رحلة الـ mRNA من التقنية إلى لقاح كورونا

يحاول العلماء منذ سبعينيات القرن الماضي الاستفادة من mRNA في تجارب طبية جديدة، لكن واجهتهم مشكلة ظلت بلا حل لعقود. فالـ mRNA الهش وغير المستقر والذي يذوب بسرعة عندما يتم حقنه في الجسم، يستفز الجهاز المناعي فيهاجمه ويتسبب بالتهاب مناعي وتلف الـ mRNA.

كاتلين كاريكو (65 عاماً) هي باحثة وعالمة بالكيمياء الحيوية من أصل مجري انتقلت الى أميركا عام 1985. نالت الدكتوراه هناك وواصلت أبحاثها حول هذا الموضوع لسنوات طويلة، تعرضت خلالها إلى خيبات عديدة واُقصيت عن الابحاث وخُفضت رتبتها وإضطرت إلى تغيير عملها لكنها ظلّت واثقة ان بامكانها النجاح وحل هذه المعضلة، إلى أن نجحت في العام 2005 في تعديل جزيء cap5 من mRNA بحيث لا يتعرف عليه جهاز المناعة، وصار بالامكان ادخاله ليقوم بوظيفة صناعة بروتينات معينة من دون ان يتلف او يرتبط بأي مكون داخل الخلية.

وكانت مختبرات عالمية عديدة تحاول استعمال mRNA في تجارب طبية مختلفة بما فيها تجارب تلقيح، واستخدمت مواداً لتغليفه وحمايته وحقنه بحيوان التجربة، لكن المفارقة ان الحيوان يموت بسبب تلك المواد السامة المغلفة.

شركة Novartis السويسرية طوّرت نظاماً أسمته LNPs جسيمات نانوية دهنية تصنع بشكل لفافات تُغلف الـ mRNA وتسمح بحقنه بالجسم بامان وسهولة ومن دون أي ضرر. وقد حاولت الشركة تصنيع عدة لقاحات مثل انفلونزا الطيور والـ MERS وداء الكلب لكنها قررت في العام 2015 وقف نشاطها في مجال اللقاحات بسبب غلاء المواد الخام وشروط الحفظ والتبريد وعدم وجود سوق رائجة حينذاك.

انجاز كاتلين كاريكو وغيرها من العلماء وتسليط الضوء على فرادة الـ mRNA ألهم ديريك روسي، عالم الأحياء الكندي الذي شارك لاحقا في تاسيس شركة موديرنا، كما جذبت انتباه العالم الالماني من اصل تركي اوغور شاهين الذي اسس شركة بيونتك 2008 وركز ابحاثه على انتاج ادوية للسرطانات ولقاحات مستخدما هذه التقنية، علما ان كاريكو انتقلت للعمل معه عام 2013.

انتشار جائحة كورونا ونشر الصين في 11 كانون الثاني/ يناير 2020 للجينوم الفيروس المستجد دفع اوغور شاهين لالتقاط اللحظة بسرعة الضوء (كما سمي مشروعه لصنع اللقاح)، فحوّل مختبراته الى العمل ليلا ونهارا لتطوير لقاح يعتمد تقنية mRNA وكان تعاونا قائما مع شركة فايزر منذ 2018 لصنع لقاح جديد للانفلونزا، ونظرا للامكانيات الضخمة التي تمتلكها الفايزر تم توقيع شراكة لانتاج اللقاح الجديد.

