الأرز ليس مجرد شجرة، بل هو رمزٌ متجذّر في الذاكرة الجماعية، بل أكثر من ذلك، هو هويّةُ الأرضِ ذاتِها. وفي لحظةٍ يجتمع فيها الألم اليومي مع لغة العدو المتخشبِة عالية السقف، لا يعود تهديد (حرقِ الأرز) مجرد تصريح عابر. من هنا فإن قراءة التصريحات “الإسرائيلية” (لكل من نتنياهو وكاتس وبن غفير وسموتريتش وغيرهم من مسؤولي الكيان المؤقت) تفرض علينا الجمع بين النقد النصّي للتوراة والتحليل السياسي.
ولو عدنا إلى التوراة، فإن هذا الكتاب المقدّس يُقدّم أرز لبنان بوصفه استعارة مزدوجة: العلوّ والجمال. لكن في الوقت نفسه كبرياء يتطلب الكسر. ففي سفر إشعيا 2: 12-13 يذكر: “فإن ليوم ربّ الجنود على كل متعظّم وعالٍ، وعلى كل مرتفع فيوضع، وعلى كل أرز لبنان العالي المتشامخ”، وكأن النص يشير إلى إن من يعلو قد يُكسر لأنه عالٍ ومتشامخ. أما في سفر حزقيال “31” فيشبّه به ملك آشور العظيم بشموخه فكان لا بد أن يسقط. وتبلغ هذه الصورة ذروتها في سفر زكريا (11: 1-2) “افتح قلبك يا لبنان فتأكل النار أرزك”. وفي سفر المزامير (29:5) “صوت الرب يكسر الأرز“. من هنا يمكن القول إن تلك النصوص هي نصوص دينية لاهوتية، لا يُفترض أن تُقرأ قراءة سياسية.
هذه النصوص التوراتية، التي يستند إليها قادة “إسرائيل” منذ التأسيس إلى يومنا هذا، هي في الأصل نصوص عنف وإقصاء سياسي ضد الكنعانيين، سكان البلاد الأصلين. أما التهديد بحرق الأرز فهو تكرار للمنطق التوراتي نفسه.
انطلاقاً من ذلك، لا بد من ذكر المقاربة التي قدمها ميرسيا إلياد (1907-1986) بأن الرمز الديني “يعمل ضمن بنية المقدّس، حيث تتحّول عناصر الطبيعة إلى علامات تستخدمها السلطة“، لا إلى أهدافٍ للعنف والقتل والتدمير، بمعنى آخر، فإن الأرز في أصله النصّي أداة مجازية لتأديب المتشامخ والمتعالي، وليس دعوة إلى إحراق الشجر وجرف الأرض، أو إلى القتل. وتكمن المشكلة الحقيقية في قيام بعض الخطابات بنزع الرمز من سياقه وإعادة توظيفه ضمن الخطاب السياسي المعاصر.[1]
حيرام وسليمان بين التوراة وعلم الآثار
أما السردية الأكثر تداولاً، فهي سردية حيرام ملك صور الكنعانية وسليمان وقد ظهرت في سفر الملوك الأول (الإصحاح 5) لكن الجدير ذكره هنا أن علم الآثار الحديث يفرض حذراً منهجياً إذ يُبيّن إسرائيل فنكلشتاين (1949) ونيل آشر سيلبرمان (1950) غياب الأدلة القاطعة على ما يُسمى (المملكة الموحدة) خلال القرن العاشر ق م.[2] كما يؤكد ويليم ديفر (1930) أن كثيراً من السرديات التوراتية “كُتبت بصيغتها النهائية لأغراض لاهوتية-سياسية لاحقة”[3]؛ وعليه تكون سردية خشب الأرز الذي طلبه سليمان من حيرام يحكمها غياب فعلي وواقعي للوثيقة التاريخية.[4]
ويشير مارك سميث (1956) إلى أن بناء الهوية الإسرائيلية القديمة تمّ عبر إعادة تعريف “الآخر الكنعاني” كعدو يجب إزالته أو إخضاعه.. وهذا النمط ليس فريداً في حالة “إسرائيل”، بل أصبح مقدساً وبالتالي لا يقبل المراجعة.[5]
إذن قصة حيرام وسليمان ليست قصة شراكة، بل قصة استغلال. جارٌ قويٌ يطلب من جار أضعف منه، ثم يُعيد كتابة التاريخ وكأن الجميع بخير وسلام. وهذه هي بالضبط خريطة الطريق “الإسرائيلية” تجاه لبنان: “خذوا الأزر والماء والنفط والغاز وأحرقوا كل شيء“.
تحويل الرمز إلى سلاح
هنا أتوجه إلى حضرات الباحثين والمثقفين لأقول إنه لم يعد كافياً الاطلاع على النصوص الدينية فقط أو تفكيك الخطابات السياسية من موقع المراقب فقط، لأن ما يُستدعى اليوم ليس فقط تراثاً دينياً، بل ذاكرة يُعاد توظيفها في سياق صراع وجودي حقيقي. مسؤوليتنا كباحثين ومثقفين تحتّم علينا الانتقال من التحليل إلى الفعل المنهجي، أي إعادة ضبط المفاهيم، وتفكيك السرديات، ومنع تحويل الرموز إلى أدوات إقصاء أو تبرير للعنف وقتل الناس، والسيطرة على الأرض، واغتصاب الحقوق.
