في حضرة الوحدة.. يوم فاضت دمشق بعبد الناصر

من بيروت وحتى دمشق، كانت مواكب السيارات، صغيرة ومتوسطة، وحافلات وشاحنات مزدحمة بالذاهبين إلى «الوحدة»، وهم يهزجون أغنياتها، وبعضهم يرفع صوته حداءً بالصوت العريض النابض بفرحٍ يخالطه الشجن. كان يبدو وكأن بعض لبنان ينتقل برجاله، والكثير من النساء والفتيات والصبايا، إلى عاصمة الأمويين لكي يكحّلوا عيونهم برؤية الزعيم العربي الكبير جمال عبد الناصر.

قادنا بردى حتى ساحة الأمويين، وكان ضرورياً أن يستعين رئيس تحرير “الحوادث” سليم اللوزي بضابط من الشرطة العسكرية السورية كي يفتح لنا الطريق في اتجاه قصر الضيافة، القائم بعدُ في مكانه، وإن اختلفت معالم العمران من حوله.

أوقِفت السيارات في بعض أنحاء «أبو رمانة»، وتقدمنا الضابط يحاول أن يفتح لنا معبراً في قلب بحر البشر الذي يتبدّى بلا ضفاف: على السطوح، على الشرفات، فوق الأشجار وأعمدة الهاتف، وملء الشوارع المحيطة بذلك القصر، وكامل ساحة المرجة، والمساحة التي سيقام عليها لاحقاً معرض دمشق الدولي.

لم تكن دمشق قد توسّعت ملتهمة إحدى الغوطتين، ولم تكن المزة إلا ضاحيةً لصغار الكسبة والموظفين، وفي مكانٍ متوسط من تلك التلة التي يشغل القصر الجمهوري الآن قمّتها، كان يقوم سجن المزة الشهير… ولقد فاض بحر البشر حتى بلغها، كما تسلّق قاسيون، الذي لم يكن الفقراء من شاغليه قد ارتقوا ليعلّقوا بيوتهم في أعلاه، مستولدين مجموعة من القرى المتداخلة التي نبتت من قلب صخوره.

نادى الضابط بعض رفاقه: وفد رسمي، افتحوا له الطريق.

وجاء ضابط آخر وثلاثة من الجنود، فتقدمونا يشقّون لنا معبراً إلى حرم قصر الضيافة، حيث كان يقوم «سور» من الشرطة العسكرية، يحاول جنوده جاهدين أن يمنعوا بحر البشر من الاندفاع إلى داخل القصر المتواضع، الذي صار أخطر معالم دمشق بعد إعلان الوحدة وقدوم جمال عبد الناصر ليحلّ فيه رئيساً للدولة الوليدة، وليس مجرد زائر عظيم لعاصمة الأمويين.

سحر عبد الناصر

كان جمال عبد الناصر على الشرفة يلقي واحداً من خطبه. بدا وجهه أكثر سمرة، ربما لأنه كان محتدّاً في تلك اللحظة، وهو يردّ على محاولة سرقة إنجازات الثورة في مصر التي حاول عبد الكريم قاسم أن ينسبها إلى نفسه.

ما زالت أولى الكلمات التي سمعها الفتى (طلال سلمان) من بطل الوحدة ترنّ في أذنيه حتى الساعة: «وما كانش فاضل إلا أن يقول إنه هو من أمّم قناة السويس..». بدا عبد الناصر بعينيه المشعتين أعظم سحراً من صوره.

عبد الناصر يخطب بجماهير دمشق

عند السور، ومن خلال الازدحام الهائل، برزت فتاة عظيمة الإرادة، تخطّت طابور الحرس وتسلّقت قضبان حديد السور، بينما رجال الشرطة العسكرية يحاولون الإمساك بها. ووسط دهشتهم لجرأتها كانت قد اعتلت القضبان وهمّت بأن تلقي نفسها في اتجاه الداخل، ولم يملك الحرس في الداخل إلا أن يشبكوا أذرعتهم لتلقّيها، بينما لمحها عبد الناصر فأشار بأن يُسمح لها بالدخول. وهكذا باتت وكأنها من ضمن وفد «الحوادث». والتفت إليها الفتى فبادرته، قبل أن يسألها: أنا صحافية مثلكم. اسمي امتثال جويدي… وما كنتُ لأُضيّع هذه الفرصة مهما بلغ الثمن!

