البيوتُ حين تُهدم.. سيكولوجيا التدمير، جرحُ المكان وذاكرةُ الإنسان

منذ الصغر نشأنا على أغنية الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي «الله معك يا بيت صامد بالجنوب». أغنية كلما سمعتها أذهب بمخيلتي إلى بيت القرية وشواهد كانت تمدّني بتراث أجدادنا، وتتحرك معها صور: البركة، الحاكورة، رائحة الخبز، الحطب المشتعل، الحقول، والفرحة في لمّ المحصول.. وهنا وهناك ألف ذكرى وذكرى. إلى أن جاء خبر تدمير البيت في القرية، حاله كحال باقي البيوت والمنشآت المدنية التي استهدفتها إسرائيل، فتحوّلت الأغنية إلى أبيات رثاء، ولم يعد البيت صامدًا، والمكان الدافئ والحاضن صار أنقاضًا وركامًا.

من البديهي الحزن على فقد البيوت، فالأمر شبيه بأحزان الفقدان على أحباء رحلوا آخذين معهم كل الذكريات. وحالة الفقد هنا لا تتوقف على بيوت بُنيت بعرق الجبين، إنما على تفاصيل كانت أجزاء من كليّة البيت؛ أشياء كنا نختزنها، نخاف أن نزيل الغبار عنها، ومقتنيات أجدادنا جمعناها ورفعناها حرصًا عليها، ما يعني أن للبيت ذاكرة، حسيّة وروحية وجسدية.

إلا أن واقعة التدمير الممنهج تحمل مشاعر مختلفة بطبيعة الحال، فيها من العجز أمام استباحة الكرامة والخصوصية ما قد يولّد «صدمة فقدان المكان»، التي تستحضر أنواعًا أخرى من القلق البدائي: صدمة الانفصال، والقلق الوجودي.

وبناءً عليه، فإن الحزن والصدمة تعبيران طبيعيان عن فقدان الأشياء كما الأشخاص. ففي حالة الفقد لشخص عزيز، يمرّ المُصاب بمراحل عدة حددتها «إليزابث كوبلر روس»، وهي طبيبة نفسية ومن رواد الدارسين في هذا المجال، وهي خمس مراحل: أولها «إنكار الحدث»، حيث يكون من الصعب تصديق ما حدث، وهي آلية أوليّة للحماية النفسية. المرحلة الثانية هي «الغضب»، ويتوجه فيها الإنسان نحو المسؤولين عن الحدث، والملاحظ أن الغضب يكون عشوائيًا، ناتجًا من الألم العميق. «المساومة» هي المرحلة الثالثة، كأن يحاول الشخص أن يسأل: «ماذا لو أن..»، وكأنه يبحث عن طريقة لتغيير ما حدث. المرحلة الرابعة هي «الاكتئاب»، وفيها تظهر مشاعر الحزن، وثقل جسدي ونفسي كبير يدفعه إلى الصمت والانسحاب. وفي المرحلة الأخيرة يبدأ بالتقبل والتعايش مع الواقع، وتلك أحسن الأحوال.

قد يبقى الإنسان عالقًا في مرحلة الحزن لفترة طويلة، وهو حزن طبيعي يُعرف بالحزن الممتد، وهناك الحزن المعقّد أو ما يُعرف بـ«اضطراب الحزن المطوّل»، ومن علاماته الشائعة صعوبة تقبل الفقد وتجنب كل ما يُذكّر بالفقيد، والعكس، أن يكون في حالة من التفكير المستمر والشديد بالحدث؛ بذاكرة تتعطل فيها الحياة اليومية للمصاب: العمل، والعلاقات، وتأثيرات نفس ـ جسدية مختلفة.

سيكولوجيا التدمير

في علم النفس السلوكي، يسعى الفاعل، من خلال التدمير، إلى صياغة كيان محطم. ولأن للبيت رمزية كبيرة عند أصحابه، تستخدم إسرائيل أسلوب الهدم الكلّي وتنشره عبر وسائل الإعلام، عارضةً عمليات التفجير بغية مضاعفة التأثير، حيث يرى صاحب البيت وكأنه خسر شيئًا منه؛ المكان والسكن الذي كبر معه وفيه. إسرائيل، عندما تسوّي الأبنية والمنشآت بالأرض من خلال عمليات التفجير والجرف المتعمّد، لا تقصد إلحاق الضرر المادي والمعنوي فقط، إنما تعمد إلى محو التجذّر والانتماء إلى الأرض.

