مجدداً.. عن لبنان و”بدو الخليج” ومطاردة السوريين 

تبيح الممارسة السياسية في الشرق إسقاط الحقائق وتشويهها، وعلى الأغلب يعمل السياسيون في هذا الشرق الرديء، على تصوير الفعل السياسي بأنه مقارعة بين الحق والباطل، وحين تتبدل المعادلات وتنقلب الخصومات والنزاعات تفاهمات وتحالفات، يُعاد النظر في كل خطاب سبق، بما فيه  أسئلة الحقانية والبطلانية كما يقول أهل الفلسفة.

في “السياسة اللبنانوية” المقيتة، درجت منذ سنوات “ثقافة التشويه”، فرعها الأول يصوّب نحو أهل الخليج بإعتبارهم بدواً متخلفين منذ كانت الخليقة حتى يومنا هذا، وفرعها الثاني يصوّب نحو السوريين بإعتبارهم “عمالقة الجن ومردته” مثلما جاء في تصنيف المستحيلات الثلاثة، ويبغون ابتلاع لبنان ويهددون هويته وتركيبته وخصوصيته، وآخر من خاض غمار الهيجاء والهوجاء في مضمار التشويه والتعنصر، وزير خارجيتنا المستقيل ـ المتنحي شربل وهبه، وناصبو الحواجز الطيارة الذين عملوا على ملاحقة السوريين الذاهبين إلى سفارة بلادهم في منطقة اليرزة القريبة من بيروت الشهر الماضي.

من هم بدو الخليج؟

تأخذ الإجابة على هذا السؤال اتجاهين: الأول، قبل ميلاد السيد المسيح، والثاني، بعد الفتح العربي لبلاد الشام والعراق في القرن الميلادي السابع، والبداية من قرون ما قبل الميلاد:

يختلف علماء التاريخ والحضارات، حول أيهما أسبق: الحضارة الرافدينية في بلاد ما بين النهرين، أو حضارة مصر الفرعونية، وإذا كان الخوض في سباق الأولية لا طائل منه على ما يذهب كبيران من مؤرخي القرن العشرين، الإنكليزي أرنولد توينبي Arnold Toynbee (1889 ـ 1975) والأميركي ويل ديورانت Durant Will (1885 ـ1981)، فإن السؤال الذي تطرحه حضارة بلاد ما بين النهرين: من أين جاء بناة هذه الحضارة وما هو الموطن الأول للآكاديين والبابليين والأشوريين والكلدانيين؟ وهم شعوب الحضارة الرافدينية.

قبل محاولة الإجابة على السؤال السابق الذكر، من الضروري استحضار بعض الرموز من حضارة بلاد ما بين النهرين، مثل شرائع حمورابي (2123 ـ 2080 ق.م) وهي التي تأخذ مكانة الصدارة التاريخية الأولى في كيفية تنظيم المجتمعات وضبطها، وكذلك الحال مع اللغة المسمارية التي سبقت اللغات السامية في تطورها الكتابي أو في أدبها المكتوب على الألواح الطينية وتعود للألف الثالث قبل الميلاد، وإذ اختلف المؤرخون حول منشأ هذه اللغة وأعادوها إلى نسب مجهول كما هي حال السومريين، فإن ملحمة جلجامش، لا شك، في كونها أقدم أنواع الملاحم الدينية والأدبية والبطولية التي عرفها البشر، سابقة بذلك الأوديسة والألياذة اليونانيتين بما لا يقل عن ألفي عام، وهذه الملحمة أخذت طريقها من اللغة السومرية إلى اللغتين الآكادية والبابلية الساميتين.

تلك رؤوس عناوين لآداب ولغات وقوانين “بدو الخليج” القدماء، ولكن كيف جاء هؤلاء “البدو” إلى العراق وبنوا بين نهريه واحدة من أعظم حضارات العالم؟ لندع  جانبا، ما يقوله العرب والعروبيون، العقلاء منهم والشوفينيون، حول حسب ونسب الآكاديين والبابليين والأشوريين والكلدانيين، وليأخذ الكلام مجراه في ما يقوله الإفرنج وأهل الغرب: في “تاريخ البشرية” يقول أرنولد توينبي “من الممكن أن نفترض أن الآكاديين، ومثلهم الكنعانيون، كانوا قد جاؤوا من الجزيرة العربية، ذلك أن الموجات المتعاقبة من الشعوب المتكلمة بالسامية، كالموجة الآرامية الكلدانية والموجة العربية، جاءت من تلك المنطقة، أي الجزيرة العربية”.

الحضارة والتاريخ

وعلى النحو السابق ينحو المؤرخ الإيطالي وعالم الحضارات المعروف سبتنيو موسكاتي، في كتابه “الحضارات السامية القديمة” فيقول “في جدول الأنساب قائمة أبناء سام بن نوح، أرام وأشور، أي الأراميين والأشوريين، وأن الشعوب التي تتكلم اللغات السامية وفدت عبر العصور التاريخية من الجزيرة العربية، وقد اختلف مدى اندماج المهاجرين البدو في المجتمعات المستقرة من شعب إلى آخر، فبعضهم كالبابليين والأشوريين، تركوا أساسا أساليبهم الأولى في التفكير والحياة”.

