“الموساد” و”فوبيا” برنامج مصر الصاروخي.. مطاردة الألمان (12)!
David Ben Gurion, Chairman of the Executive Committee of the Jewish Agency in Palestine and later the first Prime Minister of Isreal, seen on the S.S. Berengaria on his return to America after attending the conference held in Geneva, Switzerland concerning proposed partition of Palestine.

يكشف الصحافي الاسرائيلي رونين بيرغمان في كتابه "إنهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية" أن رئيس "الموساد" إيسر هاريل" أصيب بهوس أو "فوبيا" البرنامج الصاروخي المصري، فحاول أن يقتل علماء وخبراء ألمان جدد، غير أن معظم محاولاته فشلت، حتى كان قرار إستقالته الذي وافق عليه رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون!

بعد نجاح عملية اختطاف العالم الالماني “هانس كراغ” من ميونيخ ونقله الى تل ابيب حيث جرى التحقيق معه لأشهر عديدة في قضية البرنامج الصاروخي المصري، امر رئيس الموساد “ايسر هاريل” بنقله الى إحدى ضواحي تل ابيب وقتله، ومن هناك نقلت طائرة عسكرية جثته ورمتها في عرض البحر.

شجّع نجاح هذه العملية رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون على اعطاء الضوء الاخضر للمزيد من عمليات الاغتيال، فسمح للمخابرات العسكرية (“امان”) بإستخدام الوحدة 188 التي تضم جنود نخبة يتم زرعهم في قلب دول “الاعداء”، بغطاء من المعلومات الكاذبة يقدمونها عن سيرهم ووظائفهم، وكان مقر هذه الوحدة في مجمع “سارونا” غير البعيد عن مكتب بن غوريون في تل ابيب ولديها منشآت تدريب خاصة بها على الشاطىء شمال تل ابيب بالقرب من مختبرات “ناتان روتبيرغ” العسكرية التي تعد المتفجرات للعمليات الخاصة.

لم يقتنع اللواء “مائير اميت” رئيس المخابرات العسكرية (“امان”) بان العلماء الالمان يشكلون خطرا مصيريا على “اسرائيل” كما كان يعتقد “إيسر هاريل”، ولكن نظراً للتنافس المهني بين “الموساد” وبين “الوحدة 188” التي كانت تحت أمرته، سمح “اميت” لتلك الوحدة “بالتصرف” ضد العلماء الالمان. وهكذا حصلت المنافسة بين الجهازين حول من يقتل اكثر، كما يقول الكاتب والصحافي رونين بيرغمان.

في ذلك الوقت، كان لدى “الوحدة 188” عميل سري في مصر يتمتع بغطاء كبير، كان اسمه “وولفغانغ لوتز” وهو ابن رجل طيب القلب وأم يهودية ويتمتع بمظهر الماني واضح ولم يكن مختوناً (كان الختان يشكل حينذاك علامة فارقة على ان المختون اما يهوديا او مسلما، يعني كان باستطاعة هذا العميل ان يقول انه ليس يهودياً). وكان يزعم وفق القصة ـ الغطاء انه كان احد ضباط الجنرال النازي رومل في الجيش الذي غزا به افريقيا وبعد هزيمة المانيا تحول لتربية الخيل وعاد الى مصر حيث انشأ مزرعة للخيول.

خلال وقت قصير، تمكن “وولفغانغ لوتز” الذي كان بارعا في التمثيل من مخالطة المجتمع الالماني في القاهرة، واستطاع الحصول على الكثير من المعلومات عن البرنامج الصاروخي المصري وعن العاملين فيه لكنه لم ينخرط في اية عملية تصفية لاي منهم خوفا من انكشافه، فقرر قائد “الوحدة 188” المدعو “يوسف ياريف” ان افضل الطرق لتنفيذ عمليات القتل هي اللجوء الى الرسائل والهدايا المفخخة، فامر مختبرات “ناتان روتبيرغ” بتحضير القنابل والمفخخات المطلوبة، وبينها قنابل من ورق رقيق يستخدم للكتابة.