بعد حينٍ من الزمن سيلتقي الفتى امتثال جويدي وهي تعيش قصة حبها مع الزميل الكبير فؤاد مطر، قبل أن تجد القصة خاتمتها في زواج ناجح إنتاجاً، بالمعنى العائلي كما بالمعنى المهني.

أدخلنا خلف سليم اللوزي إلى صالة الاستقبال التي ليس فيها من معالم الغنى ما يُبهر، لنجد عدداً من القادة السياسيين في لبنان، بينهم «الزعيم الوائلي» الراحل أحمد الأسعد ومعه نجله كامل، والقاضي الذي سيغدو نائباً في ما بعد شفيق مرتضى، وأحد بطلي المالكية معروف سعد (الثاني هو الشهيد النقيب محمد زغيب)، والمحامي القيادي البعثي آنذاك جبران مجدلاني، وآخرون شغل الفتى عن التعرف إليهم لأن سليم اللوزي نهر «وفده» بأن يتجمعوا ليتقدموا للسلام على «الريس».

وانتظم الوفد في القطار الأحادي، وتقدم سليم اللوزي فصافحه جمال عبد الناصر مرحّباً، وهو يعرفه منذ سنوات، ثم وقف إلى جانبه ليقدّم إليه أسرة «الحوادث»: مدير التحرير شفيق الحوت، المحامي جوزف خوري، ثم أحمد شومان الذي استوقفه عبد الناصر ليسأله: أنت فين يا أحمد؟ واستعاد «العميد» في الحزب السوري القومي مصريته ليردّ ضاحكاً وقد فهم السؤال: في «الحوادث» يا فندم! وعاد عبد الناصر يقول: أنا عارف، بس من إمتى؟ وابتسمنا جميعاً، من فهم المغزى ومن لم يفهمه، إلى أن شرح لنا سليم اللوزي أن أحمد شومان حاول، ذات يوم، التوسّط بين حزبه والقيادة في مصر، ثم اكتشف أن النهجين مختلفان تماماً فتوقف عن مسعاه.

عبد الناصر يستقبل كمال جنبلاط

كان واضحاً أن جمال عبد الناصر يعرف أسماء جميع من يكتب في «الحوادث»، حتى رسام الكاريكاتور نيازي جلول، وحتى الفتى الذي كان يكتب «شطحاته» في بريد القراء. ولهذا خصّ «الوفد» بدقائق إضافية، برغم أن عبد الحميد السراج، الذي كان يقدّم له «الضيوف»، قد أشار إليهم أكثر من مرة: «أن اختصروا».

هي دقائق «تفضّل العمر». وعندما فرغ الوفد من سلام الوداع، شدّ الفتى كمّ شفيق الحوت، وحين التفت نحوه قال هامساً: ما رأيك أن نعود لنسلّم عليه مرة أخرى؟ ابتسم شفيق الحوت، وعاد فوقف مع طابور الضيوف، ومعه مساعده الفتى. وحين جاء دورهما للسلام، انتبه عبد الناصر إلى حيلتهما فابتسم لهما، بينما غمز لهما عبد الحميد السراج، بما يعني أن لعبتهما مكشوفة!

إقرأ على موقع 180  حرب أكتوبر، كما يرويها بيرغمان: فائض القوة يهزم "إسرائيل" (32)

حماية عبد الناصر والوحدة وفلسطين

لعبت المصادفة دوراً في أن يمضي وفد «الحوادث» مزيداً من الوقت في دمشق، في منزل صديق لسليم اللوزي أصرّ على دعوتنا «ولو إلى فنجان قهوة». كان المنزل غير بعيد عن قصر الضيافة، ومن على سطحه أمكن لنا أن نطلّ على المشهد الذي لم نكن قد رأينا مثله: البشر في كل مكان، على السطوح، على الشرفات، على أعمدة الهاتف، يسدّون الشوارع والطرقات جميعاً، وبعض الأسر جاءت بحصرٍ وبطانيات وحجزت لها أمكنة على الرصيف لتكون أول من يرى جمال عبد الناصر حين يطلّ من على شرفة القصر، الذي كان الجمهور يراه أضيق من أن يتّسع له.

