السيد نصرالله ومعادلات الردع.. من توازن القوة إلى سباق التكيّف المضاد (2/2)

في الجزء الأول من هذه الدراسة، حاولنا أن نشرح كيفية تشكل النموذج الردعي لحزب الله منذ بدايات المقاومة في العام 1982 وحتى حرب العام 2006، وبالتالي القول إن نموذج السيد نصرالله للردع المتعدد الأبعاد أصبح بعد حرب 2006 أكثر نسقية واتساعاً. في هذا الجزء الثاني والأخير، نحاول التركيز على كيفية تطور هذا النموذج من الردع المتبادل إلى الإكراه وصولاً إلى تكيف "الإسرائيلي" مع هذا النموذج واستهدافه وتقويضه.

تطوّر النموذج من الردع المتبادل إلى الإكراه

بين 2006 و2009، انشغل الحزب بإعادة بناء القدرة والثقة بعد الحرب: تجديد المخزونات، واستخلاص الدروس، وإعادة تنظيم القوة، وتعزيز القدرة على إيلام الجبهة الداخلية، مع خفض السلوك الاستفزازي الذي قد يعطي “إسرائيل” ذريعة لجولة ثانية. وكذلك سعى الحزب إلى بناء مساومة مع النظام السياسي اللبناني وضبط توازناته وتقليص هامش المناورة السياسية الأميركية داخله لفرض شراكته السياسية ضد محاولات العزل الأميركية بما يخفف عنه ثقل الغرق في صراعات داخلية مفتوحة حول موازين القوى. ولذلك أخذ حزب الله يظهر بشكل متزايد مهادنًا للنظام الطائفي الموصوف بالفساد البنيوي. حاولت تل أبيب إعاقة جهود بناء القدرة والتنظيم من دون تجاوز الردع العسكري من خلال الانتقال نحو الاستهدافات الأمنية مثل اغتيال القائد العسكري للحزب عماد مغنية في دمشق (2008) واغتيال الكادر العسكري حسان اللقيس في الضاحية (2013). وحين عجز الحزب عن تنفيذ هجمات أمنية مضادة لتحقيق الردع، أعلن السيد نصرالله أن الحزب سيرد على الاغتيالات بأعمال عسكرية وليس أمنية وهكذا توسعت مظلة الردع.

في المقابل، دأب كيان العدو على تكرار التلويح بـ «عقيدة الضاحية» والتهديد بجعل البنية اللبنانية جزءاً من كلفة الحرب. نشأ بذلك ردع متبادل غير متناظر، حيث يهدد الحزب العمق الإسرائيلي واستمرارية الحياة؛ فيما تهدد “إسرائيل” بتدمير واسع يشمل الحزب ومجتمعه والدولة اللبنانية. وقد وصف سامان المرحلة بأنها انتقال إلى منافسة ردعية أكثر تنظيماً، بينما رأت مجموعة الأزمات الدولية أن الطرفين يبنيان قدرات يعتقد كل منهما أنها تمنع الحرب، مع أن البناء نفسه يجعل الحرب التالية أشد تدميراً[1].

بين عامي 2011 و2018 واجه النموذج تحديين متعاكسين: استنزاف الحزب في سوريا وتطور القدرة الإسرائيلية على الدفاع والاستخبارات، وفي الوقت نفسه اكتساب الحزب خبرة عملياتية أكبر وعمقاً إقليمياً أوسع. استغل العدو الإسرائيلي الحرب السورية لتكريس «حرية عمل» ضد ما وصفه بنقل السلاح والتموضع الإيراني، متجنبًا قدر الإمكان كسر قواعد اللعبة اللبنانية. حاول الحزب في المقابل فرض معادلة تربط مقتل عناصره في سوريا برد عبر جبهة لبنان أو مزارع شبعا. هكذا بدأت «جغرافيا الردع» تتوسع، فلم يعد المطلوب حماية لبنان فقط، بل حماية جزء من القوة وعملية بنائها خارج الحدود.

