حين يصبح العقل.. تهمة!

هذه أوقات عصيبة حتماً، وهي كذلك ليس فقط لدى شعوب الخليج أو الفلسطينيين واللبنانيين، بل هي كذلك لكل العالم القريب والبعيد، لأن الحروب لا تعرف الحدود المصطنعة ولا الجغرافيا، بل هي عابرة للمدن والدول وحتى القارات. في الأزمنة المضطربة، حين تختلط الأصوات ويعلو ضجيج الشعارات وتتجيّش المشاعر، فيخمد صوت العقل، يصبح من السهل أن يُصنَّف الإنسان في خانةٍ لم يخترها. يكفي أن يقول كلمة عقل، أو يحذّر من طريقٍ مظلم، حتى يُتَّهم بأنه «عدوّ الشعب» أو «عدوّ الناس». هكذا، ببساطة، يتحول التحذير إلى خيانة، والعقل إلى تهمة، والذاكرة إلى عبءٍ لا يريد أحد أن يسمعه.

لكن من هو عدوّ الناس حقاً؟ فهذا ليس بتعبير جديد أو مستحدث، بل هو قديم. فقد كتب الأديب النرويجي Henrik Ibsen روايته الشهيرة An Enemy of the People، التي تُرجمت لمعظم لغات العالم الحية، حول الطبيب Thomas Stockmann الذي يكتشف أن المياه في الحمامات العلاجية في مدينته – وهي مصدر الازدهار الاقتصادي فيها – ملوّثة وخطرة على صحة الناس. ويتصور أنه بذلك ينقذ حياة الكثير من البشر، إلا أنه سرعان ما يكتشف أن الحقيقة التي كشفها تتحول إلى مشكلة، بل أزمة سياسية واقتصادية، لأن في ذلك تهديداً لمصالح أقليات ربما من المستفيدين. لذلك يقوم سكان المدينة، ومنهم شقيقه، بحملة ويطلقون عليه «عدوّ الناس». وتكشف المسرحية في عمقها أن المجتمع قد يقف أحياناً ضد من يقول الحقيقة، خاصة عندما تهدد هذه الحقيقة مصالح قوية أو حتى سردية وهمية خلقها البعض لصورة عدو أو شيطان. لذلك، فبدلاً من مواجهة المشكلة، يختار الكثيرون أن يعادوا الطبيب.

***

منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، لم يتغير الكثير. فما يزال من يقول الحقيقة أو يحذّر من كارثة قادمة يُتَّهم بأنه يبالغ أو يثبط العزائم أو يقف ضد «الإجماع». لكن السؤال الحقيقي يبقى: من هو عدوّ الناس فعلاً؟

هل هو ذلك الذي يقف ليقول إن الطريق إلى الحرب ليس بطولة، وإن الدم الذي يُراق لن يصنع وطناً، وإن التاريخ الذي تجاهلناه سيعود ليكرر نفسه بصورةٍ أكثر قسوة؟ أم أن العدو الحقيقي هو من يدفع الناس إلى الهاوية وهو يلوّح برايات النصر، بينما يعرف في داخله أن الحروب، حين تبدأ، لا يعرف أحد كيف تنتهي؟

***

قراءة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ربما ضرورة للبقاء. فالحروب الكبرى في العالم لم تبدأ يوماً بقرارٍ واضح يعلن الخراب القادم، بل بدأت دائماً بشعارات كبرى: الدفاع عن الكرامة، حماية الوطن، أو استعادة الحق، أو الدفاع عن حقوق شعب هنا أو هناك. لكن خلف هذه الكلمات كانت تقف مشاريع أخرى، ومصالح أكبر، وحسابات لا علاقة لها بحياة الناس العاديين الذين يدفعون الثمن. كتب بعض ما تبقى من الصحفيين المؤمنين بمهنتهم ومهمتهم في نشر الوعي، فذكّروا بالحرب العالمية الأولى وغيرها، وصولاً إلى احتلال العراق، الذي ما لبث أن اكتشف العالم كله أنه بدأ بكذبة أنهت وفتّتت وطناً بحضارة وتاريخ أعرق من أولئك المحتلين الكاوبوي وحلفائهم.

***

الحروب ما هي إلا كتلة نار تتدحرج لتنال الأخضر واليابس، وكثيراً من الأبرياء المدنيين والضعفاء قبل الأقوياء. فهي لا تقتل أولئك الجالسين في دفء بيوتهم أو على طرقات أعمالهم أو في مدارسهم فحسب، بل تقتل المدن والذاكرة والاقتصاد، وحتى الأمل أحياناً. وتترك خلفها أجيالاً كاملة تعيش على أنقاض ماضٍ كان ربما يملك بصيص أمل لمستقبل واعد.

ومع ذلك، يستمر العالم في تكرار المأساة نفسها. لأن هناك دائماً من يرى في الحروب فرصة لا كارثة: مشاريع تتمدد فوق الخراب، ونفوذ يُبنى على ركام المدن، وثروات تُجمع من تجارة الدم. هؤلاء لا ينظرون إلى البشر كأفراد لهم حياة وأحلام، بل كأرقام في معادلةٍ سياسية أو عسكرية، خاصة إذا ما كانوا بعيدين عن البشرة البيضاء.

***

والأكثر قسوة أن قيمة الإنسان في هذا العالم ليست متساوية. فحين يسقط ضحايا في أماكن كثيرة من الأرض، تمرّ المأساة كخبرٍ عابر. لكن حين يكون القتيل من “العالم الأبيض” – أميركياً أو أوروبياً أو إسرائيلياً – يصبح الحدث قضية عالمية تهتز لها المنابر والسياسات، وكأن حياة الإنسان تُقاس بجواز سفره أو بلون بشرته.

***

وسط هذا العالم المربك، يصبح صوت العقل ضرورياً، حتى لو كان غير مرغوب فيه. فالتحذير من الحروب ليس خوفاً جباناً، بل شجاعة أخلاقية. والقول إن المستقبل قد يكون أكثر ظلاماً إذا لم نتعلم من الماضي ليس تشاؤماً، بل مسؤولية.

***

وقد يُتَّهم من يقول ذلك بأنه «عدوّ الناس»، كما حدث مع بطل مسرحية إبسن قبل أكثر من قرن. لكن الحقيقة أبسط من كل الاتهامات:

عدوّ الناس ليس من يحذّرهم من الهاوية، بل من يدفعهم إليها وهو حاملاً شعارات، ومدغدغاً لعواطف قد تكون مرتبطة ببقعة أو أرض أو قومية أو دين أو حتى طائفة… الرب يحمي هذه المنطقة عندما اعتزلت الملائكة ووقف الشيطان يتفرج على من هو أكثر شراً منه.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أسئلة مشروعة حول الإسناد اللبناني لغزة 
خولة مطر

كاتبة من البحرين

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  11 سنة على 11 أيلول.. "الإرهاب" لم ينتهِ!