مشروع تعديل الحكومة يسقط.. ماذا عن “الإنقلاب”؟

لمناسبة مرور مائة يوم على نيل حكومة حسان دياب ثقة مجلس النواب، إنبرى شريط تلفزيوني، مصدره السراي الكبير، عُمّم على وسائل التواصل الإجتماعي، عنوانه "صرخة وطن"، وتتكرر في ثوانيه الخمسين صورة شخصيتين راهنتين: رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب وقائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون. فهل يمكن أن تكون للشريط "قصة إخراجية" أبعد؟

أوكل رئيس الحكومة حسان دياب، عشية المئة يوم على ولادة وزارته، إلى إحدى الشركات أن تعمل على صورته بالدرجة الأولى. وردت إليه ملاحظات كثيرة تتصل بالكادر. طريقة الإلقاء. النظارات. الجمل القصيرة أو السريعة. البدلة المقفلة الأزرار. المشي في المناسبات. المصافحات. الإطلالات الإعلامية. الخطاب. التواطؤ مع الكاميرا الثابتة والمتحركة. إيماءات الوجه ولا سيما العيون. الصوت متى يعلو ومتى ينخفض.. وغيرها من التفاصيل التي تتقنها هذه الشركات.

جاء الشريط التلفزيوني، في هذا السياق. لو دقّقنا في مضمون وشكل بدايته ونهايته فقط، لقلنا إنه من صنع أهل الحراك لا رئاسة الحكومة. حشود في الساحات وأعلام لبنانية، حتى عنوان البداية “صرخة وطن” يشي بذلك أيضاً، ثم تأتي العبارة الثانية “الحراك مطالب محقة”.. وتكر سبحة الثنائية المتلازمة: حسان دياب وجوزف عون.

حتماً ليس قائد الجيش من يستعين بصورة رئاسة الحكومة. لا هو فعلها في الماضي، ولا هو بوارد فعلها الآن وربما مستقبلاً. يقيم جوزف عون على رصيدين؛ شخصي وتاريخي؛ ومعهما رصيد دولي درجت العادة أن يجيّره الغرب وتحديداً الولايات المتحدة لكل من إحتل هذا الموقع منذ إميل لحود في مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى جوزف عون مروراً بكل من ميشال سليمان وجان قهوجي. يرفد هذا الرصيد الدولي، رصيد عربي، وتحديداً سعودي وسوري ومصري، ورصيد محلي، ركيزته العلاقة الجيدة مع حزب الله.

درجت العادة أن يحتاج رئيس حكومة لبنان إلى أرصدة محلية وعربية ودولية، حجر زاويتها مشروعية لا تتأتى سوى من مصدر سني واحد: المملكة العربية السعودية. يحور ويدور كل من يأتي إلى الرئاسة الثالثة، وتبقى عينه مفتوحة على اللحظة التي تأتي فيها رسالة الديوان الملكي: حُدّد الموعد لدولتك مع ولي الأمر وولي العهد.

في زمن كورونا، لم تجد هذه الحكومة عاصمة واحدة تستقبل رئيسها. طبعاً هو لا يجرؤ على تدشين سيرته الخارجية من دمشق أو طهران ولا أحد يحثّه على ذلك، على الأرجح. حتى مصر، التي قيل إنها “متشوقة” له، تبين أنها ليست في وارد الزيارة (لعل بغداد تعوّض عن ذلك قريباً). أما السعودية، فلا هي تسأل عن سعد الحريري ولا عن حسان دياب. عقلها في مكان آخر ولبنان ليس في حساباتها ولا على جدول أعمالها حتى إشعار آخر. فلتكن صولات وجولات مع السفراء والقناصل المحليين.. ولكن لا بد من “الصورة”.

ندر أن يستعين رئيس الوزراء السني بصورة قائد الجيش الماروني. إحتمى نجيب ميقاتي بصورة ضابطين سنيين هما اللواء أشرف ريفي والراحل وسام الحسن، وجعلهما يحتميان به أيضاً. برغم ما قيل بأنه “رئيس حكومة القمصان السود”، تصدى لكل محاولات فريق الثامن من آذار/مارس لتعيين ضابطين بديلين لهما. يسري ذلك على مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان اليوم. سعد الحريري يشكل مرجعية هذا الأخير، وليس رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة.

مثلاُ، كان بمقدور حسان دياب أن يحتمي بصورة عماد عثمان أو صورة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، لكنه إختار صورة اليرزة. هو الذي زار، في 24 نيسان/ابريل قائد الجيش جوزف عون وسط إحتفالية لافتة للإنتباه وخطاب تقديم أوراق إعتماد للمؤسسة العسكرية في قاعة العماد نجيم.

كل محاولات تفاهم دياب مع رئيس التيار الوطني الحر، بيّنت له أنه على تماس مع حالة من “الفجع السياسي المزمن”. الرجل لا يشبع سياسياً. هو يردّد تلك العبارة ولا أحد ينسبها إليه زوراً. تراكمت الملفات، وكان آخرها ملف معمل سلعاتا

كلُّ ذلكَ، وحسان دياب يبحث عن حاضنة. جرّب أن يحتمي بصورة رئيس الوزراء الأسبق سليم الحص، لكن المقارنة ظالمة وشتّان ما بين الإثنين. جرّب صياغة علاقة سوية مع رئيس الجمهورية ميشال عون، لكنه إكتشف، كما من أتى من قبله أن جبران باسيل هو الممر الإلزامي إلى قلب سيد بعبدا وعقله. كل محاولات تفاهمه مع رئيس التيار الوطني الحر، بيّنت له أنه على تماس مع حالة من “الفجع السياسي المزمن”. الرجل لا يشبع سياسياً. هو يردّد تلك العبارة ولا أحد ينسبها إليه زوراً. تراكمت الملفات، وكان آخرها ملف معمل سلعاتا.

