

تفسّر التجارب الكلاسيكية في علم النفس الاجتماعي لماذا يدفع العارف كلفة اجتماعية فورية. أظهرت تجارب الامتثال الجمعي أن الأفراد يميلون إلى مسايرة الجماعة حتى عندما تكون مخطئة، خشية النبذ أو رغبة في الانسجام. معنى ذلك أن إعلانك موقفاً معرفياً مخالفاً يُقرأ كتهديد لا كخدمة للحقيقة. وتضيف “حلزونية الصمت” أن الأقليات المعرفية تميل إلى خفض الصوت حين يستشعر أفرادها هيمنة رأي عام مضاد؛ ومن ثم تصبح السمعة “السّيئة” مجرد أثر جانبي لقانون سيكولوجي بسيط: من يرفض الصمت يرفع كلفة الجماعة في التبرير، فتسارع لمعاقبته بالوسوم والألقاب.
غير أن المسألة ليست نفسية فقط؛ إنها أيضاً سياسية. فالمعرفة قوة، كما نُبّه مراراً، ولذلك تتحالف السلطة مع اللغة والمؤسسات لترسيم حدود الحقيقة المقبولة. يتحول ما يسميه فلاسفة “العلم العادي” إلى منظومة مغلقة تحمي المألوف وتشكّ في الطارئ. ضمن هذه المنظومة، لا يُكافَأ المبتكر فوراً؛ لا بل غالباً ما يُتّهم بزعزعة الإجماع. كل انقلاب معرفي كبير مرّ بممر إجباري من سوء الفهم وسوء السمعة: اتُّهم الفلاسفة والمصلحون والمحققون الأوائل في الطبيعة والدين والسياسة بالتجديف أو التخريب قبل أن تُعاد كتابة القواعد على نحو يبرّر أسئلتهم. هكذا يعمل التاريخ: الحقيقة الجديدة تكلّف أصحابها زمناً من العزلة قبل أن تصبح “أمراً بديهياً”.
تتضاعف المشكلة في زمن “السوق الرمزية” للمعلومات. نحن أمام اقتصاد يُفضّل الإثارة على الدقة، والسرعة على الفهم، والاصطفاف على التحليل. منصّات التوزيع الرقمي تكافئ الخطاب المؤدلج لأنه قابل للتنبؤ، وتُقصي الخطاب الاستقصائي لأنه بطيء ومعقّد. ومع أن العالم لم يكن يوماً أغنى بالمصادر، إلا أن كثرة المتاح لا تعني جودة المتناول. هنا تنشأ مفارقة لافتة للانتباه: من يغوص في النصوص والبيانات والمنهجيات يبدو “غريباً” وسط جمهور اعتاد الخلاصات القصيرة؛ يصبح “المتخصص الثقيل” أقل حظاً في المخيال العام من “المعلّق الخفيف”. ومن ثم تولد السمعة “السيئة” من احتكاك معرفي بسيط: منطق المنصة لا يحتمل بطء المختبر.
وللمسألة أيضاً بُعدٌ ثقافيّ طبقي. المجتمعات تملك ما يمكن تسميته “الرأسمال الرمزي” يُوزَّع على الفئات وفق معايير الهيبة واللغة والذوق العام. حين يقتحم العارف منطقة محظورة، يستجوب مسلّمة دينية أو طائفة سياسية أو احتكاراً اقتصادياً، فإنه يهدد ليس “معلومة” بل مكانة، والناس يدافعون عن مكانتهم كما يدافعون عن مصالحهم. هكذا يُستدعى الخطاب الاتهامي: خيانة، تغريب، نخبوية، خروج على الجماعة. ليست هذه الأوصاف نقاشاً معرفياً؛ إنها آليات ضبط اجتماعي تحوّل السؤال إلى خطيئة.
مع ذلك، لا يبرّئ هذا التحليل العارفين من النقد الذاتي؛ فالمعرفة من دون تواضعٍ ومن دون هندسة خطابية مراعية للسياق تتحول إلى حائطٍ آخر، لا إلى جسر. لذلك فإن الدفاع عن المعرفة لا يكتمل بانتقاد “المستلبين” فقط، بل ببناء لغةٍ وسلوكٍ يعيدان وصل المعرفة بجمهورها: تدريب على الإصغاء، إدراك لحدود التخصص، واستعداد لتعلّم بقدر استعداد للتعليم.
يتأسس العمل المعرفي الجاد على فضائل منهجية: حبّ الإثبات بالتجربة لا بالشعار، القابلية الدائمة للتكذيب، تمييز الرأي عن الدليل، ومعرفة أن الشك ليس هواية هدّامة بل أداة صيانة للحقيقة. هذه الفضائل تحول الباحث من “متمرّد مزعج” إلى “حارس يقظ” على معايير النقاش العام. الفرق بين التمرد العبثي والتمرّد المعرفي أن الثاني يقدّم بديلاً قابلاً للفحص لا مجرد هتاف. هنا يتبدل معنى السمعة: ما يُرى عصياناً اليوم قد يُقرأ غداً حصافةً منهجية.
