقة: هل جعلتنا المعرفة أكثر إنسانية، أم منحت غرائزنا القديمة وسائل أكثر تطوراً للتوحش؟ وبين صخرة سيزيف التي لا تكف عن التدحرج، وسماء جيجك التي أصابتها الفوضى، وصمت بيكارد الذي يحاول إنقاذ المعنى، تمتد رحلة في الأدب والفلسفة تنتهي عند أخطر ما أنتجته الحضارة الحديثة: القدرة على إبادتها بضغطة زر.
لقد وصف فريدريك نيتشه المعرفة بأنها شغف لا يخشى التضحية. لكن المأساة أن الإنسان الذي يفكّ أسرار الطبيعة قادر، في اللحظة نفسها، على تسخير اكتشافاته لإفناء بني جنسه. يصنع الدواء والصاروخ، ويكتب الرواية ويُعدّ للحرب. فهل تكفي المعرفة لصناعة عالم أكثر حكمة، أم أن تراكمها قد يتعايش مع اتساع الهمجية؟
من خمسة أعمال أدبية إلى كتابَي سلافوي جيجك وماكس بيكارد، تمتد رحلة تسائل معنى الوجود، وفوضى السياسة، وأخطار القوة النووية، قبل أن تنتهي إلى فضيلة تبدو منسية: الإصغاء.
أولاً: خمس روائع وخمسة أسئلة
ماذا لو لم تكن للحياة غاية مسبقة؟ وهل يمكن الطواف بالعالم في ثمانين يوماً؟ ماذا يحدث حين ينقلب الذكاء على صاحبه؟ وكيف يختار الإنسان بين الحب والشرف؟ وهل يستطيع عجوز وحيد أن يفقد صيده من دون أن يفقد كرامته؟ هذه الأسئلة تفتح أبواب خمسة أعمال أدبية.
وفي «حول العالم في ثمانين يوماً»، يحوّل جول فيرن رهان فيلياس فوغ إلى مواجهة مع الزمن وحدود الجغرافيا، حيث تتجاور دقة الحساب وشجاعة المغامرة. أما «بطل من هذا الزمان» لميخائيل ليرمونتوف، فيكشف عبر بيتشورين مأزق الذكاء حين يعجز صاحبه عن مصالحة نفسه، فيتحول الوعي الحاد إلى قوة هدم داخلية.
وفي «ابنة الضابط»، يمتحن ألكسندر بوشكين الحب والشرف في أتون تمرد بوغاتشوف، فلا يعود التاريخ وقائع كبرى فحسب، بل اختيارات أخلاقية يدفع الأفراد ثمنها. ثم يأتي «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، حيث يواجه سانتياغو البحر والإنهاك والفقد، مذكّراً بأن الهزيمة المادية لا تعني بالضرورة الانكسار الإنساني.
تختلف هذه الأعمال، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف يحتفظ الإنسان بمعناه عندما يعجز عن السيطرة على مصيره؟
ثانياً: جيجك.. حين تصيب الفوضى السماء نفسها
في «السماء في فوضى» (Heaven in Disorder)، ينطلق سلافوي جيجك من مقولة لماو تسي تونغ ترى في الاضطراب فرصة للتغيير. لكنه يقلبها: المشكلة اليوم ليست الفوضى تحت السماء فحسب، بل اختلال السماء نفسها؛ أي تآكل المنظومة المشتركة من القيم واللغة والقواعد التي تتيح للمجتمعات الاختلاف من دون أن تفقد إمكان التفاهم.
يجول جيجك بين أزمات الرأسمالية والتصدعات السياسية: هجوم المسيّرات على منشآت “أرامكو” في السعودية بوصفه علامة على هشاشة الاقتصاد العالمي؛ والتجربة الكردية في “روج آفا” بوصفها محاولة لبناء بديل ديموقراطي؛ وصراعات بوليفيا وتشيلي باعتبارها اختبارات لعلاقة السلطة بالإرادة الشعبية. وفي زيارته جوليان أسانج داخل سجن بلمارش، يتوقف عند مفارقة القمع الذي يتحدث بلغة الرعاية والحرص على الإنسان.
