في بيروت… حين تصبح السماء عدوًا

يبدو لك أن شيئًا من نورٍ يتسلّل إلى الغرفة... ربما هو الصباح. لكنك لم تعد واثقًا. اختلط الليل بالنهار، ولم يعد الشروق ولا الغروب دليلك لمعرفة الوقت، ولا حتى صلاة المغرب أو الإفطار في شهر الصيام. وحده صوت القصف صار ساعة الأيام، ووحدها الصواريخ والقذائف تعود كل حين لتطارد الأرواح البريئة. أما مشاهد النزوح فقد غدت أقوى من أي مشهدٍ في هذا الشهر الفضيل. انسوا مسلسلات رمضان؛ فالواقع هنا أكثر إثارةً وقسوةً من خيال أي كاتب أو مبدع، بل حتى من خيال «تجّار» المسلسلات.

تعود إليك المشاهد التي لم تُمحَ من الذاكرة، بل استقرّت في زواياها العميقة: حين كثر الموت في الطرقات، وفي البيوت التي ظنّ أهلها أنها آمنة. تتذكّر الحروب التي عشتها في هذا البلد وغيره، لكن لبنان — كعادته — يحتفظ بنصيب الأسد من الحروب. يتقاسمها مع الفلسطينيين كما تقاسموا الزيتون والزعتر، وكأن قدر هذه الأرض أن تتقاسم الألم أيضًا.

***

تدرك أن اليوم قد بدأ، رغم أنه لم ينتهِ في البارحة. امتد الليل حتى ساعات الصباح الأولى، وما إن أغمضت عينيك — ربما مُرغمًا — حتى عادت «الزنّانة» تحوم في سماء بيروت، لا تتوقف ولا تغادر. الطائرات الحربية تسكن السماء، والبحر كله مستباح لسفنهم. يستعرضون قوتهم من الجنوب إلى الشمال، مرورًا بالعاصمة… بل بعاصمة العواصم.

***

تبحث عن الضحايا الجدد. من الجنوب، ببلداته المدمَّرة مرةً بعد مرة، مرورًا بصور وصيدا، وصولًا إلى بيروت وضاحيتها التي ما زالت شامخة في وجههم. تزدحم الطرقات بالسيارات القادمة من الجنوب نحو العاصمة، وبالعائلات الخارجة من الضاحية إلى أي مكانٍ قد يوفر بعض الأمان. وفي بلدات البقاع خرج الناس إلى المدن الأقرب، لكن بعض الأبواب أُوصدت في وجوههم… في مشهدٍ موجع لا يقل قسوةً عن صوت القصف.

***

هكذا تبدو حرب 2026: مختلفة، بوجعٍ مضاعف عن تلك التي شهدناها في 2006 وما قبلها وما بعدها. اقترب العدو أكثر، واندسّ بين الأهل والأقربين هنا في لبنان وفي دول عربية كثيرة. ففيما كسرت غزة كثيرًا من سرديات الصهاينة، بقيت سرديتهم الأخرى حاضرة: تفتيت المفتّت، وإعادة تقسيم ما تمزّق أصلًا. مع كل مفترق طريق، ومع كل حربٍ يبدأونها هم، يسارعون إلى تغليفها بأسماءٍ منمّقة، علّهم ينتصرون في حرب المعلومة والرواية. فالتفوق العسكري — حتى مع وقوف قوى العالم القديمة والحديثة معهم — يبقى ناقصًا إن خسرت الرواية. ولذلك صنعوا لها جيوشًا إلكترونية لا تقل ضجيجًا عن الطائرات.

***

يقتلك العجز… أو الإحساس به. فتمضي تسير في شوارع المدينة التي افترشها كثير من النازحين. اكتظّت الأرصفة بالوجوه المتعبة؛ وجوهٌ تركت بيوتها مرةً بعد مرة. وفي كل مرة يُقال لهم: عليكم الخروج. يعيدون السؤال ذاته: ماذا نحمل معنا من بيتنا؟

يبدو النزوح كالموت؛ لا قدرة للبشر على الاستعداد له، مهما تكرّر. يقولون: «تعودنا». لكن أحدًا لا يعتاد الفقد.

***

تصمت. تراقب وجوه الأطفال. لا آيباد في أيديهم ولا هواتف ذكية؛ فقط كرة قدم، أو سباقات جري صغيرة بين الأزقة. عيونهم مليئة بإيمانٍ لا يعرفه كثيرون ممن يجلسون فوق سجادات صلواتهم ليلًا ونهارًا. هؤلاء الصغار يعرفون معنى الإيمان، ومعنى الكرامة، ومعنى حب الأرض والوطن.

***

لا تخيفهم آلة الموت الصهيونية بقدر ما يؤلمهم نبذ الأقربين وكرههم. لا يخشون ما يأتي من السماء أو البحر، بل يخافون تلك العبارة التي قالتها امرأة في الثلاثين من عمرها، وقفت عند باب مدرسة تنادي أن تُفتح الأبواب لخمسين عائلة افترشت الأرض في ليلةٍ قاسية. كانت الرياح باردة، وحتى الطبيعة لم تكن رحيمة.

قالت المرأة:

«نعم… كسرتُ باب المدرسة لينام الأطفال في شيءٍ من الدفء، وتحت سقفٍ كبشر».

لكن مديرة المدرسة أحضرت الشرطة. طُردوا، واتُّهموا بأقبح التهم.

هم القادمون من ملح الأرض.

هم من سقى أبناؤهم ترابها بدمهم وعرقهم.

هم عشّاق الحياة حتى الدفاع عنها بأرواحهم.

هم من يعرفون أن الوطن أولًا… ولذلك لا يقبلون أقل من أن يفدوه بأرواحهم، وأن يطردوا المحتل مهما حضر بأسماءٍ وأشكالٍ مختلفة.

وحتى الآن، للحرب روايات عديدة.

وحتى الآن، تطارد الطائرات كل روحٍ حرّة.

وحتى الآن، يُكرّر بعض إعلامنا سرديات ليست سوى امتدادٍ لحربهم علينا وعلى أهلنا هنا وهناك.

وعند كل منعطفٍ صعب، يخرج بعضنا الملفات القديمة… وتخرج الفئران من جحورها، تنشر سمّها في هيئة دفاعٍ عن الوطن والحرية، بينما تُخوّن الضحية أو من يرفض مشروعهم الكبير.

كم هي الحرب قاسية اليوم.

***

وبين 2006 و2026 مسافةٌ لا تُقاس بالسنوات، بل بما سقط خلالها من أقنعة، وما تراكم من تزييفٍ وكذبٍ لتبرير القتل والدمار.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  رفح تختبر حدود صبر بايدن على إبتزازه إسرائيلياً.. "عالمكشوف"!
خولة مطر

كاتبة من البحرين

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إنهاء حرب غزة بفرض.. وقف النار