قيس سعيّد ضد النخبة التونسية.. أي أُفق للصراع؟

يمسك الرئيس التونسي قيس سعيّد بالسلطة التنفيذية منفرداً منذ شهر ونصف الشهر في ظل برلمان مجمد وعدم تعيين رئيس جديد للحكومة، فيما لا يَظهر في المقابل عازماً على إجراء محادثات سياسية مع خصومه أو حتى التشاور مع داعميه حول "خريطة طريق" تطالب بها أطراف داخلية وخارجية ويرجّح البعض أن يكون العبور نحو مشروعه لتغيير الدستور الحالي مسألة وقت.

قد توصف التدابير التي أعلنها قيس سعيد في 25 تموز/يوليو بأنها “مفاجأة منتظرة”، أي أنها كانت مرتقبة من أغلب النخب السياسية المحليّة، وبعضها حثّ عليها، لكن موعدها لم يكن معلوماً. ولعلّ الدافع الأساس لترقب حدوث تدخل رئاسي يعيد ترتيب المشهد السياسي هي الفوضى التي طبعت العمل البرلماني نتيجة غياب حدّ أدنى من “إيتيقا التواصل” بين النخب مع تحوّل يوميات مجلس نواب الشعب إلى جولات من السباب والتقاذف والعنف.

مجمل هذه التطورات تتالت وسط غياب الرؤى الاقتصادية لدى حكام تونس منذ ثورتها عام 2011 وانحصار الصراع حول تصورات ثقافية بين علمانيين وإسلاميين وفشل هؤلاء في نيل “اعتراف” واسع بشرعية حضورهم ضمن المشهد.

ولكن.. عمّن يعبّر سعيّد؟

مثّل صعود قيس سعيّد إلى سدة الرئاسة أكبر مفاجأة شهدتها الحياة السياسية في تونس خلال العقد الأخير. قليلون من توقعوا بلوغه الدور الثاني للاستحقاق الرئاسي الذي حسمه لأسباب تتعلق خصوصاً بطبيعة منافسه، رجل الأعمال نبيل القروي، وبصورته.

بدا سعيّد لغالبية الفاعلين السياسيين والناخبين خياراً أفضل من القروي. فصورة الأستاذ الجامعي المتعفّف والمناهض للنخب الجديدة التي برزت على الساحة أغرت قطاعات واسعة من الناخبين بالتصويت ضدّ القروي الملاحق في قضايا فساد. كما أن تجربته السياسية المعدومة ومشروعه الطوباوي الطامح لإرساء أسس جديدة للسلطة تمتد أفقياً في المجتمع، أغرت أيضاً أحزاباً كثيرة رأت فرصة للاستثمار في الرجل وقد أوحى لها بإمكانية تطويعه.

برغم ذلك، اتخذ سعيّد في مرحلة الانتخابات وما تلاها مسافة من النخب الحزبية، إذ عبّر عن عدم اكتراثه بها سواء دعمته أو لم تدعمه، وصدّ محاولات التقرّب منه. واكتشفت حركة النهضة سريعاً أن الرجل الذي ساندته في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية حذر منها ولو أنّه لم يناصبها العداء بداية.

عمل الرئيس التونسي على إدماج الحركة الإسلامية في حكومة ترأسها إلياس الفخفاخ الذي اختاره هو بعدما اعتذر مرشح النهضة عن تشكيلها. لكنّ الحذر الكامن تحوّل تدريجاً إلى عداء بعدما عملت النهضة على إطاحة حكومة الفخفاخ عبر إثارة شبهة تضارب مصالح ضده، وتفاقم لاحقاً بعدما استمالت رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي عيّنه سعيّد واعتقد أنه أحد ثقاته.

انحسرت علاقة رئيس الجمهورية بكافة الأحزاب، حتى التي انحازت له في خصامه مع النهضة، وهي لم تنل الموقع الذي كانت تطمح إليه ولم تنجح في تحويله إلى رافعة لبرامجها، برغم أن بعضها لم يفقد الأمل في ذلك.