في هذه المرحلة ظهر سباق التكيف بوضوح. كلما رفعت “إسرائيل” دفاعها الصاروخي زادت قيمة الدقة لدى الحزب؛ وكلما منعت نقل صواريخ مكتملة اتجهت عملية بناء القوة إلى نقل التكنولوجيا والمكونات والتصنيع والتحويل داخل لبنان؛ ثم وسعت “إسرائيل” الاستهداف نحو الشبكات والبنية البشرية. وحين ارتفعت خبرة قوات الاقتحام، بنت “إسرائيل” عوائق وحدوداً أكثر تحصيناً وركزت على الأنفاق و”قوة الرضوان”. لذلك لم يكن الهدوء بعد 2006 حالة ساكنة، بل بيئة عمل فيها الطرفان لتغيير شروط الجولة التالية.

ظهر إنفاذ الردع المحدد في أيلول/سبتمبر 2019، حين أطلق الحزب صواريخ مضادة للدروع قرب مستوطنة أفيفيم عند الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة بعد استشهاد عناصر له في سوريا بغارة إسرائيلية. لم يكن الهدف فتح حرب، بل تثبيت قاعدة مفادها أن حرية العمل الإسرائيلية خارج لبنان ليست بلا ثمن إذا مسّت عناصر الحزب. إلا أن الفترة نفسها أظهرت تقدماً في الإجراءات الوقائية والاستخبارية الإسرائيلية، وازدياد القيود التي فرضها الحزب على ردوده خشية الانزلاق إلى حرب واسعة.

بلغ اتساع النموذج ذروة جديدة في أزمة كاريش 2022. هنا انتقل الحزب جزئياً من الردع إلى الإكراه، إذ لم يكن التهديد موجهاً فقط إلى منع هجوم، بل إلى دعم الموقف التفاوضي للدولة اللبنانية للتأثير في مسألة ترسيم الحدود البحرية واستخراج الغاز. يصف سوبلمان الحالة كدبلوماسية إكراهية جمعت التهديد وإظهار القدرة والضغط التفاوضي.[2] والأهم إعلان السيد نصرالله حول المسيّرات غير المسلحة التي أرسلت إلى منطقة كاريش حيث قال إن اعتراضها كان مطلوباً كي تصل رسالة إلى العاملين بأنهم ليسوا في بيئة آمنة، وهو ما وثقه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة S/2022/858.[3]. وتكشف هذه الواقعة أن الفعل العسكري قد تكون وظيفته الاتصالية أهم من ضرره المباشر، وأن الردع أصبح رأسمالاً سياسياً يستخدم خارج منع الحرب المباشر.

التعلم والتكيف كآلية لإنتاج الردع

يساعد رافائيل ماركوس في تفسير تطور النموذج الردعي لحزب الله باعتباره علاقة تعلم متبادل. فـ”إسرائيل” والحزب لم يطوّرا قدراتهما في مسارين مستقلين؛ فكل ابتكار لدى طرف أعاد تشكيل بيئة الطرف الآخر. خلال التسعينيات دفعت حرب العصابات “إسرائيل” إلى تطوير أساليب ووحدات أكثر تخصصاً، فيما دفع التطور الإسرائيلي الحزب إلى تعديل الانتشار والإخفاء والكمائن. وحرب 2006 نفسها كانت، عند ماركوس، حالة مكثفة من «التكيف والتكيف المضاد» حيث دخل الحزب الحرب ببنية أكثر تحصيناً ولا مركزية وبقدرات مضادة للدروع واستمرار للنيران، بينما امتلكت “إسرائيل” تفوقاً تكنولوجياً لم تستطع تحويله سريعاً إلى حسم[4] .

كان السيد نصرالله واعياً بهذا السباق. ففي تعليقه على لجنة فينوغراد عام 2007 قال إن الإسرائيليين «يدرسون هزيمتهم لكي يتعلموا منها»[5]. كما أن متابعته للمناورات والتصريحات والنقاشات حول الجبهة الداخلية تكشف أن «معرفة العدو» كانت جزءاً من تصميم الردع. وفي الاتجاه المقابل، اعترف مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS بعد حرب غزة 2014 بوجود “تعلّم متبادل” بين حزب الله وحماس و”إسرائيل”، ورأى أن أدوار «المعلّم» و«المتعلّم» قد تتبدل[6]. ثم خصص مركز دادو في عام 2021 دراسة لـ”التعلّم والتغيّر في حزب الله”، وربط الخبرة السورية بتغير مفهوم التشغيل وزيادة القدرة الهجومية.[7]