لم يعد دياب قادراً على التنازل أكثر. صورته وهيبته لا بل هيبة مؤسسة رئاسة الحكومة التي ينبغي أن يحميها ويحصّنها صارت مستهدفة. دار الفتوى ونادي رؤساء الحكومات ينتظرون منه فقط أن يقع في “كمين الطائف والصلاحيات” حتى يقولوا له “يا غيرة الدين”. صارح عدد من المقربين بأن إستعانة رئيس الجمهورية بالمادة 56 من الدستور لإعادة طرح ملف الكهرباء (سلعاتا)، والطلب من مجلس الوزراء أن يعيد النظر بقراره في جلسة يوم الجمعة المقبل، قد يؤدي إلى إحراجه ومن ثم إخراجه (ضمناً التلويح بالإستقالة). وهو صارح رئيس المجلس أن يساعده في إيجاد المخرج الذي يحفظ الحكومة بدلاً من “الجرصة” التي ستضر بالسمعة دولياً.

في هذا السياق (“السلعاتي”)، كان لافتاً للإنتباه أن البعض راح يهمس بإمكان تعديل الحكومة. مصدر الهمس أتي من مطرحين أساسيين لا ثالث لهما: القصر الجمهوري والسراي الكبير. من جهة، بدا جبران باسيل حانقاً على أداء فريقه الوزاري “كهربائياً”، وبالتالي، لم يتردد في طرح إمكان تبديل عدد من الوزراء الحاليين من فريقه بوزراء سياسيين (تردد أنه طرح إسمه لكن المقربين من القصر الجمهوري نفوا ذلك جملةً وتفصيلاً).

ومن جهة مقابلة، تبدت الرغبة نفسها عند حسان دياب، ولا سيما لجهة تطعيم الحكومة بعدد من الوزراء الضباط أو أصحاب الإختصاص، وذلك من أجل إعادة تزخيم صورتها شعبياً وإحداث صدمة إيجابية لدى الرأي العام.

تردد أن البعض جسّ نبض رئيس مجلس النواب، علماً أنه كان ـ قبيل ولادة حكومة دياب ـ من أكبر المتحفظين والرافضين لفكرة التكنوقراط، إذا لم تكن مطعمة بحصة وازنة من الوزراء السياسيين، لكنه رفض تغطية أي تعديل حالياً، سواء أكان يتصل بحصته في الحكومة أو يتعلق بالمبدأ نفسه (التعديل).

سقط مشروع التعديل الوزاري قبل أن يُولد، لكن الحكومة نفسها تبدو مهددة. كل معطيات الشارع اللبناني تشي بأن الحراك سيتجدد في الأسابيع المقبلة، وأن الناس ستكسر محظور الكورونا وتنزل إلى الشوارع، لأن معطيات الفقر والجوع لن تجعل جمهوراً كبيراً ينتظر وصفات صندوق النقد التي ستدشن مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد، خصوصاً وأن قضية تحرير سعر صرف الليرة تشكل حجر الزاوية في قبول أو عدم قبول لبنان ضمن “البرنامج”. التحرير سيعني أن كل محاولات تهدئة الأسواق المالية حتى الآن، ستصبح من الماضي.

ماذا يعني تعميم شريط “صرخة وطن” في هذا السياق؟

لا تملك قيادة الجيش إلا أن تبدي إنزعاجها من “المخرج السياسي” الذي يريد إستثمار رصيد المؤسسة العسكرية محلياً (شعبياً) وخارجياً، وهي “نقزت” من محاولات إقحامها في آتون الإشتباك السياسي سواء بين مكونات الحكومة الحالية نفسها أو بين الحكومة والشارع الذي لم يقتنع بكل إنجازات أول مئة يوم!

لعل الصورة التي يريد تقديمها حسان دياب أنه مستعد للشراكة مع المؤسسة العسكرية في إنقلاب يطيح بحكومته ويأتي بحكومة من نوع آخر: حكومة عسكريين برئاسته. حكومة تكنوقراط جديدة. حكومة تكنوقراط مدعمة بوجوه سياسية جديدة إلخ..

من حق رئيس الحكومة أن يستثمر في السياسة. أن يسعى للتمسك بمنصبه. أن يزيل العقبات التي تعترض طريق حكومته. أن يقطع الطريق على نادي رؤساء الحكومات. أن يسابق الوقت حتى لا تأتي موجة حراك جديدة تطيح به في الشارع. لكن الأكيد أن موسم الإنقلابات في لبنان، يحتاج إلى شروط وظروف لا يبدو أنها متوفرة الآن، ولا هي قابلة للتوفير، في ظل موازين القوى الحالية.

لننتظر جلسة يوم الجمعة المقبل. راقبوا معمل سلعاتا جيداً.. وما بعد بعد سلعاتا.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course