هذه الاستقلاليّة لسعيّد لم تقف عند حدود العلاقة بالأحزاب، بل بلغت حدّ اتخاذ مسافة من المثقفين والإعلام، ما رسّخ انطباعاً شعبياً لصورة السياسي الذي يعادي النخب المتخبطة وصار مطالباً بالتدخل لإصلاح وضع البلاد.

غير أنّ نبرة سعيّد وسلوكياته تبدو مغرقة في الشعبوية، لجهة جهله بطرق اشتغال الاقتصاد وحديثه المتكرر عن أعداء للشعب يتآمرون في “غرف مظلمة”، وترديده تهماً لشخصيات بارزة كانت قد جرى نشرها على صفحات مشكوك بصدقيتها في مواقع التواصل الاجتماعي

جدير بالذكر هنا الإشارة إلى أنّ موقع الرئيس في تونس يمثّل في المخيال الشعبي تجسيداً للسلطة، وكأنّ المجتمع ظلّ ينظر إليه في مرآة محدبة تظهره في صورة أكبر مما وردت في دستور عام 2014، وذلك بفعل عقود من الحكم الرئاسي المعزّز خلال حقبتي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

جاءت خطوة سعيّد في 25 تموز/يوليو بناءً على التصوّر الشعبي لأدوار الرئيس، وبناءً على تأويله للفصل 80 من الدستور الذي يخوّله إقرار تدابير استثنائية “في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد”، وقد لاقت ترحيبا واسعا في الشارع مع خروج الآلاف للاحتفاء بها في كافة مدن البلاد. وتتصاعد مذّاك الثقة في سعيّد وفق استطلاعات رأي متلاحقة، لتتجاوز التسعين بالمئة في آخرها.

قادر على الحكم.. بمفرده؟

برغم أنّ الخطوة بدت معدّة سلفاً، فإنّ قيس سعيّد لم يرفع التدابير الاستثنائية بعد انقضاء شهر، بل أعلن تمديدها “حتى إشعار آخر”. ولم يكلّف رئيس حكومة جديد، ما يثير تساؤلات حول مدى استعداده لما أقدم عليه، لا سيما وأنّه يتردد في بعض أوساط النهضة أنّها كانت تعد رفقة حلفائها في البرلمان لمحاولة عزله عن منصبه.

كما أنّه لم يعلن تدابير إضافية كبيرة في وقت تشهد عدة وزارات، ولا سيما رئاسة الحكومة التي لا تزال إداراتها مغلقة، فراغاً قد يؤدي إلى نتائج معاكسة لما يسعى إليه، وذلك برغم تأكيده شبه اليومي بأنّ خطواته كانت وستبقى ضمن إطار الدستور.

وبرغم وضع عدد من المسؤولين تحت الإقامة الجبرية، لم يقدّم رئيس الجمهورية إلى الآن “ملفات فساد كبرى” يتحدث عنها باستمرار، أمام القضاء الذي اتخذ في المقابل تدابير بحق برلمانيين ملاحقين بقضايا قديمة عادت إلى السطح بعدما رفع سعيّد الحصانة القانونية عنهم بمقتضى إجراءاته.

ومنذ شهر ونصف الشهر، ركّز سعيّد على القيام بزيارات غايتها إبراز إرادة الدولة في مقاومة الاحتكار والمضاربة التجارية، شملت مستودعات لحديد البناء ومنتجات زراعية، إضافة إلى استقباله ممثلين عن رجال الأعمال وحثّهم على خفض الأسعار.

غير أنّ نبرة سعيّد وسلوكياته تبدو مغرقة في الشعبوية، لجهة جهله بطرق اشتغال الاقتصاد وحديثه المتكرر عن أعداء للشعب يتآمرون في “غرف مظلمة”، وترديده تهماً لشخصيات بارزة كانت قد جرى نشرها على صفحات مشكوك بصدقيتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وابتعاد سعيّد عن التشاور لم يشمل الأحزاب ورفاقه القدامى فحسب، بل طاول الجميع تقريباً، باستثناء دائرة من المستشارين الرئاسيين ما انفكت تضيق وتتسع إلى أن استقرت قبل بضعة أشهر، وعلى رأسها مديرة ديوانه وزميلته في تدريس القانون نادية عكاشة.

