نحنُ والإنجليز.. مشاعر شاب مصري بلا رتوش

فجَّرت وفاة الملكة إليزابيث حالة من الجدل انقسم بين تيارين، أحدهما يشعر بلوعة فقد ملكة سابقة لامبراطورية سابقة، والآخر رأى في وفاتها كل الماضي الاستعماري الذي ذاقه العالم القديم والجديد على أيدي أول إمبراطوريات الزمن الرأسمالي.

تُشكل انجلترا جزءاً من المعسكر الامبريالي، ليس الجزء القائد لكنه جزءٌ رئيسي لم يفقد أهميته ولا تقاليده الاستعمارية برغم النهاية المأساوية التي شهدها في بورسعيد. ومن يذكر بورسعيد؟ تلك المدينة المصرية التي تقف على المدخل الشمالي لقناة السويس المصرية التي حفرتها أيادٍ مصرية في أراضٍ مصرية، وحين قامت الحكومة الوطنية المصرية بممارسة حق من حقوق السيادة عبر جعل القناة ملكاً للأمة، هبّت الامبراطورية في محاولة لاستعادة مجد استعماري مرّغته جحافل النازي في الوحل، هبّت الامبراطورية في 1956 كما هبّت في 1882 لتضرب في 1956 أحفاد من ضربتهم في 1882، هبّت الامبراطورية لتواجه من جديد من ذبحتهم في دنشواي في إطار تمدين بلدنا عبر كي روحها الوطنية وبتر كل شعور بالكرامة الوطنية والاستقلال الوطني.

ضرب مستر إيدن بلادنا، جاء الإنجليز إلى بورسعيد، مع الفرنسيين الذين أدمنوا لعب دور السنيد، والصهاينة الذين ليسوا أكثر من كلاب صيد أجيرة، وفي بورسعيد، مارس الإنجليز حضارتهم علينا، حتى أنه لم يبق في بورسعيد حجراً على حجر كرمز من رموز الحضارة التي جلبتها حكومة جلالة الملكة، التي جلبها التاج البريطاني إلى بلادنا “الهمجية” التي تحتاج إلى “التمدين”!

قبل محاولة احتلال بورسعيد بحوالي 115 عاماً، المحاولة التي تصدى لها أحفاد البطل الوطني أحمد عرابي، كان الإنجليز يفرضون على بلادنا أن تفتح بابها لرياح المدنية الغربية، والمدنية هي بالطبع اليافطة التي تختفي خلفها السلع، رؤوس الأموال، القروض، إنها اليافطة التي تخفي الجوهر النهبوي للوجود البريطاني في المستعمرات، وهي اليافطة التي تحتها مارس الإنجليز شتى أنواع الجرائم الدموية واستباحة الأوطان وهو سلوك قُطاع الطرق. استسلمت أسرة محمد على وسلَّمت البلاد لبيوت المال الإنجليزية والفرنسية، ووصل الأمر في عهد اسماعيل لفرض رقابة ثنائية على مداخيل بلدنا ومدفوعاتها لخدمة الدين الذي أغرقوا به البلد عبر جروهم اسماعيل. ثم جاء محمد توفيق، وقام عرابي كي يكسر الطوق، قام عرابي كي يفك قيد العبودية عن رقبة البلد، كي يحرر ما استعمروه عبر السلالة الأجنبية العميلة وكبار مُلاّك الأرض الذين وضعوا أنفسهم بالكامل في خدمة أرباحهم وأرباح الامبرياليين، وحجزوا تطور البلاد.

في تاريخنا كله، لم تضاهِ همجية الاستعمار العثماني سوى همجية الإنجليز، لكن الذي حدث هو أن أجيالاً عديدة جُهِّلت وطوردت بكذبة التمدن الغربي، أجيالاً طُمست علاقتها بتاريخ بلادها ووقعت في غرام مستعمِرها القديم الحديث، الاستعمار الذي ما يزال ينشب مخالبه في قوت البلد والشعب عبر احتكاراته ووكلائه

قام عُرابي فجاءت مدافع الإنجليز، قصفوا الإسكندرية، بعد أن افتعلوا مجازر طائفية وكأنهم حراس التعايش، هؤلاء الذين قاموا بشن حروب صليبية تختفي خلف الدين لاستعمار البلاد، جاء الهمج، سفاحو الهنود الحمر، الذين اصطادوا العبيد من افريقيا بالشباك وبادلوهم بالذهب في أمريكا اللاتينية التي شاركوا في نهبها عبر الوسطاء الأسبان والبرتغاليين، جاء هؤلاء ليعلموننا “المدنية”، وهم ما جاءوا إلا لتأبيد الحكومة التي تُسدّد الديون وتسفح أقوات المصريين لتنقلها قيمة فائضة لروتشيلد ومورجان وصحبهما.

عبر الخيانة دخلوا بلادنا، عبر الخيانة استعمروها، وبرغم الخيانة صمد أجدادنا، وبرغم الخيانة ردُّوهم في كفر الدوار، وبرغم الخيانة أدموهم في التل الكبير، يقف جدنا الشهيد محمد عبيد مثالاً لعظمتنا.. ولخستهم، يقف جسده الذي انصهر بلهيب مدفعه كشاهد على نبل قضيتنا ونذالة وجودهم. من الهزيمة في 1882 وحتى إهانتهم في بورسعيد في 1956، شهدت بلادنا كل الأسى والضيم، عانى أبناء البلاد الذل، الفاقة، القتل. استخدمونا في حربين، ذبحونا في دنشواي، في 1919، على كوبري عباس في 1935 و 1946! حوّلوا البلاد إلى مزرعة القطن خاصتهم، حرّموا علينا زراعة ما نحتاج، واصلوا سياسة ضرب كل إمكانية لتطوير صناعة وطنية حقيقية، فرضوا علينا تصدير القطن الخام واستيراده في هيئة ملابس، زرعوا لنا الكيان الصهيوني على مرمى حجر يهددونا به إذا نحن حاولنا رفع الرأس. خلقوا منظمة الإخوان المسلمين ولم يتوقفوا عن استخدامها ضد البلاد.

في تاريخنا كله، لم تضاهِ همجية الاستعمار العثماني سوى همجية الإنجليز، لكن الذي حدث هو أن أجيالاً عديدة جُهِّلت وطوردت بكذبة التمدن الغربي، أجيالاً طُمست علاقتها بتاريخ بلادها ووقعت في غرام مستعمِرها القديم الحديث، الاستعمار الذي ما يزال ينشب مخالبه في قوت البلد والشعب عبر احتكاراته ووكلائه.

أجيالٌ تحن لعصر أسرة الألباني الأجنبية، تعادي الجمهورية الوطنية وتشعر بالحنين لمستعمِر شرّد وقتل ودمّر حيوات ملايين من الأجداد، إن هذا المستعمِر لا يربطنا به إلا الحلم بالقضاء عليه، والتطلع لرد دين مئات من السنوات مارست فيها الامبريالية الإنجليزية جريمتها بحق شعوب الجنوب التاريخي.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  صرخة ديزموند توتو الأخيرة
راجي مهدي

كاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الآن في طرابلس.. تجارب أهلية تستحق التحية