كان الدكتور عزّت الطرابلسي، الذي أنشأ عام 1953 مع زملاء له أول مصرف مركزي في بلد عربي وكان أول حاكم له، قد طالب بالإصلاح الزراعي في أطروحة الدكتوراه التي قدّمها في جامعات باريس في أواخر أربعينات القرن الماضي. كان عزّت، ابن إحدى العائلات الدمشقية العريقة، يعرف جيدًا أن غالبية الأراضي الزراعية البعيدة عن المدن كانت أراضي أميرية، وفق فتوى من مفتي الديار العثمانية، ملكها “لله” (أي للدولة)، والحق فيها حق انتفاع يُورَّث، وتُورَّث فيه البنات بالمساواة مع البنين. كما كان يدرك أن بعض الملكيات الزراعية الكبيرة نشأت مع إنشاء السجل العقاري، الذي استغله ملتزمو جمع الضرائب للسلطان العثماني لتحويل حق الالتزام إلى ملكية. وكذلك أن كثيرًا من الأراضي الزراعية، خاصة في منطقة الجزيرة، كانت “مشاعات” تتقاسم العشائر زراعتها وفق الأعراف.
شهدت أربعينيات القرن العشرين صراعات اجتماعية واسعة بين الفلاحين و”الملاّك”، مع زخم شعبي كبير تمثّل في حركات اجتماعية–سياسية، كحركة أكرم الحوراني في ريف حماة، وقبلها الدعوة المرشدية في ريف اللاذقية.
وعندما أُنشئ المصرف المركزي، أطلق د. عزّت ورفاقه منظومة إقراض زراعي دورية لا تقوم على الرهن العقاري، بل على دورة الإنتاج والمحصول، مع نظام تأمين ضد التقلبات المناخية. فقامت قيامة “الخانجية” (أصحاب الخانات) الذين كانوا يحتكرون الإقراض، ويجبرون المزارعين على تسليم كامل محاصيلهم لهم، ويفرضون أسعار الاستلام وحصصهم الخاصة. ومع ذلك، كان لقرار المصرف المركزي دور رئيسي في تنمية الزراعة خلال الخمسينات.
بعد الوحدة السورية مع مصر عام 1958، صدر سريعًا قانون الإصلاح الزراعي في سوريا، تماشيًا مع القانون الذي صدر في مصر عام 1954. غير أن تطبيقه لم يتسع خلال فترة الوحدة. والمفارقة أن أوسع حملات الاستملاك والتوزيع على الفلاحين جرت خلال فترة “الانفصال”، في عهد الحكومة الرابعة برئاسة بشير العظمة. وقد دفعت تلك السياسات الحكومة الخامسة إلى إصدار قانون حجب الجنسية السورية عن جزء من الكرد السوريين، تفاديًا لتوزيع الأراضي عليهم. ثم توسّعت حملات الاستملاك والتوزيع بشكل كبير خلال حكومات حزب “البعث”.
مضى نصف قرن على تلك المرحلة، وتشرذمت الملكيات وحقوق الانتفاع عبر تداول الأجيال، سواء لدى “الملاّك” القدامى الذين نصّ القانون على تعويضهم، أو لدى المستفيدين من الإصلاح الزراعي، المسجّلة استفادتهم كحق انتفاع فيما بقيت الملكية مسجلة باسم الدولة. وتعقّدت العلاقات الزراعية بين “الملاّك” والمزارعين، لا سيما أن بعضهم شيّد مساكن على الأراضي. وزاد المشهد تعقيدًا مع هبوط المياه الجوفية، والقرارات التي صدرت عام 2000، والتي أعادت عمليًا تجميع الأراضي في استثمارات كبيرة لصالح من يملك القدرة على ضخ المياه من الأعماق، فيما سُمّي حينها بـ”الإصلاح الزراعي المضاد”.
خلال العقود الماضية، صدرت قوانين جديدة لتنظيم العلاقات الزراعية وتسويات متصلة بالإصلاح الزراعي. غير أن إشكالية جوهرية بقيت قائمة تتعلق بملكية الأراضي فعليًا. فالاستملاك ونقل الملكية لا يكتسبان المشروعية الكاملة إذا لم تُدفع تعويضات الاستملاك، ما يبقي الملكية مسجلة باسم الدولة بانتظار تمويل التعويضات.
