

ردّت إيران بهجمات صاروخية باليستية اخترقت منظومات الاعتراض الإسرائيلية المتطورة، وأصابت أهدافاً أمنية واقتصادية في العمق الإسرائيلي، وفي المقابل، نجحت إسرائيل جزئياً في دفع الولايات المتحدة إلى التدخل عبر ضربة استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية، وبرغم تصريحات ترامب حول تدمير البرنامج النووي، أظهرت تقارير استخباراتية أميركية مُسرّبة أنها لم تحقق سوى تأخير تقدّم إيران نووياً بضعة أشهر.
ردّت إيران لاحقاً بضربة محدودة على قاعدة العديد الأميركية في قطر، ما مكّنها من الحفاظ على ماء الوجه وإنهاء التصعيد مبدئياً، مع إعلان وقف إطلاق النار من الجانب الأميركي. ومع ذلك، بقي التزام الطرفين بهدنة طويلة الأمد غير مضمون النتائج، لا بل عاد الحديث مؤخراً عن احتمالات معركة جديدة بين الجانبين الإيراني والإسرائيلي قبل نهاية العام الحالي!
الغموض النووي
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الهدف الأساسي للحرب كان تدمير البرنامج النووي الإيراني وصواريخ إيران الباليستية، مع محاولة حثّ الشعب الإيراني على التمرد وتغيير النظام. لكن هذه الأهداف لم تتحقق، فالتقنية والخبرة النووية متوفرة وبرنامج الصواريخ الباليستية يتعزز أكثر فأكثر في ظل الحديث عن ادخال منظومات صاروخية جديدة إلى المعادلات؛ زدْ على ذلك أن إيران أظهرت وحدة وطنية والتفافاً شعبياً حول قيادتها، بما في ذلك من يُعارضون النظام في الداخل.
في ضوء ذلك، يصعب تحديد الطرف المنتصر في هذه المواجهة؛ فرغم الضربات الاستباقية الإسرائيلية، تمكنت إيران من استعادة زمام المبادرة عبر تعيين قيادة عسكرية بديلة ومواصلة قصف العمق الإسرائيلي على مدى إثني عشر يوماً من القتال. أما الضربة الأميركية التي استهدفت المنشآت النووية، فقد أظهرت محدودية التأثير الاستراتيجي على البرنامج النووي الإيراني، مع بقاء المعرفة والبنية التحتية قابلة للاستعادة، ومصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب مجهولاً أو موضوعة في خانة “الغموض النووي”.
انتهاء عمر الاتفاق النووي
على المستوى التفاوضي، لم تغير الحرب موقف إيران تجاه التخصيب المحلي لليورانيوم ضمن برنامجها النووي السلمي، وأعلنت طهران رفضها العودة إلى الحوار ما لم تحصل على ضمانات أميركية بعدم استهدافها مجدداً. وترى القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة حوّلت العملية الدبلوماسية إلى أداة هجومية تكتيكية، بدلاً من أن تكون مسار تفاهم.
في المقابل، واصلت إدارة ترامب سياسة “الضغوط القصوى” على إيران، والتي تشمل تشديد العقوبات الاقتصادية وبخاصة على صادرات النفط، إضافة إلى استخدام الحلفاء الإقليميين للحد من نفوذ إيران. وفي الوقت نفسه، تحرّكت الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) من خلال مجلس الأمن لإعادة تفعيل آلية “سناب باك” ضد إيران مع بدء العد العكسي لانتهاء عمر الاتفاق النووي في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
العقوبات الاقتصادية والسياسية
لم تكتفِ الولايات المتحدة بالضغط على إيران. فرضت عقوبات جديدة على كيانات عراقية متهمة بتسهيل بيع النفط الإيراني، وقامت بتقييد إعفاءات استيراد الطاقة. وتستخدم إيران السوق العراقية لتجاوز العقوبات عبر شركات محلية ووسطاء، مع استمرار اعتماد بغداد على الغاز والكهرباء الإيرانيين، ما يعكس أهمية وحساسية تحدي الالتفاف على العقوبات.