لذلك لا يقاس الردع فقط بنسبة القدرات العسكرية، بل أيضاً بنسبة القدرة على التعلم والتكيف. يتعزز ردع الحزب حين يحوّل الخبرة إلى رفع احتمالات البقاء، وعقاب أوثق، وقدرة أعلى على منع الحسم؛ ويتآكل حين تخفض “إسرائيل” هذه الوظائف بالدفاع والاستخبارات والمنع والاستهداف. فرغم ما تعرّض له الحزب من استهداف منظومي في حرب 2024، كشف في حرب 2026 عن قدرة على التعلم والابتكار ظهرت من خلال توظيف مؤثر ومفاجىء للمحلّقات الموصولة بالألياف البصرية لمهاجمة قوات الاحتلال الإسرائيلي. هذه المعادلة حول التعلم والتكيف ضرورية لفهم جزء أساسي من نتائج حربي 2024 و2026. لكن التحولات التكنولوجية المتسارعة تطرح الآن تحديًا كبيرًا يرتبط بسرعة دورة التكيف والتكيف المضاد، التي قد تتحرك خلال أيام أو أسابيع، كما تكشف الحرب في أوكرانيا وإيران.

التكيف الإسرائيلي المضاد

من المفيد الإشارة بداية إلى نقطة أساسية مثّلت تطويرًا للافتراضات الإسرائيلية حول ردع حزب الله وهي اعتقاد قادة العدو بأن الحزب بمرور الوقت تطوّرت علاقته بمجتمعه إلى ما يشبه الدولة وتصاعدت حساسيته للمشروعية الشعبية ورضا جمهوره ولقدرته على تزويدهم بالخدمات والمكانة والحماية. وحتى على مستوى السيد نصر الله نفسه، جادل الصهاينة أن حساسيته تجاه حماية مجتمع المقاومة وضمان عناصر استقراره قد ارتفعت بشكل ملحوظ بمرور الوقت وهو ما جعله، وفق تقديراتهم، أقل ميلًا للمخاطرة العسكرية وأكثر استجابة للردع. وهذا ما يمكن أن يفسر كثرة التهديدات الإسرائيلية خلال فترة الإسناد بتحويل مناطق الثقل الشعبي للحزب إلى ما يشبه غزة بعد تدميرها.

1. تآكل شروط الردع

لا يمكن تفسير أحداث حرب 2024 من دون النظر إلى المسار الإسرائيلي الطويل بعد 2006. فقد تحولت دراسة حزب الله والردع إلى موضوع مؤسسي داخل البيئة العسكرية والأكاديمية الإسرائيلية. تناولت أعمال شموئيل بار[8] وعاموس مالكا[9] الردع اللامتماثل وردع الفاعلين غير الحكوميين، فيما درست INSS لاحقاً قواعد اللعبة والحملة الإدراكية والدقة والبعد الإيراني واللبناني. وخلصت دراسة شفايتسر ومزراحي وشابيرا قبل حرب 2023 بأسابيع إلى أن استراتيجية الحزب تجمع بناء القوة والاستخدام المحدود للقوة والحملة الإدراكية للحفاظ على ميزان الردع وتوسيعه[10]. كما تابع مركز دادو تغير مفهوم تشغيل الحزب.

تُرجم هذا التعلم إلى عدة خطوط جهد. أولاً، خفض الهشاشة الإسرائيلية عبر الدفاع الصاروخي والإنذار والتحصين واستمرارية عمل المنشآت في ظل الحرب، أي تقليل قدرة النار على تحويل الزمن إلى ضغط سياسي. ثانياً، إبطاء بناء القوة عبر «المعركة بين الحروب» في سوريا، بما سمح لـ”إسرائيل” بالالتفاف جزئيًا على مظلة الردع اللبنانية بدلاً من تحديها مباشرة في كل مرة. ثالثاً، استهداف مشروع الدقة عسكريًا وأمنيًا وتخريبيًا واتصاليًا، سواء من حيث نقل القدرة أو مكوّنات منها أو استهداف نقاط التجميع والتصنيع. رابعاً، إزالة قدرات هجومية محددة من دون حرب واسعة، كما في «درع الشمال» وتحييد الأنفاق (كانون الأول/ديسمبر 2018 – كانون الثاني/يناير 2019)، ثم تعزيز العوائق والدفاع الحدودي ضد أي عمل هجومي برّي محتمل لـ”قوات الرضوان”.