ليست هذه الوقائع قائمة منفصلة، بل أعراض أزمة أوسع: لم تعد الترقيعات الاجتماعية والاقتصادية تكفي، في نظر جيجك، لإنقاذ نظام ينتج اللامساواة والكوارث. المطلوب تضامن عابر للحدود وتنظيم سياسي جديد قادر على جمع القضايا الاجتماعية والبيئية والإنسانية.
ثالثاً: من فوضى السياسة إلى الخطر النووي
هنا تبرز المفارقة الأكثر رعباً: كلما تطورت أدوات الحساب، ازداد احتمال أن تتحول أخطاء الحساب إلى كارثة لا رجعة فيها.
بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ المخزون النووي العالمي في مطلع 2026 نحو 12,187 رأساً، تمتلك روسيا والولايات المتحدة قرابة 86% منها، فيما بلغ التقدير لترسانة الصين بنحو 620 رأساً. وهناك ما بين 2100 إلى 2200 رأس نووي في حالة تأهب مرتفع.
وتفاقمت الهشاشة بانتهاء معاهدة «نيو ستارت» في شباط/فبراير 2026 من دون اتفاق بديل يفرض قيوداً مماثلة على الترسانتين الأميركية والروسية. ولم يتمكن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في أيار/مايو من التوصل إلى وثيقة توافقية. لكن ذلك لا يعني انهيار المنظومة القانونية الدولية بأكملها؛ فمعاهدة عدم الانتشار لا تزال قائمة.
أما الذكاء الاصطناعي، فيضيف خطراً من طبيعة مختلفة: أن تُستخدم نماذج غير شفافة في تفسير الإنذارات أو تسريع التقديرات، فتضغط على الوقت المتاح للقرار البشري وتزيد احتمالات سوء الفهم والتصعيد. الخطر هنا احتمال ينبغي منعه، لا واقعة مثبتة عن آلات تتخذ وحدها قرار الحرب النووية. ولهذا طالبت الأمم المتحدة باستمرار السيطرة والإشراف البشريين على هذه الأنظمة.
رابعاً: بيكارد.. الصمت بوصفه مقاومة
في «عالم الصمت»، لا يعامل ماكس بيكارد الصمت باعتباره مجرد غياب للأصوات، بل حضوراً يسمح للإنسان بأن يستعيد علاقته بنفسه وبالكلمة. فاللغة التي لا يسبقها الإصغاء معرّضة لأن تصبح ضجيجاً، والمعرفة التي لا يمنحها التأمل معنى قد تتحول إلى استهلاك لا ينتهي للمعلومات.
ذلك أن أزمتنا ليست ندرة الأخبار، وإنما العجز عن التمييز بين المعلومة والفهم، وبين سرعة الاستجابة وسلامة الحكم. وسط شاشات لا تصمت، يصبح التوقف عن الكلام فعلاً مضاداً لمنطق الاستعجال، ومساحةً لإنقاذ الضمير من التبلّد.
الخاتمة
من “صخرة سيزيف” إلى بحر سانتياغو، ومن سماء جيجك المضطربة إلى صمت بيكارد، تتكرر الرسالة نفسها: لا قيمة للقدرة إن انفصلت عن المسؤولية، ولا للمعرفة إن فقدت بوصلتها الأخلاقية.
ولعلها دعوة إلى ما شدّد عليه فيكتور فرانكل من ضرورة المعنى، وإلى الحذر الذي أثاره هايدغر من اختزال العالم بمنطق التقنية والسيطرة. لسنا بحاجة إلى آلات أشد ذكاءً فحسب، بل إلى بشر أقدر على التردد أمام الكارثة، والإصغاء قبل إصدار الأحكام، ورفض تحويل التفوق التقني إلى ترخيص بالتوحش.
فلتكن شهوة المعرفة شهوةً للحياة، لا براعةً في ابتكار وسائل فنائها.