التحركات الإقليمية
وفي موازاة الضغط الاقتصادي والعقوبات، ينبغي التوقف عند المؤشرات الإقليمية الآتية:
o في جنوب القوقاز، أثمر اتفاق السلام الأميركي بين أرمينيا وآذربيجان إنشاء ممر زنغزور الواقع تحت النفوذ الأميركي قرب الحدود الإيرانية، ما يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني ويحدّ من نفوذ طهران الإقليمي.
o في غزة، أضعفت الحرب المستمرة منذ حوالي السنتين قدرات حركة حماس عبر حصار مشدد وعمليات استنزاف، مما يترك مستقبل المقاومة الفلسطينية غامضاً.
o في العراق، تمارس واشنطن ضغوطاً لإعادة ترتيب علاقات الحكومة مع إيران، مع محاولات لتفكيك الحشد الشعبي وتقييد نفوذ الفصائل الموالية لطهران.
o تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون، بقيادة السعودية، لتقويض كل محور المقاومة والحد من نفوذ إيران الإقليمي، مستفيدين من الحرب الإسرائيلية على فلسطين ولبنان وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا وقطع طرق الإمداد الإيرانية.
التحولات السعودية–الإيرانية
في 10 آذار/مارس 2023، أعاد اتفاق برعاية صينية العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية بعد سبع سنوات من القطيعة. ومع ذلك، تظل ملفات البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران للحوثيين وحركات المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان سببًا للتعامل الحذر من قبل دول الخليج، وعلى رأسها السعودية. العلاقات بين الطرفين معقدة، بتداخل الأبعاد الدينية والسياسية والاستراتيجية التي تؤثر مباشرة على استقرار المنطقة.
الاتجاهات والتوقعات المستقبلية
- الضغوط الأميركية على إيران: ستستمرالضغوط الأميركية والغربية على إيران من خلال العقوبات الاقتصادية بالدرجة الأولى.
- الموقف الروسي: سيظل براغماتياً وحيادياً. سعت روسيا لموازنة شراكتها مع إيران ومصالحها في الشرق الأوسط، متبنية موقفاً براغماتياً وحيادياً في الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، ما قلّل من قدرتها على تقديم ضمانات نووية لطهران.
- الضغوط على حلفاء إيران: استمرار استنزاف قدرات حركة حماس في غزة، مع جهود لتقويض حزب الله في لبنان، فضلاً عن زيادة الضغط على “انصار الله” في اليمن من أجل الحد من قدرتهم على إيذاء الإسرائيليين، بدليل الضربة التي تعرض لها الحوثيون في الساعات الأخيرة وأدى إلى مقتل معظم وزراء حكومة صنعاء.
- العلاقات السعودية–الإيرانية: نجاح رؤية 2030 السعودية مرتبط بخلق بيئة مستقرة في السعودية والإقليم، ما يستلزم إدارة دقيقة للتوتر مع إيران لحماية أهداف التنمية والاستثمار في المملكة.
- الاتجاه العام الإقليمي: من المتوقع استمرار حالة التوازن الهش في المنطقة مع تفاعل مستمر بين الضغوط الأميركية الإسرائيلية؛ البراغماتية الروسية؛ استراتيجيات إيران الاحترازية.
في الخلاصة؛ تُظهر حرب “الأسد الصاعد” مدى هشاشة التوازن الإقليمي وتعقيد العلاقات بين القوى الكبرى والإقليمية. فبرغم الضربات الاستباقية والضغط العسكري والاقتصادي، بقي البرنامج النووي الإيراني على قيد الحياة، وأظهرت إيران قدرة على الصمود وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية. في الوقت ذاته، ساهمت الضغوط الأميركية في تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، بينما اتخذت روسيا نهجاً براغماتياً يحد من دورها كضامن استراتيجي لإيران. تبقى الساحة الإقليمية في حالة توتر مستمر، مع بقاء ملفات غزة ولبنان والعراق محورية، ما يستدعي إدارة دقيقة للتوازنات غير الثابتة.