إذا.. “البدوي” يتطور ويبني حضارات شامخة، بل قد تكون حضارته جذر الحضارات إذا ما تم التفكر والتأمل بما يذهب إلى ترجيحه ويل ديورانت حين يستعين برأي العالم الألماني شوينفرت القائل بأن “الحضارة، وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المدجنة، قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة، ثم انتشرت منها بصورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين ومصر”.

تلك “حقيقة طريفة وعظيمة الخطر” مثلما يصفها ديورانت، وعلى جوانب هذه الحقيقة يطل هذا السؤال: هل تسمع بالأسبوع والأيام السبعة ومن أبدع تنظيم الأيام وأورثها إلى الأجيال الراهنة؟

هذا السؤال يسأله حرفيا صاحب كتاب “قصة الفن” الذائع الصيت عالمياً، المفكر والمؤرخ النمساوي إرنست غومبريتش (1909ـ2001) في كتابه “مختصر تاريخ العالم” وعلى سؤاله يجيب قائلاً “عبد البابليون والأشوريون الشمس والقمر والنجوم، وفي الليالي الصافية، كانوا يراقبون السماء ويسجلون ما يشاهدونه، وسرعان ما ميزوا بين  النجوم واكتشفوا الكواكب السيارة وأعطوها أسماء، تلك الكواكب عرفوا منها خمسا، وأضافوا إليها الشمس والقمر، فكانت الأيام السبعة”.

وبالعودة إلى شيخ المؤرخين ويل ديورانت، فلا يأخذ منه الضيق والتعب مأخذاً، حين يُسهب ويُطيل في التجوال في فضاءات حضارة البدو في العراق، فمدينتا بابل ونينوى كانتا “أعظم وأبهى مدينتين في العالم القديم”، ففي بابل الحدائق المعلقة والبرج الذي أريد منه الوصول إلى السماء، وأقدم مجرى مائي يجري فوق القناطر، ومنها تعلم اليونان الحساب والفلسفة، وعنها أخذ اليونانيون أسطورة سميراميس، ومن الأشوريين استفاد نابوليون بونابرت من فنون الحرب والعلوم العسكرية.

جيمس هنري برستيد: “في عام 3000 قبل الميلاد، كان الساميون يتوافدون من الصحراء ليستقروا في الجزء الغربي من الهلال الخصيب، ولم يأت عام 2500 حتى نراهم يعيشون في مدن تحيط بها الأسوار، هؤلاء هم الكنعانيون، أما الفينيقيون فاستوطنوا الشاطىء الشمالي لسوريا، وهؤلاء القوم بدو كغيرهم، ولكن لم يلبثوا حتى أخذوا يجوبون البحار، وأصبح ميناء جبيل من أقدم موانىء فينيقيا وأهمها”

من الجزيرة العربية وبلاد الرافدين إلى فينيقيا 

إقرأ على موقع 180  إنه وباء الركائز والجدران المتكسرة

يُقر أساطين التأريخ وكبار المؤرخين بأن أوغاريت وطرابلس وجبيل وصيدا وصور، عرفت مجدا من الثراء والغنى والثقافة والفن والتجارة والصناعة، ما لم تعرفها مدن العالم في أزمانها  الموازية، ويكفي القول إن الفينيقيين في الدورة الحضارية الثانية (بعد الرافدينية والفرعونية) أسهموا في تشكيل العقل البشري من خلال حروف الأبجدية كما يقول غومبريتش في “مختصر تاريخ العالم” حيث “لا يمكن أن تنسى الفينيقيين بعد اليوم”، فيما المؤرخ المعروف فلافيوس يوسيفوس (37 م ـ 100) يرى “أن الإغريق آخر من تعلم الكتابة، وعلمهم إياها قدموس الفينيقي” والأمر عينه يراه القديس كيرلس الإسكندري (380 م ـ 444)، حين يقول “إن اليونانيين لم يعرفوا الكتابة قبل أن ينقل قدموس الألفباء إليهم من فينيقيا”.

وفي كتاب “أصل اللغات”، يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712ـ 1778) من “الواضح أن الأبجدية اليونانية متأتية من الأبجدية الفينيقية، سواء أكان قدموس هو الذي جاء بها من فينيقيا أو غيره”.