خامساً، بنت “إسرائيل” قدرة أكبر على الاستهداف المنظومي بالاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي: بنك أهداف، واستخبارات متعددة المصادر، ودمج الاستشعار والحوسبة والنيران، والتركيز على عقد القيادة والسيطرة والاتصال واللوجستيات. تكمن أهمية هذا المسار في أنه يستهدف «القدرة القابلة للاستخدام» لا حجم الترسانة وحده. فالحزب الذي يصبح أكثر مؤسسية ودقة يكتسب قوة أكبر، لكنه يحتاج أيضاً إلى شبكات وقيادات وخبراء وسلاسل توريد يمكن أن تتحول إلى مراكز ثقل مكشوفة. سادساً، طورت “إسرائيل” القوات البرية والدعم الجوي (دعم لحظوي ودقيق وكثيف ومتشابك) والتدريع والأنظمة غير المأهولة (تحديدًا الدبابات والمدرعات والجرافات) والحرب الإلكترونية بهدف خفض خسائر المناورة البريّة، أي مهاجمة إحدى ركائز الردع بالمنع. وأخيراً توسع الاستثمار في الحرب الإدراكية لفهم مجتمع المقاومة والتأثير فيه وتقويض السردية التي تحول البقاء إلى نصر.

بهذا المعنى كان التكيف الإسرائيلي موجهاً ضد نظام ردع حزب الله بكل طبقاته. وفي أيلول/سبتمبر 2024 ظهرت نتائج بعض هذه التراكمات في القدرة على ضرب الاتصالات والقيادة و”قوات الرضوان” ومنظومات الإطلاق والقيادة الاستراتيجية بوتيرة متصاعدة. لا يعني ذلك أن “إسرائيل” حققت نتيجة سياسية نهائية، لكنه يدلّ على الانتقال إلى وضع ارتفعت فيه ثقة “إسرائيل” بقدرتها على امتصاص الرد وتعطيل جزء منه والتحكم بدرجات التصعيد.

ومن ثم فإن النجاح الطويل لنظام حزب الله للردع ولّد استراتيجية مضادة استهدفت شروطه بالتدريج. الردع يولد هدوءاً؛ والهدوء يمنح الطرفين وقتاً للتعلم؛ وإذا تفوّق أحدهما في سرعة التعلم أو في تحويله إلى قدرة عملياتية، فقد يتحول الاستقرار ذاته إلى البيئة التي يتشكل فيها الرد المضاد. مع الإشارة إلى أن تقييم أحداث حرب 2024 في لبنان تنقصه معلومات أساسية لا سيما حول مسألة انكشاف مواقع قدرات استراتيجية وقيادية لحزب الله، هل هو انكشاف جرى تراكميًا نتيجة تطورات تكنولوجية أو انكشاف ناتج عن خرق محدد لمرة واحدة. أهمية هذه المسألة مرتبطة بتحديد مدى إمكان تكرار الأمر، فلو كان ذلك قد جرى نتيجة اختراق محدد لكان في الإمكان تجنبه إلى حد بعيد في المستقبل. وإن كان الأمر ناتجًا عن خرق محدد فهل هو حصل قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر أم بعده؟

إقرأ على موقع 180  لا أعرف لقمان سليم.. ولكن

2. جبهة الإسناد والردع داخل الحرب

لا يمكن فهم فتح جبهة الإسناد في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كخروج كامل من نظام الردع. لقد انتقل الحزب إلى استخدام فعلي ومنتظم للقوة، لكنه حاول في الوقت نفسه إبقاء القتال دون الحرب الشاملة. صنّف أدهم صولي هذا القتال ضمن نمط الحرب المقيّدة حيث يتم استخدام قوة دون الحد الأقصى لاحتواء رد الخصم وردعه، تحت قيود داخلية وإقليمية وخشية من توسع الحرب والتدخل الأميركي. وهكذا ضبط الحزب تدخّله ضمن مشاغلة حدودية توازن بين أمنه الأنطولوجي وأمنه الاستراتيجي/المادي[11]. وفي خطاب 3 تشرين الثاني/نوفمبر، أكد السيد نصر الله أن الحزب دخل المعركة منذ اليوم التالي لعملية 7 تشرين الأول/أكتوبر، وأن كل الخيارات مفتوحة، لكنه ربط مستوى التصعيد بالسلوك الإسرائيلي وشرح وظيفة الجبهة في تثبيت قوات من الجيش الإسرائيلي وفرض ضغط على مستوطنات الشمال بهدف إيقاف الإبادة في غزة.

