“قصة الغطاء” في “الموساد”: قولبة العميل حتى يكون مقنعاً (18)
View, from the rear sight, along the barrel of an Essential Arms J-15 semi-automatic rifle, seen against a white background, New York, New York, March 21, 1994. The photo was taken as part of a shoot for Newsweek magazine. (Photo by Michel Delsol/Getty Images)

استرسل الكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان، في الحلقة الـ17 من كتابه "انهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، بشرح المراحل التي يتوجب على المرشح للعمل في وحدة "قيصرية" التابعة لجهاز "الموساد" ان يجتازها. في هذه الحلقة، يتابع بيرغمان شرح عملية التدريب التي تتضمن "مراحل قاسية جداً"، بحسب وصفه.

يقول رونين بيرغمان إن اكتساب العميل في وحدة “قيصرية” التابعة لـ”الموساد” تجربة ميدانية يبدأ بسلسلة مهمات ميدانية بسيطة على الأراضي “الإسرائيلية”، بينها دس جهاز تنصت في هاتف أحد الممرات أو في قاعة انتظار في أحد المصارف أو إقتحام منزل سراً أو سرقة وثائق من مؤسسة ما، كل ذلك كان يهدف للتأكد من أن العميل بات يمتلك المهارات الميدانية الأساسية. ولكن الاصعب في هذا التدريب هو صناعة “قصة الغطاء”، وهي مسألة تتجاوز الحصول على إسم وهمي. في مثل هذه الحالة، على المجند، أي العميل، ان يعيش حياة كاملة، قائمة على قصة وهمية لا تمت بصلة إلى حياته الأصلية، وهي تتضمن مكان الولادة والنشأة في كنف والدين وهميين والخلفيات الإجتماعية والثقافية والإقتصادية التي ترعرع فيها والهوايات التي يمارسها، وغيرها من التفاصيل التي تمس ابسط حياته الشخصية.

والاهم من ذلك تحديد المهنة التي تتضمنها “قصة الغطاء”، فعادة يجب أن تتطلب هذه المهنة السفر الدائم، وهنا يقع الإختيار عادة على مهن يكون فيها السفر في صلب المهنة، كما لا يكون العميل مرتبطاً بمكتب ودوام عمل محدد وأشخاص محددين، وهنا تكون مهنة الصحافي المستقل أو المصور أو كاتب النصوص السينمائية أفضل الخيارات لـ”قصة الغطاء”، وعادة ما يكون جواز سفر العميل هو لجنسية بلد صديق لـ”إسرائيل” ولا فرق إن كان حقيقياً أم مزوراً طالما ان هذا الجواز سيتيح له السفر بسهولة عند الحاجة ودخول دول غير صديقة ولا ترحب بأصحاب الجنسية “الإسرائيلية”.

ويضيف بيرغمان، ان “قصة الغطاء” التي يتقولب بها العميل مع مرور الوقت تبعده عن حياته الحقيقية وتهبه حياة جديدة في بلد جديد وتبعد عنه الشبهات. هناك أيضاً التدريب على صناعة “قصة الغطاء” المتعلقة بوضع محدد. على سبيل المثال، على المتدرب ان يبتكر بسرعة قصة غطاء عن سبب تواجده في مكان محدد في وقت محدد، فاذا كان يراقب مقراً وزارياً معيناً يحصي عدد الداخلين والخارجين وأوقفه رجل شرطة وسأله عن سبب وجوده في هذا المكان، عليه أن يكون مقنعاً في إجابته، ولكي يكون كذلك، يجب ان تكون اجابته هادئة ومقنعة وسريعة ولا تردد فيها من دون ان يعطي تفاصيل، لان اعطاء الكثير من التفاصيل يثير الشبهات تماما كعدم تقديم اي شرح.

كانت مكاتب الوحدة، في الطابق الحادي عشر في المبنى رقم 2 في شارع كابلان في تل ابيب، هادئة جدا ويسودها “جو اوروبي” فرضه “هراري”، فطريقة الكلام والعادات والسلوك والبراعة في الاداء كلها كانت من المميزات التي احضرها معه عندما تولى مسؤولية الوحدة