من أين جاء الفينيقيون؟ وهل هم بدو؟

يقول أبو التاريخ، هيرودوتس (القرن الخامس قبل الميلاد) “إن المهد القديم للفينيقيين شواطىء البحر الأريتري، ثم هاجروا إلى البحر المتوسط، واستقروا في المناطق التي يقيمون فيها الآن، حتى شرعوا كما يقال في رحلات طويلة يحمّلون سفنهم من منتجات مصر وأشور”، وأما الجغرافي الإغريقي استرابون (توفي  سنة 25 للميلاد) فيعيد موطن الفينيقيين إلى بلاد الدلمون، أي بين مملكة البحرين الحالية وجنوبي العراق، ولا يبتعد أحد أشهر علماء “الشرقيات” المؤرخ الأميركي جيمس هنري برستيد James Henry Breasted عن إدراج الفينيقيين في سياق الجذور البدوية، فيقول “في عام 3000 قبل الميلاد، كان الساميون يتوافدون من الصحراء  ليستقروا في الجزء الغربي من الهلال الخصيب، ولم يأت عام 2500 حتى نراهم يعيشون في مدن تحيط بها الأسوار، هؤلاء هم الكنعانيون، أما الفينيقيون فاستوطنوا الشاطىء الشمالي لسوريا، وهؤلاء القوم بدو كغيرهم، ولكن لم يلبثوا حتى أخذوا يجوبون البحار، وأصبح ميناء جبيل من أقدم موانىء فينيقيا وأهمها”.

البدو وكما يبدو في كتب العلماء والخبراء، أقاموا أهم الحضارات التاريخية قبل الميلاد، وأما بعده، فالبدو أنفسهم شيّدوا دورة أخرى من الحضارة فاقت ما سلف وتقدم، وحتى لا يطول الشرح، تكفي الإشارة إلى ما كانت عليه الدولتان العباسية والأندلسية، وجل قادة الدولتين من جزيرة العرب.

من التاريخ إلى الحاضر، ومن مطاردة البدو بالتخلف إلى مطاردة السوريين بالحواجز الطيارة، فما مصلحة لبنان واللبنانيين من ذلك؟ لعل بعض المراجعات العقلانية يفيد ويناسب:

ـ جاء في البيان الوزاري الذي ألقاه رئيس الحكومة سامي الصلح في الثاني من أيلول/ سبتمبر عام 1945 “التعاون مع سوريا الشقيقة تأييداً لمصالح البلدين ومع البلاد العربية بمقتضى ميثاق الجامعة العربية”.

ـ في أول بيان وزاري لأول حكومة لبنانية بعد الإستقلال، وقف رئيس الحكومة الراحل رياض الصلح في مجلس النواب وقال “يقتضي تنظيم الإستقلال، وأن تعمد الحكومة إلى تسلم جميع صلاحياتها كحكومة دستورية شرعية لدولة مستقلة، وهي على ذلك، ستقوم بالإتفاق مع شقيقتها سوريا على إدارة ما نعرفه اليوم بالمصالح المشتركة”.

ـ  ورد في خطاب القسم للرئيس كميل شمعون عام 1952 “إن الشعب يطلب أن يسود التعاون والإخاء علاقات لبنان بالدول العربية وفي مقدمتها سوريا”، مثلما أورد سامي الصلح في مذكراته، وحيث وصف خطاب شمعون بالتاريخي.

ـ  في كتاب “الخيارات الصعبة”، يقول وزير الخارجية اللبنانية الأسبق إيلي سالم “ينبغي أن يكون للبنان علاقات واضحة وخاصة مع سوريا، على أساس الإعتبارات التاريخية الوثيقة، وعلى أن تكون علاقاتنا مع العرب ممتازة، ومع سوريا علاقات مميزة”.

ـ في “كتابات في السياسة”، يقول وزير الخارجية الأسبق فؤاد بطرس “لا بد في يوم من الأيام، من إضفاء مضمون ملموس على ما اتفق عليه بالعلاقات الخاصة مع سوريا، إن لم تكن المميزة بين البلدين”.

ـ  في كتاب “موت جمهورية”، يلخص النائب البير منصور “اتفاقية الطائف”، وهو أحد أركانها بالقول “الإتفاق محاولة مزدوجة الأهداف، الأول إنقاذ لبنان واستعادة الدولة والسيادة، والثاني مصالحة نهائية بين لبنان ومحيطه العربي ولا سيما سوريا”.

قبل الختام؛ هذه الحكمة من بلاد الإنكليز:

في عام 1947، كلّفت الحكومة اللبنانية شركة “الكسندر جيب” الإنكليزية لدراسة آفاق الإقتصاد اللبناني، وهي إحدى أهم الشركات الإستشارية الدولية آنذاك، وبعد سنة تقريبا، خلصت الشركة في بحثها الطويل (235 صفحة) إلى التالي:

“إن رخاء لبنان الإقتصادي مرتبط ارتباطا محكما بالإزدهار الإقتصادي للدول المجاورة، وبالأخص سوريا، لقد كان من حظنا أن ندرس اقتصاديات البلدين، فإرتحنا إلى أي مدى يعتمد أحدهما على الآخر، ويكمل أحدهما الثاني”.

أخيراً؛ هذه حكمة من روما القديمة:

كان قياصرة الرومان، وحتى لا يستعلون ولا يستكبرون، يصرون على مجالسة مستشارين يقول الواحد منهم للقيصر: تذكر انك بشر.

لعل الذكرى تنفع.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  العسكريون الأتراك.. رحلة العودة إلى الثكنات!