فما الذي يعنيه اليوم مشروع قانون التراجع عن الإصلاح الزراعي المطروح في سوريا؟ وما دلالة فتوى مفتي سوريا بشأنه؟ وما التداعيات الاجتماعية التي قد يخلّفها في ظرف داخلي غير مستقر أصلًا؟ هل الهدف معالجة إشكاليات متراكمة منذ عقود، أم هو مزايدة سياسية لاستمالة فئات اجتماعية معيّنة، وتصعيد جديد في خطاب “الاقتصاد الحر”؟
أما فكرة الوحدة بين سوريا ومصر، فقد طُرحت عام 1943، أي قبل خمسة عشر عامًا من ذهاب ضباط سوريين إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر والمطالبة بها. كانت بريطانيا وقوات “فرنسا الحرّة” قد طردتا قوات حكومة “فيشي” المتعاونة مع النازيين، ووافقت فرنسا على استقلال سوريا (إعلان الجنرال كاترو). خشي القادة السوريون، ولا سيما الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء سعد الله الجابري، من مآلات البلاد مع اقتراب الهزيمة الألمانية التي باتت حتمية. وأعلنت بريطانيا أنها لن تعارض قيام وحدة بين بلدان عربية، في سياق سعيها إلى تقويض النفوذ الفرنسي.
ذهب وفد سوري برئاسة الجابري إلى مصر، وأجرى مفاوضات وحدة مع النحاس باشا، رئيس الوزراء المصري، الذي كانت علاقاته مع بريطانيا قد ساءت. وتزامنت تلك المحادثات مع إحياء ذكرى ألفية أبي العلاء المعرّي في دمشق، التي افتتحها المفكر المصري طه حسين بحضور نخبة من كبار مثقفي العالم العربي. وفي المناسبة، افتخر القوتلي بتزامن الحدثين، فيما قال محمد كرد علي: “وإنه لمن يُمنِ هذا المهرجان وسعد طالعه أن يتفق عقده في دمشق وعقد مؤتمر الوحدة العربية في الإسكندرية في يوم واحد…”.
غير أن بريطانيا كانت تفضّل وحدة سوريا مع العراق والأردن الهاشميين لا مع مصر، فسعت إلى إفشال المفاوضات بتعديل موقفها من دعم “وحدة عربية” إلى دعم “كومنولث عربي”. ودخل الهاشميون على خط المفاوضات، فدفع السوريون والمصريون إلى إدخال السعودية واليمن، فتحوّل المسار إلى إعلان الإسكندرية الذي أنشأ “جامعة الدول العربية” بدل الوحدة، مع إسقاط بندي الاقتصاد المشترك والدفاع المشترك. وفي اليوم التالي لتوقيع بروتوكول الإسكندرية أُقصي النحاس باشا، وسقطت الحكومة السورية بعد أسبوع.

هذه المباحثات محفوظة في لوحة للفنان سعيد تحسين في المتحف الوطني بدمشق.
ومن المفارقة أن بعض النخب والتيارات السياسية في العالم العربي ما تزال تصفّي حساباتها مع الماضي، مستلهمة تجارب متخيّلة، وتحمّل عبد الناصر أو الإصلاح الزراعي أو “اليساريين” وزر كل الإشكاليات الراهنة. علماً أن عبد الناصر رحل منذ أكثر من نصف قرن، والإصلاح الزراعي مضى عليه زمن طويل، والتيارات اليسارية لم تعد فاعلة كما كانت، حتى في الخليج حيث كانت حاضرة في سياق التيارات الفكرية العالمية السائدة آنذاك.
تصفية الحسابات مع الماضي، كما تخيّل ماضٍ مثالي بديل، ليستا سوى هروب من مواجهة الواقع وتحليل أزماته البنيوية لإيجاد حلول عقلانية وعملية تخدم المجتمع. فلا معنى للسياسة إن لم تكن في خدمة الناس، ولا معنى للالتزام الديني إن لم يُستحضر الحديث الشريف: “أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس”.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