اما التدريب الاصعب فهو في محاكاة عملية اعتقال العميل وتعرضه للتعذيب الوحشي. ويضيف بيرغمان أن متدرباً إسمه الحركي “كورتز” شرح له هذا التدريب قائلاً “كانوا يرسلوننا أزواجاً لمراقبة دبلوماسي ما ورفع تقرير عن حركته لقيادتنا، وهي مهمة تبدو بسيطة لا تتضمن إجراء أي تواصل معه وكنا نحمل جوازات سفر اجنبية وكانت التعليمات صارمة جدا بانه وتحت اي سبب يمنع منعا باتا ان نكشف هويتنا الحقيقية لاي انسان. فجأة تنقض علينا ثلاث سيارات شرطة ويخرج منها رجال بلباس مدني يرموننا ارضا ويكبلون ايدينا ويضعوننا في صندوق السيارة، بعدها ينقلوننا الى احد مقرات التحقيق التابع للامن الداخلي (الشين بيت) في المجمع الروسي في القدس. هناك نقضي ثلاثة ايام مرعبة فعلا، معصوبي العينين ومحرومين من النوم، ونكون مكبلي اليدين خلف ظهرنا ومشدودين الى كرسي بطريقة تجعل كل جسدنا مشدودا جدا وهي وضعية مؤلمة للغاية، ثم يكبلون ايدينا ونحن معلقين بالسقف بحيث اننا نقف على رؤوس اصابعنا فقط، وخلال التحقيق يقوم عملاء الشين بيت ورجال الشرطة بضربنا والبصق علينا وسمعت انه في احد المرات بوّلوا على احد المتدربين خلال التحقيق. الهدف من هذا التدريب هو رؤية من يستطيع ان يصمد ويعيش في مثل هذه الاوضاع من دون ان ينهار ويكشف المعلومات التي بحوزته. حتماً من ينهار في هذا التدريب يتم الاستغناء عنه”. مع إنتهاء هذا التدريب، يستحق العميل تسميته “عميلاً ميدانياً”، وتبدأ رحلة عمله في مهمات عادة ما تكون في دول معادية.

يقول بيرغمان، لقد فرض “مايكل هراري” انضباطا حديديا على وحدة “قيصرية” وامر بالطاعة المطلقة، واي مخالفة لهذه الشروط كانت تؤدي إلى الطرد الفوري. كانت مكاتب الوحدة، في الطابق الحادي عشر في المبنى رقم 2 في شارع كابلان في تل ابيب، هادئة جدا ويسودها “جو اوروبي” فرضه “هراري”، فطريقة الكلام والعادات والسلوك والبراعة في الاداء كلها كانت من المميزات التي احضرها معه عندما تولى مسؤولية الوحدة.

“هراري” كان عنده نظرة بعيدة فكان يرى مثلا ان من مصلحة وحدة “قيصرية” ان يكون لديها شركة للشحن البحري في احدى الدول الشرق اوسطية. وفي وقت ما، احتاجت الوحدة لسفينة تجارية مدنية لنقل فريق من عملاء “الموساد” في المياه الاقليمية اليمنية، فكان أن حمّل الفريق السفينة باللحوم ونقلها من مكان الى مكان بينما كانت المهمة الاساسية هي التجسس

ويضيف بيرغمان “لقد كان مكتبه دائما نظيفاً ومرتباً من أصغر شيء الى أكبره وكذلك كان هو في غاية الاناقة دائما في لباسه كما في سلوكه، كان دائما حليق الذقن مع رائحة العطر الفرنسي المحبب لديه تلاحق ظله اينما تحرك في المكتب”.

ويقول بيرغمان نقلا عن “هراري” قوله لرئيس “الموساد” ان الاستخبارات الجيدة ووحدة “قيصرية” حتى تكون قوية “تتطلب كلفة مالية عالية”. لذلك كان يطلب موازنة عالية وكانت هذه الموازنة تكبر عاما بعد عام وكان يصرفها بصورة اساسية على تدريب العملاء وعلى انشاء المزيد والمزيد من الشركات وشبكات العملاء في العالم. لقد اسس عملاء “هراري” مئات المؤسسات التجارية في عدد لا يحصى من دول العالم وقد قدمت هذه المؤسسات خدمات كثيرة لعمل “الموساد” لسنوات بعد رحيله. معظم هذه الشركات لم يكن لها غاية آنية عند تأسيسها، ولكن “هراري” كان عنده نظرة بعيدة فكان يرى مثلا ان من مصلحة وحدة “قيصرية” ان يكون لديها شركة للشحن البحري في احدى الدول الشرق اوسطية. وفي وقت ما، احتاجت الوحدة لسفينة تجارية مدنية لنقل فريق من عملاء “الموساد” في المياه الاقليمية اليمنية، فكان أن حمّل الفريق السفينة باللحوم ونقلها من مكان الى مكان بينما كانت المهمة الاساسية هي التجسس.

يضيف بيرغمان انه في العام 1967 بدأت تظهر نتائج العمل الذي قام به “هراري” في وحدة “قيصرية”، فقد كان عملاء الوحدة يرسلون بصورة يومية معلومات غاية في الاهمية من دول معادية لـ”اسرائيل” الى مشغليهم في تل ابيب معظمها تتعلق بالقدرات العسكرية لهذه الدول وهي بالاخص مصر وسوريا والاردن والعراق، “ما اتاح للمسؤولين في تل أبيب ان يجهزوا البلاد للمواجهة الكبرى في حزيران/يونيو من ذلك العام”. ومع ذلك، يقول بيرغمان لقد فشل عملاء “الموساد” وجهاز الاستخبارات العسكرية “امان” في تحديد التحدي الكبير المتمثل بملايين الفلسطينيين الذين باتوا جاهزين لقتال “اسرائيل” من اجل العودة الى بلادهم، فقد انطلقت في ذلك الحين موجة كبيرة من عمليات “الارهاب الفلسطيني” ضد “الاسرائيليين” واليهود في انحاء عدة من الشرق الاوسط واوروبا. وهنا ينقل بيرغمان عن “هراري” قوله “لم نكن مستعدين لمواجهة هذا التهديد”.

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course