في حوار متداول منسوب إلى إحدى هذه المقابلات، سأل المحاور أحد المناصرين: «هل تعتقد أنه ينبغي حظر بعض الكتب أو النصوص الدينية في المدارس والمؤسسات؟».
فأجاب المؤيد: «نعم، بكل تأكيد! يجب ألّا نندمج مع هذه الأفكار».
وعندما سأله عن أمثلة، قال: «يجب حظر التوراة الإسلامية!».
فحاول المحاور التأكد من موقفه بأسلوب ساخر، من دون تنبيهه إلى الخطأ: «التوراة الإسلامية؟ وماذا عن القرآن اليهودي؟».
فردّ المؤيد بثقة تامة: «نعم! والقرآن اليهودي أيضًا؛ كلاهما يجب حظره فورًا!».
وفي مقابلة أخرى متداولة، منسوبة إلى تجمع انتخابي في تكساس، سأل مذيعٌ أحد مناصري ترامب عن سبب تأييده للرئيس ترامب، فأجاب: «لأنه أوقف سبع حروب منذ تولّيه الرئاسة». وعندما طُلب منه تسمية حرب واحدة، عجز عن الإجابة، ثم كرّر العبارة نفسها عند إعادة السؤال، من دون تقديم أي تفصيل.
تكشف هذه الأمثلة، إذا صحت تفاصيلها، ظاهرة أعمق من سوء الفهم العابر.. فالغباء، بهذا المعنى، ليس عيبًا فرديًا فحسب، بل قد يتحول إلى ظاهرة جماعية تتغذّى من الانتماء والتلقين وتغييب التفكير النقدي. وقد يكون أخطر من الشر نفسه؛ فالشر يُمارَس عن قصد، أما الغباء فقد يُلحق الضرر بالآخرين فيما صاحبه مقتنع بأنه على صواب.
الغباء.. عدوٌ!
في ظل حكم هتلر، وجد اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر نفسه سجينًا، وشهد كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يتحولوا إلى أدوات للشر. ولاحظ أن أحد العوامل التي ساعدت على ازدهار الطغيان لم يكن الكراهية وحدها، بل الغباء أيضًا.
كتب بونهوفر: «الغباء عدوّ أخطر للخير من الشر». فالشر، حين ينكشف، يمكن تحديده ومقاومته؛ أما الغباء فيتخفّى خلف الجهل والشعور بامتلاك الحقيقة المطلقة ورفض النقاش. إنه أشبه بفيروس لا يهاجم العقل من الخارج، بل يجعله يستسلم من الداخل.
فالشخص الغبي، بهذا المعنى، ليس بالضرورة قليل الذكاء أو محدود التعليم، بل قد يكون إنسانًا فقد استقلاله في التفكير. يتبنّى الشعارات والدعاية والأيديولوجيات من دون تدقيق، ثم يدافع عنها كما لو كانت حقائق مقدسة. وعندما تجادله، فأنت لا تواجه عقلًا يمارس حريته النقدية، بل منظومة من الشعارات والمصادر والانتماءات والمخاوف التي استحوذت على طريقة تفكيره.
ولهذا لا تؤثر فيه الحقائق غالبًا، ولا يجد المنطق طريقًا سهلًا إليه. فهو يرى نفسه دائمًا على حق، بينما قد يكون أداة مطواعة للسلطة. وحين يتخلى الناس عن تفكيرهم النقدي ويسلّمون عقولهم للسلطة، فإنهم يمنحونها ما تحتاج إليه للاستمرار: طاعة بلا سؤال، وحماسًا بلا وعي، وغضبًا بلا فهم.
وبعد بونهوفر بنحو ثلاثة عقود، قدّم المؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو تشيبولا تعريفًا سلوكيًا للغباء، مفاده أن الشخص الغبي هو من يتسبب في خسائر للآخرين من دون أن يحقق مكسبًا لنفسه، بل قد يُلحق الضرر بنفسه أيضًا.
