“بالحرام” دراما جريئة.. والمجتمع هو البطل الحقيقي

عندما يجتمع الخير والشر تحت سقفٍ واحد، تبدأ الحكايات بالتشابك بطريقة لا يمكن توقّعها. هذا تماماً ما يقدّمه هذا العمل، الذي ينطلق من منزل الشخصية التي تؤديها تقلا شمعون، حيث يجتمع عدد من المسرحيين ليجدوا أنفسهم فجأة داخل قصة أكبر بكثير من المسرح. المنزل الذي يُفترض أن يكون مساحة للفن والتعبير يتحوّل تدريجياً إلى مسرحٍ لحكايات إنسانية معقّدة، تتقاطع فيها المصائر والخيبات والآمال.

حادثة مقتل ابن أخت صاحبة المنزل تتحوّل إلى نقطة مفصلية في السرد، لتفتح الباب أمام عالم معقّد من القصص المتداخلة: من الاتجار بالبشر إلى مشاكل المراهقين والبطالة والفقر والهامش الاجتماعي. “بالحرام” لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يضع المجتمع بكل تناقضاته أمام الكاميرا، في محاولة واضحة لمساءلة الواقع وكشف طبقاته المخفية.

بطلة وصاحبة المشروع ماغي بو غصن تعيد هنا تجربة درامية اجتماعية جريئة، وتعود غالباً إلى التعاون مع مجموعة من الممثلين الذين أصبحوا جزءاً من هذا المشروع الفني. لكن اللافت للانتباه أن كل واحد منهم يبدو وكأنه “يخلع جلده” في كل عمل جديد، مقدّماً أداءً مختلفاً وأكثر نضجاً، وكأننا أمام ممثلين يعيدون اكتشاف أنفسهم في كل تجربة.

برزت في العمل أسماء عديدة: رندة كعدي بدت مميزة للغاية، إلى جانب سارة أبي كنعان وسينتيا كرم، حيث شكّل حضورهن إضافة واضحة للحكاية الدرامية، وقدّمن شخصيات تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية مختلفة.

ومن أبرز ما يلفت النظر في العمل تسليط الضوء على معاناة النساء، حيث يقدّم نماذج مختلفة لردود فعل المرأة أمام الظلم والضغط الاجتماعي، من القوة إلى الضعف. فشخصية سارة أبي كنعان تمثّل المرأة الضحية، العالقة في حب غير مبرر لرجل خائن، متشبثة به برغم كل الخيبات. في المقابل، تقدّم رندة كعدي صورة المرأة المكسورة التي تفرغ غضبها وألمها في الكحول، بينما تذهب شخصية سينتيا كرم إلى منحى مختلف، حيث تتحوّل من ضحية لظلم الحياة إلى شخصية تمارس القسوة نفسها التي تعرّضت لها.

أما حضور باسم مغنية فيسلّط الضوء على قضية شديدة الحساسية، تتعلق باستغلال الأطفال والاعتداء عليهم من قبل بعض الأقارب أو المقرّبين، وهي قضية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول كيفية تعامل المجتمع مع علاقات الأطفال مع الأصدقاء والأقارب، وضرورة الانتباه إلى هذه المساحات الحساسة في حياة الأطفال.

ومن الناحية الإخراجية، حافظ العمل على سوية جيدة في الانتقال بين الحاضر والماضي، برغم أن مشاهد الماضي جاءت قليلة نسبياً، لكنها كانت موظّفة بطريقة تخدم السرد ولا تشتته. كما بدت حركة الكاميرا مقنعة لعين المشاهد، وساهمت في تعزيز الإحساس بالواقعية، بينما نجحت حبكة العمل في إبقاء المشاهد مشدوداً، محافظةً على مستوى مرتفع من الإثارة والتشويق طوال الحلقات.