حملت جبهة الإسناد ثلاث وظائف ردعية. الوظيفة الأولى وقائية لمنع الحسم الإسرائيلي السريع وغير المكلف في غزة حتى لا يتحوّل إلى مورد استراتيجي يشجع “إسرائيل” لاحقاً على تجاوز الردع في لبنان.

الوظيفة الثانية كانت إعادة شحن المصداقية عبر إظهار الإرادة والقدرة. فسنوات الهدوء الطويلة تترك دائماً سؤالاً حول استعداد القيادة لاستخدام القوة فعلاً. أتاحت الجبهة للحزب إظهار الصواريخ المضادة للدروع والمسيّرات والنيران المتدرجة، واستنزاف القوات الإسرائيلية وإبقاء احتمال التصعيد الأعلى قائماً. بذلك أصبح استخدام القوة المحدودة امتداداً للردع لا نقيضاً له.

الوظيفة الثالثة كانت إعطاء «محور المقاومة» وجوداً عملياتياً في الحساب الإسرائيلي. العمليات المتزامنة نسبياً من لبنان والعراق واليمن، ثم التدخل الإيراني المباشر لاحقاً، رفعت عدم اليقين حول حدود أي حرب واسعة على لبنان. لم تصبح الشبكة التزاماً جماعياً مضموناً، لكنها رفعت احتمال تعدد الجبهات، وهو ما اعتبره INSS نفسه احتمالاً مهماً في تقديرات 2024.

لكن هذه الوظائف حملت مخاطر معاكسة. فقد أتاح الاستخدام اليومي للقوة إمكانية أن تكتشف “إسرائيل” معلومات متراكمة عن القدرات والعتبات وسقوف الرد، كما أظهر أن أولوية الحزب بقيت تجنّب الحرب الشاملة. هنا ظهرت «مفارقة الانضباط الردعي»، فالمعايرة تحفظ المصداقية وتمنع الانفجار، لكنها قد تسمح للخصم باستنتاج مقدار المخاطرة الممكنة. بعد اغتيال “رئيس أركان حزب الله” فؤاد شكر (السيد محسن) في تموز/يوليو 2024، شرح السيد نصرالله في 25 آب/أغسطس اعتبارات الهدف والتوقيت وتجنّب المدنيين والاحتفاظ بحق رد إضافي. كان ذلك مثالاً على هندسة ردعية دقيقة، لكنه أظهر أيضاً قيمة تجنب الحرب في حساب الحزب.

ومع اتساع الضربات الإسرائيلية في العمق وارتفاع مستوى القيادات المستهدفة، بدأت قواعد اللعبة تتآكل. وثقت “مجموعة الأزمات الدولية” في 2024 انتقال الضربات إلى البقاع واتساع جغرافيا الاشتباك[12]، بينما رصدت قراءات عربية وإسرائيلية سعياً إلى إعادة صياغة قواعد المواجهة. وهكذا تمكّن العدو الإسرائيلي تدريجيًا من السيطرة على سلّم التصعيد ما جعل الحزب يختبر بالميدان مؤشرات على تفوّق عسكري إسرائيلي تتخطى المتوقع وهو ما جعل الحزب أكثر حذرًا في إدارة حرب الإسناد. وقد كشف المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل في كتابه “لظى” مجريات التفاوض حينها حيث يوثّق أن السيد نصرالله أبلغ الرئيس نبيه بري في كانون الثاني/يناير 2024 موافقته على وقف عمليات الإسناد وإخلاء جنوب الليطاني عسكريًا وتفكيك البنى العسكرية والمعسكرات هناك في حال أوقف العدو حربه على قطاع غزة.[13]

وبعد عمليات تفجير أجهزة النداء (البايجرز) والاتصالات في 17 و18 أيلول/سبتمبر، قال السيد نصرالله في 19 أيلول/سبتمبر إن “إسرائيل” تجاوزت “كل الخطوط الحمراء”، وهي عبارة ذات دلالة ردعية واضحة، فمنظومة العتبات التي كانت تنظم العنف لم تعد تقيّد السلوك الإسرائيلي كما في السابق. ليتبين بعد أربعة أيام أن لدى العدو الإسرائيلي مفاجأة استراتيجية تمثلت في شن أكثر من ألف غارة استهدفت قدرات استراتيجية للمقاومة تقع في صلب منظومتها الردعية. وقد أشرنا سابقًا إلى أن تحديد كيفية وزمان امتلاك العدو لهذه المفاجأة سيتيح فهماً أفضل لقرارات العدو منذ السابع من أكتوبر 2023 تجاه الجبهة اللبنانية.