يعزو رونين بيرغمان الفضل في تقنية التفخيخ الحديثة إلى التعاون الذي جرى مع الاستخبارات الفرنسية حيث تم تبادل المعلومات معها بشأن التفخيخ والمتفجرات بمعلومات كان ينقلها “لوتز” عن نشطاء جبهة التحرير الوطني الجزائرية المقيمين في القاهرة. كما ساعدت “الوحدة 188” الاستخبارات الفرنسية بنقل عبوات ناسفة الى القاهرة لقتل ناشطين في جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

يقول بيرغمان ان اول اهداف الرسائل المفخخة كان الالماني “الوايس برونر” الذي كان يقيم منذ ثماني سنوات في دمشق ويدرب الاستخبارات السورية على تقنيات التحقيق كونه خدم خلال الحرب العالمية الثانية نائبا لـ”ادولف ايخمان” قائد احد معسكرات التعذيب النازية في فرنسا. من تولى الكشف عن هوية “برونر” في دمشق، هو احد كبار عملاء “الوحدة 188” العميل الشهير “ايلي كوهين” الذي كان على صلة مباشرة وعلاقات جيدة مع نخبة المسؤولين في المؤسسة العسكرية السورية. وبعد موافقة بن غوريون على قتل “برونر”، ارسل قائد “الوحدة 188” (“يوسف ياريف”) اولى الرسائل المفخخة التي اعدتها “مختبرات روتبيرغ” الى الهدف المحدد، وفي 13 سبتمبر/ايلول عام 1962، انفجرت الرسالة بين ايدي “برونر” في دمشق، فتسببت باصابات بالغة في وجهه وخسر عينه اليسرى لكنه بقي على قيد الحياة!

كان من الصعب جدا استخدام طريقة الرسائل البريدية مع العلماء الالمان لانهم ما كانوا يستلمون رسائلهم بأنفسهم، فقد كانت الاستخبارات المصرية تجمع كل الرسائل المرسلة من البرنامج الصاروخي المصري في مكاتب شركة مصر للطيران في زيوريخ

شجعت هذه العملية عناصر “الوحدة 188” على قتل العلماء الالمان بالطريقة نفسها، لكن وبحكم المنافسة المهنية بينهم وبين “الموساد”، اعترض”ايسر هاريل” رئيس “الموساد” على استخدام هذه الطريقة، وبرر اعتراضه بالقول “انا ارفض اي عمل لا يمكنني ان اسيطر عليه، ماذا لو فتح ساعي البريد الرسالة او ماذا لو فتحها احد الاولاد؟ من يفعل امورا كهذه؟”

كان من الصعب جدا استخدام طريقة الرسائل البريدية مع العلماء الالمان لانهم ما كانوا يستلمون رسائلهم بأنفسهم، فقد كانت الاستخبارات المصرية تجمع كل الرسائل المرسلة من البرنامج الصاروخي المصري في مكاتب شركة مصر للطيران في زيوريخ. لذلك تقرر اقتحام مكاتب شركة الطيران ليلا وزرع الرسائل المفخخة في البريد المرسل من القاهرة.

اختارت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العالم “بيلتز” حتى يكون اول اهدافها. من خلال المعلومات المجمعة عنه، تبين انه كان يريد الزواج من مساعدته “هانلور ويندي”، ومن اجل ذلك، كان في خضم عملية طلاق زوجته التي كانت تعيش في برلين، والتي كانت كلفت محاميها في هامبورغ لمتابعة معاملات الطلاق. لذلك، فقد حملت الرسالة المفخخة اسم وعنوان المحامي في هامبورغ على اعتبار ان هكذا رسالة شخصية لن يفتحها أحد إلا “بيتلز” (رسالة من مطلقته عبر محاميه)، ولكن المخططين اخطأوا في تقديرهم لان من استلم الرسالة كانت صديقته (في المكتب) “ويندي”، وباعتبار ان الرسالة ستترك بالغ الاثر على حياتها الشخصية، فقد بادرت الى فتحها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، فانفجرت بين يديها لتتسبب لها بخسارة العديد من اسنانها واحدى عينيها وتضرر الثانية، فيما نجا “بيتلز” من الإستهداف.

على الفور، بادرت المخابرات المصرية، الى جمع كل الرسائل وعرضتها على الاشعة السينية وعملت بمساعدة المخابرات السوفياتية على تفكيك تلك الرسائل المفخخة. تسببت تلك العملية بحالة من الهلع عند العلماء الالمان وعائلاتهم لكن ليس إلى درجة التخلي عن عملهم وما يؤمنه لهم من مدخول سخي، فيما قامت المخابرات المصرية باستخدام ضابط استخبارات الماني سابق اسمه “ادولف هيرمان فالنتاين” الذي بادر على الفور الى تغيير كل اقفال ابواب شركة الطيران المصرية في زيوريخ وتأمين عمليات تسليم البريد والتحقق من خلفيات بعض العاملين في البرنامج الصاروخي المصري.