تكمن قوة هذا التعريف في أنه يفصل الغباء عن الذكاء والشر ومستوى التعليم. فقد يكون الإنسان مثقفًا، ويشغل منصبًا رفيعًا، ومع ذلك يتصرف بغباء بالغ، لأن امتلاك المعلومات أو المكانة الاجتماعية لا يضمن سلامة الحكم على الأفعال ونتائجها.
وبرغم أن بونهوفر وتشيبولا يتناولان مفهوم الغباء من زاويتين مختلفتين، فإنهما يلتقيان عند نقطة أساسية. فبونهوفر ينظر إليه بوصفه فقدانًا لاستقلال التفكير تحت تأثير السلطة والجماعة، بينما يعرّفه تشيبولا من خلال نتائجه السلوكية؛ أي الفعل الذي يسبب الضرر للآخرين من دون أن يحقق لصاحبه منفعة، بل قد يضر به أيضًا. وفي الحالتين، لا يتعلق الغباء بضعف الذكاء بقدر ما يتعلق بتعطّل القدرة على مراجعة الأفكار والأفعال في ضوء الواقع والنتائج.
الطاعة والعلم لا يلتقيان!
تظهر خطورة الغباء الجماعي بوضوح في نموذج يُمكن أخذه من تجربة الاتحاد السوفياتي السابق، على سبيل المثال لا الحصر. فقد روّج المهندس الزراعي السوفياتي تروفيم ليسينكو لأفكار تقوم على إمكان تغيير الصفات الوراثية بتأثير البيئة، ورفض مبادئ الوراثة المندلية، وهي القواعد التي وضع أسسها العالم غريغور مندل استنادًا إلى تجاربه في تهجين نبات البازلاء. وحظي ليسينكو بدعم ستالين، لأن أفكاره بدت منسجمة مع الأيديولوجيا الحاكمة.
وهكذا، جرى التعامل مع علم الوراثة الكلاسيكي بوصفه «علمًا برجوازيًا زائفًا»، وفُصل علماء من مناصبهم أو سُجنوا، ومن بينهم العالم نيكولاي فافيلوف، الذي توفي في السجن عام 1943. أما النتيجة، فكانت إلحاق أضرار جسيمة بالبحث العلمي وتكريس سياسات زراعية افتقرت إلى الأسس العلمية السليمة.
لم يكن الخلل في غياب العقول؛ فقد كان في البلاد علماء كبار، بل في أن الطاعة صارت أهم من الدليل، وأن الولاء حلّ محل الحقيقة. وهذا ما يلتقي مع تحذير بونهوفر: حين تحتاج السلطة إلى الطاعة، تجد من يمنحها إياها من دون مساءلة.
ولا يزال هذا النمط حاضرًا في عصرنا، حين تُتخذ قرارات سياسية وعسكرية كبرى انطلاقًا من يقين بأن القوة وحدها قادرة على تحقيق النتائج المرجوّة، حتى عندما تتراكم تكاليفها وتتسع تداعياتها. ومن الأمثلة الراهنة الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، التي ترتبت عليها تكاليف اقتصادية وعسكرية كبيرة، وانعكاسات واسعة على أسواق الطاقة، من دون أن يعني ذلك أن نتائجها النهائية قد حُسمت.
والمهم هنا ليس إصدار حكم مسبق على مآل الحرب، بل ملاحظة الخطر الكامن في تحوّل الافتراض السياسي إلى يقين لا يخضع للمراجعة، أو في الإصرار على تفسير الوقائع بما ينسجم مع القرار المتخذ سلفًا، بدل إعادة النظر في القرار على ضوء الوقائع.
وينطبق الأمر نفسه على السياسات الاقتصادية حين تتحول الأداة إلى عقيدة. فالحرب الجمركية التي خاضتها إدارة ترامب مع الصين وكندا ودول أخرى أثارت جدلًا واسعًا حول تكلفتها على المستهلكين والاقتصاد، وحول قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة. والمشكلة هنا ليست في اختلاف التقدير السياسي، بل في رفض مراجعة القرار عندما تصطدم الشعارات بالنتائج.
فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى شرّ معلن؛ فقد يكفيها جمهور يقبل الشعار بدل الدليل، والانتماء بدل الحقيقة، ويمنح أصحاب القرار حصانة من المساءلة.
خطورة الغباء.. ومواجهته
على مرّ التاريخ، كانت لأصحاب النيات الشريرة، في حالات كثيرة، أهداف وخطط يمكن التعرف إليها ومواجهتها. فحين تنكشف المقاصد والوسائل، يصبح من الممكن مقاومتها، وإحباط مخططاتها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
أما الغباء، وفق المعنى الذي يناقشه بونهوفر وتشيبولا، فلا يشترط وجود خطة واضحة أو هدف معلن. فقد يعرقل ويؤذي ويخلّف أضرارًا لا يدرك صاحبها حجمها، بل قد يعتقد أنه يؤدي خدمة للمجتمع.
ومن هنا تنبع خطورته: فالضرر المتعمد قد يكشف عن نفسه من خلال الغاية التي يسعى إليها، بينما يستطيع الضرر الناجم عن تعطيل التفكير أن يتخفّى وراء حسن النية والشعور بالصواب. وحين يصبح هذا السلوك جماعيًا، ويتسلّح بقوة السلطة أو الانتماء، تتضاعف قدرته على إلحاق الأذى بالمجتمع.
ولا يُعالَج الغباء بالإهانة أو الإسكات، بل بتحرير العقل النقدي وبناء مجتمع يحترم السؤال والاختلاف والدليل. فنحن بحاجة إلى تعليم يعلّم التفكير لا الحفظ وحده، وإعلام يبحث عن الحقيقة بدل تكرار الدعاية، وثقافة تجعل الاعتراف بالخطأ قوة لا عيبًا.
غير أن مواجهة الغباء لا تقتصر على الأفراد؛ فهي تتطلب أيضًا مؤسسات تسمح بالمراجعة والمحاسبة، ولا تجعل الولاء معيارًا للحقيقة أو الكفاءة. فحين يستطيع الإنسان الاعتراض من دون خوف، وحين تكون القرارات قابلة للنقد والتصحيح، تتراجع قدرة الشعارات على مصادرة العقول.
أما المجتمعات التي تمنح اللاعقلانية والطاعة العمياء سلطة واسعة، فإنها تضع نفسها على طريق التآكل والانهيار. وحين يصبح التسليم بديلًا من السؤال، والمشاعر المدمّرة بديلًا من الفهم، يبدأ العفن بالتسلل إلى مفاصل المجتمع، وتضعف قدرته على اكتشاف أخطائه وتصحيحها.
التفكير بحرية
إن أخطر ما في الغباء ليس نقص المعرفة، بل الثقة المطلقة بما يُظنّ أنه معرفة. فالجاهل قد يسأل ويتعلم، أما من أغلق عقله على يقين لا يقبل المراجعة، فيعتقد أنه يعرف كل شيء، ويغلق باب النقاش قبل أن يُفتح.
لا تنهار المجتمعات بسبب أصحاب النيات السيئة وحدهم؛ فقد يبدأ الخطر الحقيقي حين يتحول تعطيل التفكير إلى ثقافة، وحين يُقدَّم الانتماء على الحقيقة، والشعار على الفكر، والغضب على الفهم، والطاعة العمياء على المسؤولية.
وإذا كان الشر يُمارَس عن قصد، فإن الغباء قد يحوّل الإنسان إلى أداة طوعية لما يدمّره، من دون أن يدرك ذلك. ولذلك، لا يبقى السؤال الأخير: هل هناك أشرار؟ بل يصبح: هل ما زال هناك من يفكر بحرية؟