وهكذا تحولت المعركة من محاولة الحزب إدارة الاستنزاف إلى سباق حول من يستطيع نقل الاستنزاف إلى بنية الآخر. في البداية، فرضت جبهة الإسناد كلفة على الشمال الإسرائيلي والجاهزية والاقتصاد والروتين المجتمعي. لكن في العام 2024، رفعت “إسرائيل” قدرة الاستهداف باتجاه القيادة والاتصالات والبنية الصاروخية. عندما يقتنع طرف بأنه يستطيع رفع مستوى القوة أسرع مما يستطيع خصمه إعادة تثبيت القاعدة، تبدأ الهيمنة على التصعيد بالتحول لمصلحته. وهذا لا يساوي بالضرورة نصراً سياسياً نهائياً، لكنه يعني أن الخوف من الرد المقابل لم يعد يقيّد القرار كما كان يفعل سابقاً.

خاتمة

طوّر حزب الله في ظل القيادة المديدة للسيد حسن نصرالله نموذجاً للردع اللامتماثل هدفه إدارة حرية استخدام القوة الإسرائيلية أكثر من مضاهاة قوتها. بدأ النموذج من ربط استهداف المدنيين بالكاتيوشا، ثم أضاف عناصر الزمن والاستنزاف وقواعد اللعبة، وبعد 2006 أصبح نظام الردع أكثر اكتمالاً وضم طبقات مرتبطة بالبقاء ومنع الحسم والعقاب والاتصال الاستراتيجي والغموض المعاير والقدرة الهجومية المحدودة والدقة والعمق الإقليمي. وقد سمح هذا التركيب للطرف الأضعف بتحويل قدرات تكتيكية وعملياتية إلى آثار استراتيجية. لقد نجح هذا النظام على مدى 18 عامًا في جلب الأمن والاستقرار للبنان، وهو نجاح باهر لا ينفيه وصوله إلى نهاية صلاحيته عام 2024 لأن الردع مسألة متغيرة وهو تغيّر لا يظهر إلا عند الاختبار الفعلي.

فالردع ليس حالة ثابتة، وقوة نظام ردع حزب الله الأساسية كانت في التعلم المستمر، وهذه القوة نفسها دفعت الكيان الإسرائيلي إلى تعلم مضاد استهدف شروط النموذج: خفض هشاشة الجبهة الداخلية، والالتفاف على المظلة اللبنانية عبر سوريا، وتعطيل الدقة والأنفاق، وبناء قدرة استخبارية ونارية تستهدف القيادة والسيطرة والقدرة القابلة للاستخدام والتخطيط الممنهج للحملات الإدراكية. لذلك يحمل الهدوء الناتج عن الردع بذور تآكله، فقواعد اللعبة تُقلل سوء الحساب لكنها تكشف السقوف، والهدوء يثبت الردع لكنه يمنح الطرفين وقتاً للاستعداد للجولة التالية. وإذا كان العدو في هذه المرحلة قد جعل الزمن في صالحه، فإن الأمور لم تكن كذلك في اختبارات عديدة منذ العام 1982.

وعليه، تكشف دراسة نموذج الردع الذي قاده السيد نصرالله أن الردع اللامتماثل لا يتطلب تعادل القوة؛ يكفي أن يجعل الطرف الأضعف استخدام التفوق أكثر كلفة وأقل قابلية للتحويل إلى نتيجة سياسية. لكنه يظل علاقة ديناميكية تحتاج إلى تحديث دائم. كل افتراض ناجح عن الخصم – حساسيته للخسائر، حاجته إلى حرب قصيرة، مقدار انقسامه أو استعداده لتحمّل الضغط – يجب أن يبقى فرضية قابلة للمراجعة.