هذه التقنية الثورية تفتح آفاقا ضخمة ليس في تطوير اللقاحات فحسب، بل يمكن استعمالها وعلى نطاق واسع في انتاج ادوية لامراض مستعصية مثل السرطانات وكذلك في المعالجة المباشرة لامراض مزمنة او وراثية

شركة المودرنا، وهي الابرز بعد اقفال Novartis قسم اللقاحات، تابعت العمل والابحاث لتصنيع لقاحات بتقنية mRNA واغتنمت ايضا حصول جائحة كورونا لمضاعفة جهودها وابحاثها وتجاربها التي ادت الى انتاج لقاحها الجديد، علما ان الشركتين استفادتا من تجارب وخلاصات سابقة اجريت على مرضى بفيروسي SARS وMERS (عائلة كورونا) حيث عرف الباحثون ان النتوءات البروتينية spike الموجودة على سطح الفيروس هي مفتاح دخوله الى خلايانا وتكاثره والتسبب بالمرض وبالتالي تحفيز  الجسم على اطلاق مناعته ضده.

النواقل الدهنية التي تحمل الـ mRNA المشفر، مصممة وبعد حقنها بالجسم لترتبط بسطح خلايا مناعية ويتحرر عندها الـ mRNA قرب مينا الخلية وينتج جزيء البروتين spike المميز للكوفيد19، وبعد فترة قصيرة يذوب كما المواد الدهنية ويُهضم من قبل انزيمات الجسم ويتحلل دون اثر او خطر. ويبقى جزيء البروتين المميز الذي تتعرف عليه خلايا المناعة كدخيل فتنتج المضادات والخلايا المناعية المناسبة التي ستتعرف مستقبلا على الفيروس الحقيقي فور دخوله إلى الجسم وتبادر إلى تنشيط آلياتها وحصر ضرره وصولاً إلى قتله.

تجدر الاشارة إلى ان mRNA اللقاح ليس الحمض النووي DNA (الشيفرة الوراثية) ولا يتحد به سواء خارج الجسم قبل حقنه او داخل الجسم بعد حقنه اذ يقتصر تواجده القصير في مينا الخلية بعيدا عن النواة حيث DNA ويؤدي فعليا وظيفة مشابهة لدوره الطبيعي في الأجسام الحية وهي المرسال الذي ينقل تعليمات الى الخلية لتصنيع بروتين ما، حسب الشيفرة ـ الرسالة التي يحملها كل مرة.

وعند حدوث تحور جدي وخطير بالفيروس، يمكن اعادة تحميل الشيفرة الجديدة بسرعة وتعديل اللقاح بما يلائم وبكلفة ووقت قليلين.

وتتنافس المختبرات في العالم على تطوير اللقاح واستخدام تقنية جديدة لانشاء تركيبات mRNA ذاتية التضخيم بحيث تحاكي العدوى الفيروسية الحقيقية التي تجتاح وتتكاثر داخل الخلايا، فتخلق التقنية الجديدة اكثر من نموذج متشابه لبروتين الفيروس المميز مما يحفز ردا واستجابة مناعية اوثق واوسع تسمح بجرعة واحدة كافية.

كذلك يتم تطوير لقاح على شكل رقعة جلدية مرصعة بابر دقيقة قابلة للذوبان فتقطّر اللقاح ببطء في مكان الحقن ولمدة زمنية ليست قصيرة ويمكن التحكم بها وتكفي ايضا جرعة واحدة.

هذه التقنية الثورية تفتح افاقا ضخمة ليس في تطوير اللقاحات فحسب، بل يمكن استعمالها وعلى نطاق واسع في انتاج ادوية لامراض مستعصية مثل السرطانات وكذلك في المعالجة المباشرة لامراض مزمنة او وراثية. فاذا استطعنا كشف المسبب ومعرفته التامة وتحديد بصمته وهيكلة التعليمات الخلوية والعثور على بروتين مميز لكل نوع مرضي، عندها يمكن انتاج بروتين يحمل عكس التعليمات الخلوية الممرضة مثلا او نصنع بروتين يستهدف المسبب والسماح للجسم والمناعة بمقاومته.

إقرأ على موقع 180  ماذا لو سقطت أمريكا؟

Print Friendly, PDF & Email
حسن أيوب

طبيب، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  أنا المسكونة بكورونا.. نغمة موسيقية