يقول رونين بيرغمان ان الهدف التالي على لائحة القتل التي اعدها رئيس الموساد “ايسر هاريل” كان العالم الالماني الدكتور “هانس كلاينووتشر” ومختبره في بلدة “لورش” الالمانية، ولهذه الغاية، ارسل “هاريل” رجاله من احدى وحدات “الشين بيت” العاملة تحت قيادته من تل أبيب الى اوروبا بتوجيهات واضحة بضرورة خطف “كلاينووتشر” والمجيء به الى تل ابيب وان تعذر ذلك فليقتل حيث هو. واقام “هاريل” مقر قيادته الشخصية للعملية في مدينة “مولهاوس” الفرنسية.

ويقول رافي ايتان الذي اصبح لاحقا رئيسا لـ”الموساد” ان الطقس “كان باردا جدا في ذلك الحين وكانت الحرارة تقارب العشرين تحت الصفر وكان عملاؤنا متعبين من ملاحقة العلماء الالمان وتجميع المعلومات عنهم، فقلت لهاريل ان الظروف غير ناضجة لتنفيذ العملية واذا أعطيتني مهلة شهر، سأنفذ العملية من دون ان يعلم احد اني كنت في المنطقة حتى”. لكن “هاريل” لم يصغ لضابطه واصر على مواصلة العملية، فاعاد عملاء “الشين بيت” الى تل ابيب واستدعى وحدة “ميفراتز” للاغتيال التي كان يقودها اسحاق شامير (اصبح لاحقا رئيس وزراء “اسرائيل”). ولكن ما لم يعلمه “هاريل” هو ان تقديرات “فالنتاين” كانت ان “كلاينووتشر” سيكون الهدف التالي لجهاز “الموساد”، فزوّده بالاضافة الى مسدس حربي مصري بمرافقة دائمة وببعض التعليمات حول كيفية التصرف.

يواصل بيرغمان سرده قائلا انه في 20 فبراير/شباط رأى عملاء “الموساد” الدكتور “كلاينووتشر” يغادر مدينة “لورش” وحيدا الى مدينة “بازيل”، فتقرر ان تكون عملية الاغتيال في طريق عودته وتولى قيادة العملية في الميدان كل من “شامير” و”هاريل” وكلفا احد القتلة المعروفين في منظمة “ارغون” الصهيونية المتطرفة “اكيفا كوهين” باطلاق النار على “كلاينووتشر” بمساعدة “زفي اهاروني” الذي كان يجيد اللغة الالمانية. انتظر القتلة هدفهم حتى يعود من رحلته، لكنه تأخر كثيراً ولم يظهر، فقرر “شامير” و”هاريل” الغاء العملية وبعد اصدارهم الامر بذلك، ظهر “كلاينووتشر”، فقررا سحب الامر بالغاء العملية، فتحولت العملية برمتها “إلى عمل مبتدئين”، كما يقول بيرغمان، اذ قام القتلة باعتراض سيارة الهدف ولكن طريقة وقوف سيارتهم كانت تمنعهم من العودة الى طريق الهرب باتجاه السيارة التي كانت تنتظرهم.. والاسوأ انه عندما توجه “اهاروني” شاهراً مسدسه الى سيارة الهدف واطلق الطلقة الاولى تعطل المسدس معه ولم تصب الطلقة سوى الشال الذي كان يرتديه “كلاينووتشر”، ما اتاح للاخير ان يشهر مسدسه ويطارد القتلة الذين لم يصب احد منهم بالنيران ولكن فشلت العملية فشلا ذريعا ومحرجا للاستخبارات الاسرائيلية.

قال  بن غوريون لهاريل ان مهمتك هي تنفيذ سياسة الحكومة لا صناعتها، فرد هاريل بعرض استقالته ظناً منه ان الرئيس العجوز لا يستطيع الاستغناء عنه لكن الاخير سرعان ما وافق عليها

يقول بيرغمان ان “هاريل” لجأ بعد هذه العملية الفاشلة الى القيام بعدد من الاعمال التي هدفت الى بث الذعر في قلوب العلماء الالمان وعائلاتهم بما في ذلك ارسال رسائل تهديد لهم تتضمن معلومات عن حياتهم، كما ارسال زوار الليل الخفيين الذين يطرقون الباب ويهربون فقط من أجل توجيه رسائل التهديد، وحتى هذه العمليات فشلت ايضا بعدما القت الشرطة السويسرية القبض على احد عملاء الموساد “جوزيف بن جال” اثر تهديده ابنة العالم “البروفسور غورسكي”، فابعدت “بن جال” الى المانيا حيث حوكم وسجن لفترة قصيرة وقد ظهر خلال المحاكمة ” ادولف هيرمان فالنتاين” (الضابط الألماني السابق الذي جندته المخابرات المصرية) بابتسامة لئيمة على وجهه من دون ان يخفي المسدس الذي كان يحمله داخل القاعة.