استثنى من العزلة التي ضربها حول نفسه رؤساء بعض المنظمات، ولكن حتى هؤلاء يظهرون في تسجيلات اللقاءات التي تنشرها الرئاسة وهم أشبه بطلبة يتلقون حصة تدريسية فلا يتجاوز تفاعلهم طأطأة الرؤوس خلال محاضرات سعيّد المتشابهة لغةً ومحتوى. إلا أنّ رئيس أبرز تلك المنظمات، الاتحاد العام التونسي للشغل، لم يُدعَ إلى قصر قرطاج منذ 26 تموز حين التقى سعيّد لفهم ما أقدم عليه. وما انفكّ نور الدين الطبوبي يدعو إلى توضيح الخطوات المقبلة ووضع “خريطة طريق”، برغم تهكم الرئيس من المطلب الذي قال لدعاته أن يبحثوا عنه “في كتب الجغرافيا”.

إقرأ على موقع 180  راشد الغنوشي، عجوز تونس الأخير

زيارة القاهرة.. كأنّها “نقطة تحوّل”

بدا التململ السمة البارزة لمواقف الدول الغربية التي لم تستنكر الاجراءات الرئاسية الاستثنائية ولكنّها دعت للعودة سريعا إلى “النظام الدستوري”، وفق ما جاء في بيان أخير لسفراء دول مجموعة السبع في تونس.

ولم يكن التوصل إلى بيان مشترك بين الدول السبع أمراً سهلاً وفق مصدر على دراية بآليات عمل المجموعة في تونس، إذ إنّ بناء موقف موحّد يتطلب وفقاً له جهوداً حثيثة وتوافقاً واسعاً. وجاء موقف سفراء مجموعة السبع بعد محاولات للدول منفردةً في الحصول على تعهدات من قيس سعيّد لإنهاء “الوضع الاستثنائي”، لكنها لم تثمر.

وبيّنت تصريحات المستشار الرئاسي أن اهتمام قيس سعيّد ينصبّ بصورة خاصة على “تغيير النظام السياسي” من “برلماني معدّل” إلى رئاسي، ما يعني وأد الجمهورية الثانية بعد عقد فقط من ولادتها والتأسيس لثالثة. والإعلان عن خطوة سعيّد الثانية مسألة وقت، وفق وليد الحجام الذي قال إنها باتت “في مراحلها النهائية”

ولعلّ ما نشرته الرئاسة الفرنسية إثر مكالمة بين إيمانويل ماكرون وقيس سعيّد مطلع آب/أغسطس يوضح ذلك بشكل أفضل. فقد قال قصر الإليزيه إن الرئيس التونسي أشار إلى أنه سيعلن قريبا “خريطة طريق للفترة المقبلة”. لكن قصر قرطاج لم ينشر أي بيان حول الاتصال، ثم أدلى سعيّد بعد أيام بملاحظته التهكميّة حول دعاة “خريطة الطريق”.

كما أنّ وفدَي واشنطن اللذين زارا تونس، الأول من الإدارة والثاني من الكونغرس، لم يحصلا على توضيحات حول المستقبل برغم أنهما حثّا على الإسراع في العودة إلى الوضع الطبيعي.

ودعا نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التونسي فريد بلحاج، إلى الإسراع بتعيين رئيس للحكومة تكون له دراية بالشأن الاقتصادي من أجل التعامل مع البنك وصندوق النقد الدوليين، أبرز مقرضي وممولي تونس الغارقة في أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

وفي زيارة جديدة لوفد أجنبي إلى قصر قرطاج، أعرب ممثل الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيب بوريل إثر لقائه سعيّد يوم الجمعة الماضي عن “مخاوف” الإتحاد إزاء الوضع السياسي، موضحاً أنّ بروكسل تترقب “القرارات الملموسة التي سيتم اتخاذها في الأسابيع المقبلة”، وهو ما ردّ عليه الرئيس التونسي بالتشديد على أنّ “الوضع تطلّب اتخاذ تدابير استثنائية في إطار الدستور لتصحيح الوضع وإنقاذ الدولة والاستجابة لإرادة شعبية واسعة دون نيّة الارتداد على المكاسب (الديموقراطية) التي تحقّقت” منذ عام ٢٠١١.