تاريخ الأفكار يوفر أمثلة دامغة: ليس المقصود سرد أسماء بقدر ما هو إضاءة النمط المتكرر. كلما تقاطع السؤال الحر مع مصالح متخشبة وخطابات متضخمة، دفع السائل الثمن فوراً ونال الاعتراف لاحقاً. حتى في ثقافتنا، عانى مجددون في الفكر والأدب والتأويل من اتهامات قاسية قبل أن يتحوّل بعض نقدهم إلى “تراث نقدي”. يخبرنا ذلك أن المجتمع ليس كتلة واحدة؛ إنه ساحة شدّ وجذب بين محافظين ومغامرين، بين مؤسسات ترسّم الحدود وأفراد يوسّعونها، بين دعاية تريد العالم بسيطاً وتربيةٍ تريد العالم معقّداً كما هو.
أخلاقياً، لا تصبح السمعة “الرديئة” هدفاً بحدّ ذاته؛ هي ضريبة محتملة، لا وساماً للتباهي الفارغ. الامتحان الحقيقي أن تبقى مشغولاً بمشروعية وسائل البحث لا بمجد الذات. إنّ تحويل العداء الاجتماعي إلى طاقةٍ بنّاءة يقتضي جسارةً هادئة: دفاعاً عن الحوار المفتوح لا عن استعراض الذكاء، وعن الشراكة في إنتاج المعنى لا عن احتكار الحقيقة. حينئذٍ فقط يصبح “وسام العارف” معناه الدقيق: اعتراف صامت بأنك اخترت كلفة الحقيقة على راحة الانسجام.
عملياً، كيف نحول المعرفة من “تهمّة” إلى “ثقافة”؟ البداية من التعليم بوصفه تدريباً على الشك المنضبط لا حشواً للمعلومات. ثم من الإعلام بوصفه تمكيناً للعموم من أدوات التحقق لا سوقاً للانفعالات. ثم من الجامعة ومراكز الأبحاث بوصفها منصات لالتقاء التخصصات لا متاحف للشهادات. ويأتي دور السياسات العامة في حماية النقد من سيف الرقابة ومن فوضى التشهير معاً؛ حرية التفكير ليست مطلقة بلا مسؤولية، لكنها أيضاً لا تُقايَض بهدوءٍ زائف. وأخيراً، نحتاج إلى ثقافة مواطنية تعتبر تغيير الرأي فضيلةً عند ظهور الدليل، وتعدّل تفضيلاتها المعرفية كما تعدّل ذائقتها الفنية.
في المستوى الفردي، ثمة مهارات ناعمة تحمي العارف من سوء السمعة المُستحق وغير المستحق: فنّ طرح السؤال بلا استفزاز مجاني، بناء جسور مع المختلفين فكرياً لا اصطياد الزلات، إتقان سرد القصّة التي تحمل الفكرة إلى المتلقي بلغته لا بلغتنا، وتعلّم اقتصاد الجدال، متى نناقش ومتى ننسحب، وأين يثمر الجهد وأين يضيع. هذه ليست مساومات على الحقيقة؛ إنها هندسة لعبورها.
يبقى أن نميّز بين “الجهل” كحالة طبيعية وبين “تقديس الجهل” كخيار ثقافي وسياسي. الأول يُعالج بالتعليم والمعايشة، والثاني يُكافَح بفضح شبكات المصالح التي تعيش على إعادة إنتاجه. إن أشد أشكال الجهل فتكاً هو ذاك الذي يتزيّن بلباس اليقين ويستند إلى سلطاتٍ رمزية تحرم السؤال وتكافئ الترديد. في مواجهته، لا تكفي النوايا الطيبة ولا الموسوعات المكدّسة؛ يلزم تحالف أخلاقي بين مؤسسات وقيم وممارسات تضع الدليل فوق الولاء، والإنصاف فوق الانفعال.
عند هذه العتبة يصبح “سوء السمعة” بين المطمئنين إلى ضجيجهم شهادةً على أنك التزمت معياراً أعلى من التصفيق: معيار الحقيقة المتحركة التي لا تُختزل في شعار. قد لا يمنحك المجتمع وسام شرف، وقد تُتهم بكل ما يسهّل تبرير إقصائك، لكنك، إذا حفظت أدب الحوار وصلابة المنهج، تحمل وساماً لا يمنحه أحد ولا ينتزعه أحد: حرية أن تسأل حين يصمت الآخرون، وأن تفكّر حين يكتفي الناس بالترديد، وأن ترى أبعد قليلاً من حدود الجماعات المستلبة. هذا الوسام وحده كفيل بأن يحوّل السمعة السيئة في زمنٍ يقدّس الجهل إلى علامة جودةٍ إنسانية لا لبس فيها.