ويضيف بيرغمان انه في ربيع العام 1963 وبعد سلسلة اخفاقات ميدانية لـ”الموساد”، لم يهدأ “هاريل” ولم يتوقف البرنامج الصاروخي المصري، فانتقل هاريل الى عملية تسريب قصص مفبركة الى الصحافة وتوجها بقصة عن مساعدة يقدمها الالمان لمصر لانتاج قنابل ذرية واخرى تعمل باشعة الليزر لابادة اليهود، وكانت السلطات الالمانية تعرف بدور العلماء الالمان في تطوير البرنامج الصاورخي المصري وحدوده وكانت تعتبر ان العلماء الالمان الذين اعتادوا حياة البذخ ابان الحكم النازي وجدوا انفسهم عاطلين عن العمل بعد انتهاء الحرب الثانية، فاخذوا يعملون لدى المصريين لكي يجنوا المال السهل. لكن “هاريل” كان قد اصبح في حالة من الهوس جر اليها ليس فقط “الموساد” بل البلاد كلها. فاخذ ينشر معلومات عن الالمان في القاهرة، علماء وغير علماء، لكي يستفز المانيا الغربية التي كانت قد عقدت عدة اتفاقيات مع “اسرائيل” لتعويضها عما لحق باليهود ابان الحرب العالمية الثانية، لكن كل ذلك لم يقنع الصقور في الادارة “الاسرائيلية” من امثال “هاريل” و”غولدا مائير” على ان المانيا النازية قد إنتهت.. وثمة المانيا جديدة ومختلفة تماماً.

وصل الامر بـ”هاريل” ان استدعى رؤساء تحرير الصحف الذين كانوا يمارسون الرقابة الذاتية على ما ينشرون، بامر من الحكومة، وطلب منهم تسمية ثلاثة صحافيين للعمل معه، وقد جندهم في الموساد وارسلهم الى اوروبا على حساب “الموساد” لجمع معلومات عن الشركات التي تشكل واجهة لشراء معدات مهمة للبرنامج الصاروخي المصري، وحقيقة الامر ان “هاريل” كان يزود هؤلاء الصحافيين بالمعلومات التي يود ان ينشرها ولكن على قاعدة القول انها تحقيقات من صناعة هؤلاء الصحافيين. وقد تسببت قصص “هاريل” بحالة من الذعر في “اسرائيل”، ما حدا بديفيد بن غوريون للعمل على تهدئته بلا جدوى، وينقل بيرغمان عن “اموس مانور” رئيس جهاز “الشين بيت” قوله “لقد بلغ الامر بهاريل اكثر من الهوس الى درجة بات من المستحيل ان تجري اي نقاش عقلاني معه حيال الموضوع”.

 ويقول بيرغمان إنه كما في كل حالات الهوس، انتهت حالة “هاريل” بتدميره، فقد وصل به الامر الى ان القصص التي بدأت تظهر في الصحف تتحدث عن عودة النزعة الهتلرية عبر مصر وبرنامجها الصاروخي والذري ما ادى الى اصابة بن غوريون باذى شديد وانطلقت ضده حملات سياسية تتهمه بالتقصير في مواجهة خطر العلماء الالمان في مصر الذين لم تفعل المانيا الغربية شيئا لمنع خطرهم ايضا.

ويضيف بيرغمان انه في 25 مارس/اذار عام 1963، استدعى “بن غوريون” “هاريل” الى مكتبه وطلب منه توضيح ما يتسرب في وسائل الاعلام المحلية والعالمية من دون موافقته وتحولت المناقشة بين الرجلين الى صراخ عال حول سياسة الحكومة “الاسرائيلية” إزاء المانيا الغربية، و”قال  بن غوريون لهاريل ان مهمتك هي تنفيذ سياسة الحكومة لا صناعتها، فرد هاريل بعرض استقالته ظناً منه ان الرئيس العجوز لا يستطيع الاستغناء عنه لكن الاخير سرعان ما وافق عليها”.

ويختم بيرغمان بالقول لقد انتهت مهنة “ايسر هاريل” الذي كان لامعا في فترة ما وانتهى بالفشل الذريع والهزيمة المدوية ليحل محله في رئاسة الموساد “مائير اميت” رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية “امان”.

(*) في الحلقة المقبلة .. لعنة العلماء الالمان تلاحق الموساد في مرحلة التحضير لحرب العام 1967

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course