لبنان 2026.. الانهيار من “خبر عاجل” إلى نمط حياة

في ليالي بيروت، يمكن لزائر عابر أنْ يرى مطعماً مكتظاً على واجهة بحرية، طاولات محجوزة، موسيقى مرتفعة، فواتير تُدفَع بالدولار النقدي من دون كثير تردد. على مسافة دقائق، مبنى سكني غارق في العتمة، يختار سكّانه ساعات تشغيل المولّد بعناية، ويحسبون كلفة الدواء كما لو كانت قراراً استثمارياً كبيراً.

بين هاتين الصورتين، تتلخّص حال لبنان مع نهاية سنة وبداية سنة جديدة. بلدٌ يخرج من الانهيار كحدث استثنائي له تاريخه، ويدخل في الانهيار الدائم كنظام عيش يومي وشكل جديد من الاختلال. لم يعد ما يجري يُفهَم كـ«أزمة عابرة» أو «مرحلة انتقالية طويلة»، بل كإطار مستقر نسبياً تُدار داخله الحياة، وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أساسه.

اقتصادان في بلد واحد

المشهد المزدوج الذي يطبع لبنان اليوم لا يعكس حيوية متجددة بقدر ما يفضح انفصال عالمين متوازيين.

في العالم الأول، يدور اقتصاد سريع الحركة يقوم على الدولار النقدي والتحويلات الخارجية والمواسم السياحية. هو اقتصاد المطاعم والفنادق والجامعات الخاصة وبعض المستشفيات والمدارس، حيث من يستطيع الدفع نقداً يشتري الخدمة بالجودة والسرعة المطلوبتين.

في العالم الثاني، يتشكّل «اقتصاد البقاء»، عائلات تقلّص استهلاكها إلى الحد الأدنى، موظفون يتقاضون رواتب مجتزأة أو متآكلة، متقاعدون يعيشون على مدّخرات تبخّرت، وشبكات دعم غير رسمية – عائلية أو حزبية أو طائفية – تحاول سدّ الفراغ حيث تغيب الدولة.

بهذا المعنى، يصعب الحديث اليوم عن «اقتصاد وطني موحّد». ما يلوح في الأفق هو مسارات معيشية متوازية، لا تلتقي إلا عرضاً في نقاط استهلاك محدودة، بعدما تفكّك الإطار الجامع الذي كانت الدولة تمثّله، ولو جزئياً، بوصفها منظّماً مشتركاً وقناة توزيع رسمية.

دولة حاضرة شكلاً، غائبة فعلاً

الدولة لم تختفِ تماماً من المشهد اللبناني. الوزارات والإدارات العامة ما زالت تفتح أبوابها، والموظفون ما زالوا يوقّعون المعاملات، والحكومة تجتمع وكذا الأمر بالنسبة للبرلمان. لكن الوظائف الجوهرية لهذه الدولة تآكلت إلى حد بعيد.

لم تعد الدولة مزوّداً موثوقاً للخدمات الأساسية، ولا حَكَماً فعلياً في النزاعات، ولا ضامناً جدّياً للحقوق. تحوّلت إلى جهاز إداري محدود القدرة، يرافق الفوضى أكثر مما ينظّمها، يمنحها أطرًا شكلية من دون امتلاك أدوات ضبطها أو إعادة توجيهها. القانون نفسه أصبح في حالات كثيرة خياراً من بين خيارات أخرى، لا المرجعية الوحيدة.

الفراغ الذي خلفه هذا التراجع لم يملأه كيان بديل واحد، بل مجموعة من التنظيمات المتفرّقة، لجان أحياء، جمعيات أهلية، شبكات حزبية وطائفية، ومبادرات فردية. لا شيء منها يرقى إلى مستوى «بديل للدولة»، لكنها مجتمعةً تؤمن ما يكفي لاستمرار الحياة في مستوى مقبول من الحدّ الأدنى وتالياً لاستمرار غياب الدولة.

من الانفجار إلى التكيّف الهادئ

التحوّل الأعمق لم يكن تراجع مؤسسات الدولة فحسب، بل الطريقة التي أعاد بها المجتمع تنظيم نفسه في ظل هذا التراجع.

المولدات الخاصة حوّلت الكهرباء العامة إلى خيار ثانوي. الألواح الشمسية صارت جزءاً ثابتاً من المشهد العمراني. التعليم الجيّد يُشترى نقداً أو يُنال عبر منحة أو وساطة. الاستشفاء تحوّل، في كثير من الحالات، إلى امتياز لمن يملك المال أو بطاقة تأمين أو علاقة بحزب نافذ أو مؤسسة مانحة.