سمع الوفد حكايات طريفة من أهل البيت عن النساء اللواتي كنّ يطلبن منديل عبد الناصر، وعن اضطرار مكتبه إلى تزويده يومياً بدزينات من المناديل، وعن المحجّبات اللواتي كنّ يكشفن وجوههن ويتقدمن لتقبيله بينما يغمره الخجل، وعن وفود المحافظات الذين يجيئون لمطالبته بزيارة مناطقهم والتعرّف إلى الجهات المختلفة من دولته التي «ستتّسع إن شاء الله للعرب جميعاً».

عبد الناصر يستقبل وفداً كشفياً لبنانياً

قال أحمد شومان إن العيون تلمع ببهجة الأمل، أما جمال عبد الناصر فيغالب مرارته وهو يتلقى حملات الأشقاء العرب الخائفين على عروشهم من طوفان الحماسة، وإن ظلت بغداد هي مصدر الوجع، خصوصاً وأن من تولّوا الأمور في الشارع قد تجاوزوا الحدود في هجومهم على «الفرعون» الجديد، وعلى المصريين «الحشّاشين والكسالى»، وعلى السوريين «الذين يرحبون بكل غازٍ ثم ينقلبون عليه ليرحبوا بمن يجيء بعده فيطرده ويحكمهم».

قال سليم اللوزي، وهو يدير بصره بيننا: هي الحرب. علينا أن نحمي عبد الناصر بالوحدة، وأن نحمي الوحدة بعبد الناصر.

قال شفيق الحوت: بالوحدة وعبد الناصر نحمي عروبة فلسطين.

عدنا سكارى وما نحن بسكارى، وظلت حكاية الرحلة بتفاصيلها مدار أحاديثنا يومياً، خصوصاً وأن «البيك” (منح الصلح) عقد جلسات استماع لكل منا، واستنطقنا فرداً فرداً، وأجرى المقارنات قبل أن يستخلص الأحكام: دولة الوحدة في خطر، فضمانتها الأساسية تتمثل في شخص جمال عبد الناصر، والحملة عليه تستهدف الإيقاع بين المصريين والسوريين عن طريق التركيز على الاختلافات في المزاج وفي درجة الوعي والإيمان بالعروبة، واللعب على نغمة الهيمنة المصرية على الشؤون السورية. لقد ألغت الوحدة اسم سوريا، لكن المصري ظل مصرياً. الكيانية المصرية راسخة، بينما السوري نشأ ونشيده المفضل «بلاد العرب أوطاني».

قال شفيق الحوت بحماسته الدائمة: قضية فلسطين سوف تحمي الوحدة.

قال سليم اللوزي معترضاً: ولكننا كنا نأمل أن تساعد الوحدة على استعادة فلسطين.

حسم النقاش منح الصلح بقوله: سيقاتل الغرب فلسطين في دولة الوحدة، وسيجتهد لإسقاط الوحدة حتى لا يشتد الخطر على إسرائيل.

وحوّل سليم اللوزي، بحسه الصحافي، النقاش إلى عدد خاص من «الحوادث» يضمّ إلى الانطباعات عن لقاء جمال عبد الناصر في دمشق مجموعة من الموضوعات حول المخاطر على الوحدة، وبالاستطراد فلسطين… وفوجئ الفتى بالسماح له بكتابة أول مقالة في السياسة العربية، وكان ذلك امتحاناً خطيراً استدعى أن يسهر ثلاث ليالٍ متصلة يقرأ ويقرأ ويقرأ، حتى نجح في كتابة موضوعه السياسي الأول، الذي سيرى فيه، من بعد، أن حماسته قد غلبت فيه موضوعيته. ومن أين تجيء الموضوعية ومناظر دمشق قد ملأت عينيه وقلبه وفكره، واجتهاده في أن يكون «رصيناً»؟

Print Friendly, PDF & Email
طلال سلمان

رئيس تحرير جريدة السفير

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  برّاك استغل غياب مُنتظر الزيّدي.. فأذلته سيّدات الجنوب