المعادلات التي أطلقها السيد نصرالله بعد العام 2006، كانت أمرًا واقعًا في لحظة إعلانها ودليل ذلك نجاحها في حفظ الردع لسنوات طويلة وكذلك الإقرار الإسرائيلي بنوعية وكمية القدرات المستهدفة التي كانت لدى حزب الله. إذًا ترتبط المعادلات بظرف وقدرة محدّدين وليست أمرًا ساكنًا، ولذلك يرتبط تقدير صدقية المعادلات بالنطاق الزمني للإعلان عنها. وفي حروب اليوم يصبح هذا النطاق أقصر نتيجة التسارع الهائل في الابتكار والتكيف العسكري الذي صار يقاس بالأيام. وعليه، فإن المعادلات التي حققها الحزب في الحرب عام 2024 كانت واقعًا ساهم في استقرار مديد قبل أن يستهدف العدو القدرة التي بنيت عليها المعادلة أو أن يبتكر ما يعطل فاعلية القدرة.

بالمحصّلة، قاد السيد نصرالله تجربة فريدة في تاريخ حركات التحرر ببناء نظام للردع من حركة مقاومة شعبية في وجه واحد من أفضل جيوش العالم على مستوى التسليح والتنظيم والنيران والتكنولوجيا والدقة والتي يستخدمها دون اكتراث بالقوانين الدولية والمعايير الأخلاقية مرتكبًا الإبادة الجماعية ومحو المكان ونشر الدمار وسائر جرائم الحرب. في مقابل ذلك، نجح السيد نصرالله في قيادة الردع بعد تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وهو ردعٌ حقّق للبنان 18 عامًا من الأمن والسيادة بوجه الكيان الإسرائيلي لم يشهد مثلها منذ احتلال فلسطين عام 1948.

(*) راجع الجزء الأول من هذه الدراسة بعنوان: “السيد حسن نصرالله ونظام الردع اللامتماثل.. البنية، التكيف والإسناد”

(**) هذه الدراسة نُشرت ضمن كتاب “النموذج التحرري ومواجهة الهيمنة عند الشهيد السيد حسن نصرالله”، الصادر عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق (2026). 

المصادر والمراجع:

[1] Jean-Loup Samaan, From War to Deterrence? Israel-Hezbollah Conflict Since 2006. Strategic Studies Institute, U.S. Army War College, 2014. International Crisis Group. Drums of War: Israel and the Axis of Resistance. Middle East Report No. 97, 2 August 2010.

[2] Daniel Sobelman, “Hezbollah’s Coercion and the Israel-Lebanon Maritime Deal.” Middle East Policy, 2023.

[3] United Nations Secretary-General. Report on the Implementation of Security Council Resolution 1701, S/2022/858, 2022.

[4] Marcus, 2018.

[5] Blake Hounshell, “Hezbollah Leader Praises Israel.” Foreign Policy, 4 May 2007.

[6] Omer Einav, “From Gaza to Lebanon: Following Operation Protective Edge.” INSS Insight No. 608, 22 September 2014.

[7] Moshe Albo, et al. “Learning and Change in Hezbollah: On the Way to a New Operational Concept?” Dado Center for Interdisciplinary Military Studies, Israel Defense Forces, 2021 [Hebrew].

[8] Shmuel Bar, “Deterring Nonstate Terrorist Groups: The Case of Hizballah.” Comparative Strategy 26, no. 5 (2007): 469–493.

[9] Amos Malka, “Israel and Asymmetrical Deterrence.” Comparative Strategy 27, no. 1 (2008): 1–19.

[10] Yoram Schweitzer, Orna Mizrahi, and Anat Shapira. “The Development of Hezbollah’s Deterrence Strategy Toward Israel.” Strategic Assessment, INSS, August 2023.

[11] Adham Saouli, “Identity, Anxiety, and War: Hezbollah and the Gaza Tragedy.” AlMuntaqa 7, no. 1 (2024): 99–114.

[12] International Crisis Group. CrisisWatch: Lebanon entries, February and August 2024.

[13] علي حسن خليل، لظى: حكاية حرب لم تنته 2023- 2025، دار هاشم، ص: 81 – 82

Print Friendly, PDF & Email
حسام مطر

باحث وأكاديمي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "مصيدة توكيديدس" أو "الحرب الحتمية" عالمياً!