قمة جنيف تُهمِل لبنان.. وفرصة حكومية أخيرة أو الإعتذار

لم يعد إعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري هو القضية. كتاب الإعتذار بات جاهزاً. المسألة تتصل بالتوقيت.. والتوقيت له عناصره المحلية والخارجية. تظهير القرار يتبدى خلال الأيام القليلة المقبلة.

إتخذ سعد الحريري قراره بالإعتذار، لكنه لن يكرر “دعسته الناقصة” في خريف العام 2019. وقتذاك، قدّم إستقالته من دون أن يتشاور مع أي من حلفائه، ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط. قرّر هذه المرة توسيع الدائرة، بدءاً من بيته الداخلي (تيار وكتلة المستقبل)، مروراً ببيئته الحاضنة، وأولها المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى ونادي رؤساء الحكومات السابقين والعائلات البيروتية والبلديات الكبرى، وصولاً إلى حلفائه وأصدقائه وأولهم نبيه بري.

ربّ قائل للحريري أنه “لا بد من ترقب معطيات خارجية قبل إعلان قرارك”، وأولها ما سيصدر عن القمة الأميركية الروسية المقرر عقدها الأربعاء المقبل في جنيف. حتماً لبنان ليس على “أجندتها”. هذا ما أبلغه الأميركيون رسمياً إلى الجانب اللبناني. سوريا حتماً ستكون على جدول الأعمال، كأزمة إنسانية وليس سياسية. لكن العنوان السوري المطروح سيُصيب لبنان، من زاوية وصول المساعدات الإنسانية وترابط الإقتصادين اللبناني والسوري (ضمناً ترابط الإنهيارين).

قبيل القمة، وتحضيراً لها، يحاول أصدقاء سعد الحريري في القاهرة وأبو ظبي، ومن بوابة موسكو تحديداً، جس النبض وطرح الأسئلة: هل هناك قرار دولي بإنهيار لبنان؟ إذا كان الجواب لا، ما هي السبل الكفيلة بتثبيت إرادة دولية وعربية حامية للبنان للحد من تداعيات الإنهيار الحالي؟

تشي الأجوبة الأولية من أكثر من عاصمة إقليمية ودولية بأن لا مصلحة لأحد بإنهيار لبنان وذهابه نحو الفوضى، لكن لا يصح أن يحل الخارج محل اللبنانيين. هناك سلوك غير مسبوق من أهل السياسة في لبنان. يأتي وفد البنك الدولي إلى بيروت ويتوسل حكومة حسان دياب أن تسارع إلى صرف قرض الـ 246 مليون دولار للعائلات الأكثر فقراً، تمهيداً لصرف قرض ثانٍ بنحو 450 مليون دولار على وجه السرعة، لكن ترف حكومة دياب يجعلها تختلف على إدارة القرض ومن يستفيد منه. قيل للحكومة اللبنانية هناك 900 مليون دولار مجمل قروض البنك الدولي للبنان (بينها الـ 246)، يمكن طلب تحويل معظمها إلى الإغاثة بدل الإنماء (تأجيل مشاريع الطرق والأوتوستراد الدائري إلخ..) لكن على من تقرأ مزاميرك؟ طُرحت أفكار حول تحرير دعم المحروقات، فيُباع البنزين (95 أوكتان) بسعر المنصة (3900 ليرة) والـ 98 أوكتان بسعر السوق (حوالي 140 ألف ليرة للتنكة الواحدة)، لكن رئيس الحكومة رفض أن يتحمل المسؤولية. بلغت حفلة المزايدة ذروتها بإصدار المصرف المركزي سلسلة تعاميمه الأخيرة. تبرير الصرف من الإحتياطي الإلزامي برشوة 62.5% من المودعين (776 ألف حساب) ممن تقل حساباتهم عن خمسين ألف دولار قبل 17/10/2019. كلفة هذه الرشوة التي ستستمر حتى موعد الإنتخابات النيابية المقبلة، حوالي مليار وأكثر من 100 مليون دولار. عملياً سيصار إلى شطب حسابات نصف هؤلاء وربما أكثر، فينزل رقم الإحتياطي الإلزامي، (صرف مقابله لدعم ما ينبغي دعمه!)، أي عملية تركيب طرابيش، كسباً للوقت ليس إلا.

لم يفقد الأميركيون والفرنسيون أملهم من مبادرة بري. ما جرى على صعيد صفقة النفط بين بيروت وبغداد يعطي إشارة خارجية إيجابية. الأميركيون أبلغوا رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي موافقتهم على تزويد لبنان بالفيول أويل الذي يكفي معامل الكهرباء لنحو خمسة إلى ستة أشهر. في بيروت، أبلغت السفيرة الأميركية دوروثي شيا المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم وحاكم المصرف المركزي موافقة بلادها. عملياً، سيُصار إلى فتح إعتماد للعراقيين في مصرف لبنان المركزي بالعملة الصعبة، بشرط أن تصرف الحكومة العراقية المبلغ في السوق اللبنانية، عندما يستحق بعد سنة من الآن.