هذه البدائل بدأت بوصفها حلولاً مؤقتة، ثم تراكمت حتى تحوّلت إلى قاعدة جديدة للحياة اليومية. ومع الوقت، تمّ «تطبيع الانهيار»، لم يعد يُعامَل كأزمة تتطلب تعبئة جماعية، بل كواقع مختلّ لكنه قابل للإدارة فردياً أو ضمن دوائر ضيّقة.

هذا التطبيع لم يكن خياراً واعياً بقدر ما كان نتيجة إرهاق اجتماعي طويل. بعد سلسلة من الصدمات – من الانهيار المالي إلى الجمود السياسي وما بينهما – غدا التكيّف الفردي أقل كلفة نفسياً من المغامرة في مواجهة مفتوحة بلا أفق واضح.

زعامة بلا سياسة، وزبائنية بحلّة جديدة

في هذا السياق، أعادت القوى السياسية التقليدية صياغة أدوارها. لم تعد مطالَبة ببرامج شاملة أو رؤى إصلاحية، بقدر ما يُنتظَر منها أنْ تدير البقاء اليومي لناخبيها.

الحزب (مطلق حزب) أصبح، أكثر من أيّ وقت مضى، شبكة رعاية وخدمات، يؤمّن دواءً نادراً، أو مقعداً مدرسياً، أو وظيفة مؤقتة، أو تخفيضاً في فاتورة المولّد. الزعيم تحوّل من «ممثل سياسي» إلى «وسيط حياة»، مفتاحاً لعالم من التسهيلات الصغيرة التي تُبقي الأفراد واقفين على أقدامهم.

الزبائنية السياسية لم تتراجع؛ أعيد تركيبها بما يتلاءم مع اقتصاد الندرة. انتقلت من رشوة انتخابية ظرفية إلى رعاية مستدامة، ومن تعبئة طائفية خطابية إلى إدارة مستمرة للحاجات الأساسية. لم تختفِ السياسة تماماً، لكنها انحدرت إلى مستوى أدنى، الولاء أصبح في كثير من الحالات نتاج الحاجة لا تعبيراً عن خيار واعٍ أو قناعة فكرية.

صناديق اقتراع بلا تمثيل فعلي

في ضوء هذا التحوّل، تبدو الرهانات المعلّقة على الانتخابات النيابية المقبلة كأداة تغيير بنيوي محدودة الواقعية.

في غياب دولة تؤدي وظائفها الأساسية، لا تجري الانتخابات بين مشاريع سياسية مكتملة، بل بين شبكات متنافسة في قدرتها على تأمين حدّ أدنى من الأمان الاجتماعي. يدخل الناخب إلى صندوق الاقتراع لا كمواطن كامل الحقوق، بل كفرد هشّ يكافح لبقاء الجماعة التي ينتمي إليها أو يسعى لتقليص مخاطر العيش له ولعائلته.

إقرأ على موقع 180  ذاكرة الألم.. والعدالة الانتقالية

هكذا تفقد الانتخابات جزءاً كبيراً من معناها التمثيلي، وتتحوّل إلى طقس دوري لإعادة توزيع الشرعية داخل المنظومة نفسها. التنافس يدور أقل فأقل حول السياسات العامة، وأكثر فأكثر حول السؤال: من هو الأقدر على إدارة الانهيار بكلفة أقل على جماعته أو بيئته؟

تجربة القوى التغييرية التي دخلت البرلمان عام 2022 تقدّم مثالاً دالاً. الإخفاق النسبي لهذه القوى في إحداث خرق ملموس لا يفسَّر فقط بأخطائها أو انقساماتها، بل أيضاً بقدرة البنية السياسية – الطائفية والزبائنية والمؤسساتية – على امتصاص الصدمات. هذه البنية ليست مجرد نص دستوري أو قانون انتخابي؛ إنها منظومة مرنة تمتلك أدوات إجرائية واقتصادية وثقافية تسمح لها بتفكيك أي اختراق تدريجي أو تحييده.

وعندما تغيب حواضن اجتماعية منظَّمة ومستدامة خارج المنظومة، يتحوّل العمل من داخل المؤسسات إلى مسار استنزاف بطيء، أكثر منه تراكم تغييري فعلي، مهما حسنت النيّات وتعدّدت المبادرات.

