نظرة لبناني من باريس على انتفاضة أكتوبر

إنقضى الأسبوع الأول على اكبر انتفاضة شعبية جامعة يشهدها لبنان منذ تأسيسه قبل مئة سنة.

مر اسبوع على الحراك الشعبي غير المسبوق بينما السلطة بكل اطيافها عاجزة عن احتواء الشارع، وهذا ما يتجلى في التخبط الذي يعيشه كل الافرقاء في التعامل مع هذا الحدث السياسي ـ الإجتماعي التاريخي.

حزب الله مثلا، كان يمكن أن يكون المستفيد الاكبر من الحراك منذ ساعاته الاولى، ولكن سلوكه الأخير بيّن أنه ليس مع استمراره، فهو كان من اشد الاطراف المؤيدة للحراك “العفوي”، لكي يشكل عامل ضغط على الحلفاء قبل الخصوم في السلطة، من اجل تمرير رزمة الاجراءات الاصلاحية ووضع البلد على سكة محاربة الفساد، وهو الشعار الذي إعتمده حزب الله في حملته الانتخابية في ربيع العام 2018، بعد ان شارفت الازمة الاقتصادية والمالية والإجتماعية على الإنفجار، مهددة بالإطاحة بكل الإنجازات الوطنية في مواجهة العدوين الإسرائيلي والتكفيري على مدى السنوات الماضية.

ولكن مع استمرار الحراك بهذا الزخم الشعبي المتصاعد، ولا سيما في الجنوب والبقاع، بدا حزب الله متهيبا خصوصا مع بروز مناخ من التفسخ في بيئته الحاضنة، فكيف إذا كان الأمر يمكن أن ينال من البيت الشيعي الداخلي الذي لطالما قال الأمين العام لحزب الله أن المس به خط أحمر؟

حتما، ليس من مصلحة حزب الله ان يسقط رئيس الجمهورية، الذي يشكل ضمانة لسلاح المقاومة في الداخل، كما يوفر مظلة سياسية شرعية لهذا السلاح في الخارج. يسري الأمر على رئيس الحكومة سعد الحريري، بوصفه يشكل ضمانة للحد من تداعيات أي انهيار اقتصادي ــ مالي، من خلال منظومة علاقاته الاقليمية والدولية وقدرته على إستجلاب قروض ومساعدات خارجية، على طريقة “سيدر”، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على حزب الله وهي عمليا عقوبات على لبنان كله وتؤذي الإقتصاد اللبناني بأسره.

إنطلاقا من هذه الهواجس والسقوف التي رفعها حزب الله، بدأنا نرصد محاولات مكشوفة لشيطنة الحراك، وصولا الى قمع المظاهرات في صور والنبطية، حتى لو إستوجب الأمر ممارسة الترهيب والقمع بحق المتظاهرين، كما بحق بعض القنوات الاعلامية التي كانت تنقل الوقائع على الهواء مباشرة.

لا شك ان استمرار الامور على ما هي عليه، في ظل عدم وضوح الرؤية عند كل الطبقة السياسية، بما فيها حزب الله، قد يجر البلد نحو المجهول، وهذا ما لا يستطيع الحزب تحمل عواقبه، حتى لو كان على حساب مطالب الناس المحقة، فالاولويات لديه مختلفة عن اولويات الشارع ولا بد من إعادة نظر بها حتى تكون أكثر واقعية.

اما التيار الوطني الحر، فهو المتضرر الاكبر مما يجري على الارض، كونه تلقى صفعة قوية في الشارع، وبدأ يستشعر خطورة ما يحصل، إذا استمر، على العهد نفسه، لذا لجأ إلى محاولة زج الجيش في مواجهة مباشرة مع المتظاهرين، عله يفلح في احداث شرخ بينهم وبين المؤسسة العسكرية، غير أن وعي المتظاهرين، من جهة، وعدم وجود قرار سياسي بزج الجيش في مواجهة مفتوحة مع شعبه، من جهة ثانية، ساهما في صمود الناس في الشارع وبقاء الجيش على الحياد.

وليس خافيا على أحد أنه بإستثناء حزب الله والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، فإن باقي مكونات السلطة السياسية تعتبر شريكة اساسية في الحكومات المتعاقبة، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهي جزء لا يتجزأ من المنظومة الحاكمة وممارساتها التي اوصلت الامور الى ما هي عليه اليوم، لذا بدت هذه القوى منذ اليوم الأول صاحبة مصلحة في استعمال القوة المفرطة والظهور المسلح علنا والتصادم مع المتظاهرين السلميين.

ما يطمئن حتى الان هو الوعي الكبير الذي أظهره المتظاهرون، عبر رفضهم أي تسييس قد يجرهم الى الزواريب الضيقة، كما ترغب بعض الجهات أو المتسلقين في الداخل والخارج

وعلى المقلب الاخر، نرى بعض القوى تحاول ركوب موجة الحراك، وتسييسه، وحرفه عن مساره الاساسي، واستعماله ورقة ضغط لتنفيذ اجنداتها الداخلية، واظهار نفسها صاحبة دور قيادي طليعي في هذا المد الشعبي، وهم في الاساس اما مؤسس ومساهم في اهتراء الدولة ومؤسساتها، كالحزب التقدمي الاشتراكي، او شريك وباحث عن مصالح ضيقة كالقوات اللبنانية والكتائب، علهم ينجون بأنفسهم في لحظة سقوط المنظومة التي اسّسوا لها ابان الحرب الاهلية وبعدها.

هذه السلطة السياسية مجتمعة ستحاول (ولن تكف عن المحاولة)، إما قمع الشارع والتهويل عليه، او إستغلاله، وستراهن على عامل الوقت الذي سيبرز التباينات السياسية  والإيديولوجية فيه، ولكن ما يطمئن حتى الان هو الوعي الكبير الذي أظهره المتظاهرون، عبر رفضهم أي تسييس قد يجرهم الى الزواريب الضيقة، كما ترغب بعض الجهات أو المتسلقين في الداخل والخارج.

هذه اللحمة، وهذا المزاج الشعبي الموحد، هو ما يجب ان يراهن عليه للوصول إلى الغايات المنشودة، لان اي تراجع الان سيكون بمثابة اوكسيجين متجدد لهذه السلطة، لكي تعيد ترتيب امورها، وبالتالي، سيخسر الشارع كل الانجازات التي حققها في الايام الماضية، وهذا ما سيفتح شهية السلطة على ممارسات اكثر شراسة في المستقبل.

كل الرهان على جمهور الإنتفاضة من أجل خلق شعارات جديدة وموحدة، بعيدة كل البعد عن التعصب والطائفية والمذهبية وصولا إلى تحقيق كل ما يمكن تحقيقه من مكاسب، والأهم عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية لاحداث شرخ في بنية النظام الطائفي القائم منذ 100 سنة.

الايام القادمة وحدها كفيلة بتوضيح الصورة النهائية لانتفاضة 17 تشرين الاول/ اكتوبر 2019.

(*) أستاذ جامعي لبناني مقيم في باريس

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course