حماية أبطال “جلبوع” أغلى من حريتهم

ألم نتفق إنه زمن الانتصارات. هو كذلك، وما عملية تحرر الأبطال الستة من سجن "جلبوع" إلا نصراً جديداً يضاف إلى مسار انتصارات ٢٠٠٠، ثم تموز/يوليو ٢٠٠٦، وما بعدها من انتصارات، ولا يقل أهمية عن أي منها.

هذه العملية البطولية، التي تعبر عن صلابة مجموعة فلسطينية من المناضلين، عملوا سنوات في الحفر البسيط والبطيء، لكي ينالوا حريتهم. هؤلاء هم التعبير الواضح عن إصرار الفلسطيني على التحرير والعودة، مهما طال الزمن، ومهما واجه من صعوبات، ومهما اقتضى ذلك من تضحيات، وصبر، وتحمل مشاق.

العملية أحيت الأمل في قلوب من كان لا يزال غير مقتنع بالتحرير، وقد دب اليأس فيه تعبيراً عن روح انهزام القوى التي تولت عملية المواجهة مع العدو في المرحلة السابقة على زمن الانتصارات. جاءت العملية لتحيي في كل عربي شعورا مستجدا بالنصر، والبطولة، والتأكيد أن التحرير آتٍ مهما طال الزمن.

عقب ١٩٤٨، امتشقت مجموعة من المناضلين الفلسطينيين السلاح، وبدأت المقاومة، وكانت “جبهة تحرير فلسطين” (جتف) طليعة المقاومة الفلسطينية للتحرير. تبعتها حركة “فتح” التي فتحت الباب للنضال الأوسع على مستوى فلسطين والمنطقة. ومرت القضية الفلسطينية بمراحل من المجابهة التي انتصر فيها العدو بدءاً من ١٩٦٧، وصولا لتبديد انتصارات حرب تشرين/أكتوبر ١٩٧٣، فتوقيع اتفاقيات كمب ديفيد (1979)، وخروج مصر من الصراع العربي ـ الصهيوني، بلوغا لاجتياح لبنان ١٩٨٢، وانتهاء باتفاقيات “أوسلو” نتيجة لكل تلك الهزائم، فاُخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من الصراع مع العدو، وأثمر “أوسلو” سلطة هجينة، وأداة عربية الهوية بيد العدو المحتل، هي بديل له في ملاحقة المناضلين، ومجاهدي حركات التحرر الفلسطينية المختلفة.

ولا ننسى كيف انتصرت حركة حماس في أولى انتخابات في بقعة السلطة الفلسطينية، لكن تدخل العدو، وداعمه الأكبر الأميركي، أعاد تثبيت محمود عباس رئيسا، ضاربا بعرض الحائط كل قيم الديمقراطية التي يدعيها، وجعل من عباس حارس مصالح الإحتلال السياسية، والعسكرية، والأمنية، ولا هم له سوى ملاحقة المناضلين، وإلقاء القبض عليهم، وتسليمهم للسلطات الاسرائيلية. هوان ليس بعده من هوان!

لا بد من المبادرة بأي ثمن لكبح جماح العمليات الأمنية التي تسير على قدم وساق في الأراضي الفلسطينية، بالتعاون بين السلطتين الاسرائيلية والفلسطينية، لتوقيف هؤلاء الأبطال الستة، لما يعنيه ذلك من قتل وإحباط لروح الثورة وصولاً إلى زرع اليأس في النفوس العربية

تأتي عملية تحرر الأبطال الستة لتفتح صفحة الانتصارات، من جهة، فتؤجج الأمل في نفوس مختلف الأجيال العربية، تردف بعمليتها انتصارات ما بعد العام ٢٠٠٠، حتى عملية “سيف القدس”، ومن جهة ثانية، توقظ في النفوس مخاوف تآمر السلطة الفلسطينية مع العدو لإلقاء القبض على الأبطال المحررين، وإعادتهم إلى السجن.

إن أي محاولة من هذا النوع، لاعتقال الأبطال لا تقل خطورة عن هزيمة ١٩٦٧، واجتياح ١٩٨٢. وإذا نجحت سلطات العدو، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية، في إعادتهم إلى السجن، تكون قد أحدثت صدمة سلبية خطيرة في نفوس الأجيال العربية المختلفة التي أحيت العملية فيها أمل التحرير، وتبدد انتصارا جديدا علينا تثبيته في صلب زمن الانتصارات.

إن عملية ملاحقة الأبطال الستة هي عملية خيانية كبرى، ويفترض مجابهتها، والرد عليها بكل قوة منعا لإعادة اعتقال هؤلاء الأبطال، وبالتالي منعا لوقوع هزيمة جديدة تحبط مسار انتصارات ما بعد ٢٠٠٠، لا بل يجب العمل على تسهيل عبورهم السهل إلى الأراضي الفلسطينية المحررة، تكريسا للانتصار، وحفاظا على حياة نماذج فذة من المناضلين العرب.

ولا بد من المبادرة بأي ثمن لكبح جماح العمليات الأمنية التي تسير على قدم وساق في الأراضي الفلسطينية، بالتعاون بين السلطتين الاسرائيلية والفلسطينية، لتوقيف هؤلاء الأبطال الستة، لما يعنيه ذلك من قتل وإحباط لروح الثورة وصولاً إلى زرع اليأس في النفوس العربية المستنهضة بالانتصارات المتتالية، وآخرها انتصار تحرر الأسرى الستة.

المطلوب اليوم حماية أبطال عملية سجن “جلبوع” بأي ثمن، ومهما كلف ذلك من تضحيات، وعدم الاكتفاء بالتهاني والتبريكات، لما يعنيه اعتقالهم من جديد من انتكاسة خطيرة، ولا سيما لجهة كسر مسار زمن الانتصارات، بهزيمة جديدة تعطي للعدو وأدواته دفعا جديدا في زمن انهيارهم، بينما أعطت العملية زخما جديدا، ورافدا آخر غير مرتقب لزمن الانتصارات. (الرسم للفنانة المصرية دعاء العدل).

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بوتين في دمشق وإسطنبول: ليبيا ثاني قاعدة متوسطية؟
سمير الحسن

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  رسالة إسرائيلية للبنان عبر باريس: إذا إندلعت الحرب هذه أهدافنا!