من هنا، لا تأتي النقاط المنهجية أدناه بوصفها آراء انطباعية، بل بصفتها مسار عمل بحثّي يهدف إلى إعادة الاعتبار للمعرفة كدور فاعل في حماية الحقيقة وصونها:
1 – اعتماد قراءة مرسيا إلياد بسحب الشرعية عن أي توظيف للعنف باسم النص. مثال الأرز هنا يُعاد تعريفه كرمز للقوة والصمود، وليس هدفاً للحرق أو الجرف.
2 – تثبيت معيار أكاديمي صارم في النقاشات وطرح الأسئلة المنهجية والعلمية، ما الذي تؤكده اللقى الأثرية؟ ما الذي يبقى ضمن السرد اللاهوتي؟ هذه الأسئلة والإجابة عليها لا بد من أن تحد من تحويل النص التوراتي إلى “واقع سياسي”.
3 – يشير المؤرخ اللبناني كمال الصليبي (1929-2011) في كتابه “بيت بمنازل كثيرة”، إلى ضرورة قراءة تاريخ لبنان خارج الإسقاطات التوراتية، وبمنهج علمي نقدي للنصوص[6]، كما يقدم المؤرخ اللبناني جورج قرم (1940-2024) في كتابه “مسألة الشرق” إطاراً لفهم توظيف الدين في الصراعات المعاصرة وخطورة تحويله إلى أداة جيوسياسية[7]، وبالتالي إن العودة إلى هذين الكتابين والمؤلفين وإلى غيرهما مسألة منهجية مهمة جداً للسير قدماً.
4 – أما ما هو مطلوب من الدولة، فليس خطاب إنشائياً أو شعرياً ولا بيانات استجداء، بل الدعوة إلى العمل ضمن هذا المنهج ورفض التوظيف السياسي للنصوص الدينية، والتأكيد على مبدأ سيادة الأرض والرمز، وطرح هذه المسألة ضمن إطار القانون الدولي للثقافة، وإطلاق حملات لحماية التراث الطبيعي والرمزي إلخ..
5 – المدارس، الجامعات، ومراكز الأبحاث وطبعاً وسائل الإعلام مطالبة اليوم بإنتاج المعرفة المدعمة بالمصادر والمراجع الموثقة، كي تكون قادرة على مقاومة تلك السرديات بعزم وجدية.
الأرز والزمن والتوراة
أنتم تهدّدون بإحراق أرز لبنان، لكن أولاً دعونا نتفق على أمر في غاية الأهمية:
-أرز لبنان موجود هنا قبل أن تكون التوراة موجودة؛ نعم التوراة كُتبت بعد مئات من القرون من وجود هذا الأرز.
-الكثير من الإمبراطوريات التي مرت من هنا مصرية، أو آشورية أو رومانية أو فارسية أو عثمانية حاولت قطع هذا الأرز لكنها فشلت بل واندحرت.
-عندما تُهدّد بصوت ربك الذي سيكسر هذا الأرز، فأنت تعترف أن صراعك مع سكان البلاد الأصلين ليس حدودياً ولا سياسياً، بل هو صراع وجودي ديني، وهذه أخطر ورقة تلعبونها، لأن الصراع الوجودي لا ينتهي إلا بزوال أحد الطرفين، ونحن طبعاً لا نُخطّط للزوال.
-من ناحيتنا، لن نرد بقصائد ولا ببيانات وزارية معلوكة تستجدي البكاء. سنرد بحقيقة واحدة ترونها كل صباح من مرتفعات جليلكم المحتل بأن الأرز ما زال واقفاً. وهل تظنون أن طائراتكم وتقدمكم التكنولوجي والدعم الأميركي غير المحدود لكم، ستفعل ما لم تفعله إمبراطوريات أخرى؟
أما النتيجة، نعم، التوراة تأمركم بحرقنا، لكن الأرض التي نعيش عليها أقدم من كتابكم، والأرض لا تُطيع الكتب التي تُكتب ضدها. نعم، الأرز لا يقرأ العبرية؛ الأرز يقرأ دائماً الزمن، أما الزمن فيقف دائماً إلى جانب الجذور والذاكرة، لا إلى جانب القاذورات.
المراجع:
[1] Eliade, Mircea – The sacred and the profane – Harcourt 1957 – pp: 118-121
[2] Finkelstein, Israel & Silberman, Neil – The Bible Unearthed – free press 2011 – pp: 123-145
[3] Finkelstein, Israel & Silberman, Neil – The Bible Unearthed – free press 2011 – pp: 123-145
[4] Dever, William G – What did the Biblical writers know and when did they know it? – Eerdmans – 2011 – pp: 98-104
[5] Smith, Mark S – The early History of God – Eerdmans 2002 – pp: 32-40
[6] الصليبي، كمال – بيت بمنازل كثيرة – دار النهار – 1988 – ص: 15-28
[7] قرم، جورج – مسألة الشرق: الشرق الأوسط في النظام العالمي – دار الطليعة – ص: 45