استقرار هشّ وسيادة معلّقة

على المستوى الإقليمي، يعيش لبنان ضمن حالة استقرار هشّ ومعلّق. الهدوء النسبي على الحدود، أو الضربات المحدود ة بين يوم وآخر، لا يعكس سيادة داخلية راسخة بقدر ما يعكس توازنات إقليمية مؤقتة، تُدار من خارج الحدود أكثر مما تُرسم من داخلها.

في هذا الإطار، لا يفتح الاستقرار الحالي الباب لبناء دولة، بل يرسّخ منطق الانتظار الطويل. يُدار لبنان بوصفه ساحة تفاوض غير مباشرة، أو ورقة يمكن استخدامها عند الحاجة. ومع استمرار هذا التعليق، يتآكل القرار الوطني، وتتحوّل السيادة من تعبير عن توافق اجتماعي داخلي إلى وظيفة مرتبطة بحسابات الخارج.

اقتصاد نقدي، مجتمع بلا أفق

ترسّخ اقتصاد النقد يعمّق هذا المسار. التعامل اليومي بالدولار الورقي، خارج النظام المصرفي التقليدي ومع ضعف شديد في أدوات الرقابة والجباية، ينتج اقتصاداً شبه عديم الذاكرة، بلا سجلات مالية موثوقة، بلا مساءلة ضريبية فعالة، وبلا قدرة حقيقية على التخطيط طويل الأمد.

في هذا المناخ، تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل قاعدة أي استقرار اجتماعي. الفئات المنتِجة تتحوّل إلى عمالة مرنة ومتقطّعة، والأنشطة غير النظامية تتوسّع لتصبح جزءاً طبيعياً من الدورة الاقتصادية اليومية. الاقتصاد بهذا الشكل لا يؤسّس لدولة، بل لمجتمع يعيش في «حاضر دائم»، منشغلاً بإدارة اليوم التالي أكثر مما هو قادر على تخيّل مستقبل مختلف.

هجرة تُعيد تشكيل المجتمع

النزيف البشري المستمر يكمّل الصورة. الهجرة لم تعد استثناء، لكنها لم تصبح أيضاً شاملة. هي انتقائية إلى حد كبير، تطال خصوصاً أصحاب الكفاءات والقدرات الإنتاجية من أطباء، مهندسين، أساتذة، أصحاب مهن حرة، وخرّيجي الجامعات الأقدر على التأقلم في اقتصادات أخرى.

النتيجة ليست فقط خسارة موارد بشرية يحتاجها أي مشروع نهوض، بل أيضاً إعادة تشكيل ديموغرافي واجتماعي، مجتمعات محلية أكثر تقدماً في العمر، أقل حركية، وأكثر اعتماداً على تحويلات أبنائها في الخارج، وغالباً أكثر قابلية للانضباط السياسي بحكم هشاشتها الاقتصادية.

ما بعد الدولة

بهذا المعنى، لا يواجه لبنان اليوم «انهيار دولة» فحسب، بل تحوّل مجتمع بأكمله إلى نمط عيش «ما بعد الدولة»، تُدار فيه الأزمات بدل أنْ تُعالَج، ويُعاد فيه توزيع الأدوار بين الدولة والأحزاب والقطاع الخاص والشبكات غير الرسمية بما يسمح بالاستمرار، من دون أنْ يفتح أفقاً واضحاً للخروج من الانهيار.

الانتخابات، والاقتصاد النقدي، والزعامة التقليدية، والهجرة، ليست مسارات منفصلة. إنها عناصر في بنية واحدة تعيد إنتاج نفسها بهدوء، فيما يتكيّف الناس مع قواعد اللعبة الجديدة بدلاً من محاولة تغييرها.

عند هذه النقطة، قد لا يكون السؤال المركزي هو: كيف نُصلِح الدولة؟ بل: أيّ نوع من المجتمع يتشكّل حين تغيب الدولة كمرجعية جامعة، ويُشَرْعَن الانهيار بوصفه واقعاً دائماً يمكن التعايش معه؟

مع دخول لبنان عام 2026، يبدو أنّ هذا السؤال – لا مواعيد الاستحقاقات الدستورية وحدها – هو ما سيحدّد شكل السنوات المقبلة، وما إذا كان الانهيار سيبقى نمط حياة، أم يصبح أخيراً حدثاً يمكن الخروج منه.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الأبعاد النفسيّة-الروحيّة للتّغيير والثّورة.. "الجهاد الأصغر" و"الجهاد الأكبر"