لننتظر الأيام القليلة المقبلة. قمة جنيف. مشاورات موسكو التي تردد أن مسؤولاً أمنياً خليجياً وصلها في الساعات الأخيرة ربطاً بملفات عديدة أبرزها الملف اللبناني. المؤتمر الفرنسي دعماً للجيش. في إنتظار هذه وغيرها، لا بأس من رسم سيناريوهات الشارع، وما يمكن أن تذهب إليه تحالفات معظم اللاعبين السياسيين في الإنتخابات المقبلة، إذا بقي هناك بلد

نموذجا قرض البنك الدولي والنفط العراقي، ينسحبان أيضاً على كيفية تعامل الغرب مع المؤسسات العسكرية والأمنية. مؤتمر باريس الداعم للجيش اللبناني، سينتهي الأسبوع المقبل إلى رصد حوالي خمسين مليون يورو لتأمين إحتياجات المؤسسة العسكرية اللبنانية خلال العام 2021. الأميركيون وجهوا دعوة مماثلة إلى قائد الجيش جوزف عون ومن المقرر أن يلبيها في شهر تموز/ يوليو المقبل. الأميركيون كانوا شجعوا عواصم عديدة أن ترصد تبرعات للجيش اللبناني. باقي المؤسسات الأمنية اللبنانية تحاول أيضاً الإستفادة من شبكة علاقاتها لتأمين الدعم للعسكريين.

قُصارى القول أنه برغم المشهد السوداوي القاتم، ثمة فرص يستطيع لبنان الإستفادة منها لأجل بقاء الدولة واقفة على قدميها. ما يجري يومياً في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة يندى له الجبين. لا ورق للكتابة والطباعة. البطاقات الممغنطة في العديد من الوزارات مفقودة. البرامج والسوفتويرات مهددة بالتوقف. بعض الإدارات تطلب من الموظفين أن يداوموا يوماً واحداً أسبوعياً.. إلى أن تنطوي أزمة البنزين وكورونا!

إقرأ على موقع 180  هبة الشارع اللبناني.. تلاقي الساحات

عندما تم تكليف سعد الحريري قبل أكثر من سبعة أشهر، لم يكن الوضع مأساوياً إلى هذه الحدود. تبدت في لحظة التكليف فرصة لبنانية وخارجية، ولو أنها لم تكن مكتملة العناصر، خصوصاً في شقها السعودي (الخليجي). حالياً، باتت الظروف أصعب وأخطر بكثير، ولا سيما ببعدها الداخلي.

من هذه الزاوية، وضع الحريري خيارين لا ثالث لهما:

إما المضي بالتكليف وعدم التنازل لجبران باسيل وبالتالي جعل الأخير “يتحمل مسؤولية العرقلة والتعطيل”.. وهذا الخيار ينحاز إليه معظم الشارع السني، نكاية برئاسة الجمهورية وباسيل، وهذا الأمر عبّرت عنه مناقشات إجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى اليوم (السبت).

وإما الإعتذار، وعندها يتحرر الرئيس المكلف، “وليتحمل ميشال عون وجبران باسيل مسؤولية الفراغ وكل ما سينتج عنه”.

يميل الحريري أكثر نحو الخيار الثاني. يُحرّره دولياً وينتج فك إشتباك مع السعودية ويتفرغ بعده إلى الإنتخابات النيابية بكل ما تتطلبه منه، ولا سيما خطاباً سياسياً وصياغة تحالفات.

هل يمكن أن تحمل الساعات المقبلة مفاجآت ما؟

يمكن إستنتاج الآتي: يجزم “الثنائي الشيعي” بأن الحريري لن يتهرب من تحمل المسؤولية إذا توفرت شروط نجاح الحكومة. عملياً، يبدو في إستنتاجه هذا أقرب إلى ما يطرح الحريري من عناوين، ولا سيما ما تبقى من نقطتين عالقتين، الأولى تتصل بالإصرار على منح ثقة تكتل لبنان القوي للحكومة مقابل حصة الثمانية وزراء؛ والثانية تتصل بالصيغ التي طرحت لتسمية الوزيرين المسيحيين ومعظمها رُفضت من باسيل.

هذا الإستنتاج يأتي في معرض الجواب على سؤال يطرحه كثيرون: إذا كان باسيل يريد أن يُطيح بأصل تكليف الحريري، هل فعلاً يريد الحريري تأليف الحكومة، ربطاً بالقرارات الصعبة الواجب إتخاذها، واولها رفع الدعم عن البنزين ومعظم الدواء والمواد الغذائية؟

قبل أيام قليلة، تلقى رئيس مجلس النواب رسالة بالبريد السريع من وليد جنبلاط: كنت أعتقد أنني أستطيع الإمساك بأوضاع الجبل (الشوف وعاليه)، لكن حقيقة الأمر أنه ليس بمقدور أحد أن يقفل مناطقه ويضبط جمهوره وشارعه. أنصح بالتسوية وبأسرع وقت ممكن. فليكن سعد الحريري أو من يختاره الحريري. المهم محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لم يكن جواب بري مفاجئاً، وهو المتمسك بتكليف الحريري أكثر من رئيس تيار المستقبل نفسه.

بكل الأحوال، “يا خبر اليوم بفلوس بكرا ببلاش”. لننتظر الأيام القليلة المقبلة. قمة جنيف. مشاورات موسكو التي تردد أن مسؤولاً أمنياً خليجياً وصلها في الساعات الأخيرة ربطاً بملفات عديدة أبرزها الملف اللبناني. المؤتمر الفرنسي دعماً للجيش. في إنتظار هذه وغيرها، لا بأس من رسم سيناريوهات الشارع، وما يمكن أن تذهب إليه تحالفات معظم اللاعبين السياسيين في الإنتخابات المقبلة، إذا بقي هناك بلد.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180   عندما يتحدث ترامب مثل زعيم ميليشيا في بيروت