النص الذي كتبه فادي حسين وشادي كيوان يقدّم بنية درامية متماسكة تقوم على تعدّد الحكايات وتداخلها دون أن تفقد خيطها السردي. واللافت للانتباه أيضاً أن العمل لا يعتمد فقط على نجومية أبطاله، بل يمنح حتى الشخصيات الثانوية مساحات حقيقية للأداء، ما يخلق حالة تمثيلية متوازنة يشارك فيها الجميع، من الممثلين المخضرمين إلى الأطفال.

ومن أهم ما يميّز مشاريع ماغي بو غصن أنها لا تستأثر بكونها صاحبة المشروع أو زوجة المنتج ببطولة مطلقة يدور الجميع في فلكها، بل تمنح كل شخصية مساحتها ودورها المحوري داخل الحكاية. فكل شخصية في العمل تمتلك تاريخاً درامياً وخلفية قصصية يمكن أن تتحوّل بحد ذاتها إلى خط درامي مستقل، وهو ما يمنح العمل عمقاً أكبر ويجعل العالم الدرامي أكثر اتساعاً وتنوّعاً.

تجربة “بالحرام” ساهمت في نقل الدراما اللبنانية الخالصة من إطارها المحلي إلى الفضاء العربي الأوسع، حيث أصبح الممثلون المشاركون في العمل مألوفين للمشاهد العربي، ولم يعودوا محصورين ضمن الجمهور اللبناني فقط، بل باتوا جزءاً من المشهد الدرامي العربي الأوسع.

جرأة العمل لا تكمن فقط في الموضوعات التي يطرحها، بل في الطريقة التي يضع بها المجتمع أمام مرآته: الاتجار بالبشر، أزمات المراهقين، الفقر، البطالة، وأزمات الأسرة. كلها قضايا تُطرح ضمن مسار درامي مشوّق يحافظ على تماسكه ويترك أثره في ذهن المشاهد.

واللافت للانتباه أن أثر العمل لم يبقَ محصوراً في الدراما فقط، بل امتد إلى النقاش العام داخل المجتمع اللبناني، حيث طُرحت مبادرات ونقاشات تشريعية في البرلمان تتعلق بتحديد العمر المناسب لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للمراهقين، في انعكاس واضح لتأثير الدراما عندما تلامس قضايا المجتمع بجرأة وصدق.

إنه عمل يستحق المتابعة، ليس فقط لقصته، بل لأنه يطرح أسئلة حقيقية عن المجتمع، ويؤكد مرة أخرى أن الدراما، عندما تتحوّل إلى مشروع فني واضح، تستطيع أن تترك أثراً يتجاوز الشاشة إلى المجتمع نفسه. ولعل أهم ما يُميّز تجربة ماغي بو غصن أنها لا تقدّم بطولة عابرة، بل مشروعاً درامياً يسعى باستمرار إلى فتح النقاش حول قضايا المجتمع وتسليط الضوء على المساحات التي غالباً ما تبقى في الظل.

في النهاية، لا يكتفي هذا العمل بأن يكون مجرد تجربة درامية ناجحة، بل يتجاوز ذلك ليطرح أسئلة مقلقة عن المجتمع الذي نعيش فيه. هو عمل يذكّرنا بأن الفن، حين يكون صادقاً، لا يجمّل الواقع بل يكشفه، ولا يهرب من أزماته بل يضعها في مواجهة مباشرة مع المشاهد.

إقرأ على موقع 180  الهروي في الأرض المقدّسة.. الحقائق والمعتقدات!

إن قوة هذا العمل لا تكمن فقط في حبكته أو أداء ممثليه، بل في قدرته على تحويل القضايا المسكوت عنها إلى مادة للنقاش العام، وفي دفع المتلقي إلى إعادة التفكير في علاقاته ومحيطه ونظرته إلى الآخر. وهنا تحديداً، تتحقق وظيفة الدراما الحقيقية: أن تكون مرآة، لا للمتعة فقط، بل للوعي أيضاً.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الهروي في الأرض المقدّسة.. الحقائق والمعتقدات!