أما عربياً، فقد لاقت تدابير قيس سعيّد ترحيبا لا سيما من الجزائر المجاورة والسعودية والإمارات والبحرين التي زار مبعوثون منها تونس مرات عدة مؤخرا، ومصر التي زارها قبل نحو شهرين من تحركه. ويرى بعض خصوم سعيّد أن زيارته إلى القاهرة على وجه الخصوص مثّلت “نقطة تحوّل”، لا سيما مع ما عبّر عنه من “تقارب وتطابق في الرؤى” مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي.

نحو جمهورية ثالثة؟

يظهر ممّا رشح عن كواليس قرطاج أن رئيس الجمهورية يفكّر بالفعل في تعيين شخصية اقتصادية على رأس الحكومة، لكنه يواجه صعوبات في ذلك. ويحرص سعيّد خاصة على ولاء من سيختاره، لا سيما بعد تجربته مع هشام المشيشي الذي تمرد عليه وتحالف مع النهضة بُعيد نيله الثقة في البرلمان.

وقد ترددت أصداء عن اعتذار محافظ البنك المركزي مروان العباسي عن تولي رئاسة الحكومة نتيجة اختلاف في الرؤى مع سعيّد، تتعلق خاصة بطلب العباسي العمل بكافة الصلاحيات الدستورية للمنصب وضرورة نيل فريقه الثقة من البرلمان.

سرت أيضاً معلومات حول إلغاء الرئاسة لقاءات مع مرشح واحد على الأقل للمنصب لأسباب غير معلومة، في وقت يعكس المشهد العام الضبابية المحيطة بآليات اتخاذ القرار في الرئاسة، لا سيما بعد تعيين سعيّد مسؤولين في الدولة ثم إقالتهم في غضون أيام أو أسابيع.

يسود الغموض كذلك مشاريع الرئيس التونسي الذي يؤكد إلى الآن التزامه العمل ضمن إطار الدستور برغم أنه من المرجح أن يدعو إلى تغييره بواسطة استفتاء شعبي. وفي حال تأكد خيار التوجه نحو وضع دستور جديد، وهو احتمال رجحه مستشار الرئيس وليد الحجام في تصريحات في 9 آب/أغسطس، معتبراً أن الدستور الحالي “عائق أساسي”، يُنتظر أن تتغير مواقف كثير من الأطراف المحليين والخارجيين من الحذر والتحفظ إلى التنديد.

وبيّنت تصريحات المستشار الرئاسي أن اهتمام قيس سعيّد ينصبّ بصورة خاصة على “تغيير النظام السياسي” من “برلماني معدّل” إلى رئاسي، ما يعني وأد الجمهورية الثانية بعد عقد فقط من ولادتها والتأسيس لثالثة. والإعلان عن خطوة سعيّد الثانية مسألة وقت، وفق وليد الحجام الذي قال إنها باتت “في مراحلها النهائية”.

ويبدو النظام الرئاسي خياراً شعبياً في تونس، في حين مثّل النظام الحالي خيار النخبة التي وضعته وحرصت عبره على توزيع السلطات كي لا تتركز في مؤسسة واحدة أو يتفرّد بها شخص. لكن برغم الدعم الذي يلقاه قيس سعيّد من الشارع، قد لا يكون الأخير كافياً للفوز في معركته ضدّ النُخب التي تحوز أوراق تأثير عبر مواقعها وشبكاتها التي بنتها وعززتها طوال العقد الماضي.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب وصحافي، تونس

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الفراغ الخليجي في لبنان.. هل تملأه مصر؟