في سيكولوجيا المدمّر، هناك تفاعل بين عوامل نفسية داخلية وخارجية. أما الخارجية، فعندما يكون التدمير في سياقات الصراع، احتلال الأرض وتهجير شعبها، يُنظر إليه كآلية لفعل واجب بحجة الدفاع وتحقيق الأهداف، وعادةً ما يعطي هؤلاء الأشخاص لأنفسهم مبررات مختلفة إلى أن يصبح التدمير وسيلة معتادة.

وسلوك التدمير عادةً ما يقوى عند الجماعة الفاقدة للهوية؛ فهم يريدون أرض الآخرين، ولكن يجب عليهم محو كل أثر فيها ليعطوها هوية جديدة، كسياسة الأرض المحروقة.

أما العوامل الداخلية، فهناك تمثلات نفسية وسمات شخصية متعددة الدوافع بطبيعة الحال، وليست مقتصرة على نمط واحد أو ثابت. بعض الأشخاص يحملون قدرًا كبيرًا من الغضب، يُعبّرون عنه بالتدمير الذي يعطيهم الشعور بالقوة والسيطرة، لإيهام الآخر بأنهم قادرون على إحداث أثر. وغالبًا ما يفتقد هؤلاء الإحساس بالتعاطف مع معاناة الآخرين، في حالة من الانفصال عن الواقع.

أما الشعور بالسيطرة وامتلاك القوة والتحكم ودهس كرامة الآخر، فهي الرسائل التي يقوم المُدمّر بإرسالها إلى الطرف الآخر، ما قد يشعر صاحب المنزل بالإحباط أمام ما يحدث، مقابل استثارة مشاعر الكراهية والحقد والإلحاح بالانتقام.

ولو دخلنا إلى نظريات سلوك التدمير، قد تكون أهمها نظرية الإحباط، وتفترض هذه النظرية أن الإحباط المتكرر من عدم تحقيق هدف ما، يُولّد توترًا يتحول إلى عدوان يفرغه المعتدي بتدمير الممتلكات كبديل عن الهدف غير المحقق.

ووفق نظرية الصدمة لسلوك المعتدي، يُعتبر العنف إعادة إنتاج للعنف الذي تعرض له وللصدمة، إن كان ذلك واقعيًا أو غير ذلك. وفي هذه الحالة، يستبدل العدو بعدو رمزي آخر.

أما نظريات «التحليل النفسي»، فتتحدث عن دوافع الموت وطاقة عدوانية لاواعية مكبوتة تبحث عن مخرج نحو الهدم والتدمير.

في نظرية «المعنى الرمزي»، وهي ضمن علم النفس الثقافي، فإن الأشياء، مثل البيوت، يكون تدميرها موجّهًا نحو الذكريات والهوية والطبقة الاجتماعية المستهدفة. وفي نظرية التعلّم، تجد أن الفرد ينشأ في بيئة يرى فيها التدمير مكافأً.

عند بعض الأشخاص المعتدين، يكون الانفصال العاطفي هو الآلية التي تقلل الشعور بالذنب، فيما يطور البعض الآخر شعورًا بالذنب، وبخاصة إذا عادت إلى أذهانهم تمثلات التدمير، وهو ما حدث في غزة، حيث رصدت حالات انتحار في صفوف جنود نفذوا عمليات قتل وتدمير.

إقرأ على موقع 180  طموحات إسرائيل الطاقوية ضمانة للتهدئة في الإقليم أم العكس؟

الأثر النفسي والاجتماعي على المدمَّرة بيوتهم

البيت هو المكان الصوري الأول لبناء الهوية الشخصية، وغالبًا ما يقال: «إن بيت فلان يشبه صاحبه»، ما يعني أن هندسة بيوتنا ورسمها تتطابق مع سماتنا في كثير من الأحيان. وعليه، فإن رؤية تدمير البيت قد تطال صورة «الأنا» التي لطالما التحمت مع البيت.

في علم النفس الوجودي، البيت ليس المساحة الفيزيائية فحسب، بل هو امتداد للذات، والمكان الأول لتشكّل التجارب والانتماء والمأوى مقابل العزلة الوجودية؛ مكان العثور على المعنى وسط عبثية الوجود. وفي حالة «صدمة التدمير»، قد يتحول الحدث إلى جرح خفي يرتبط بالألم، والفقدان، وتغيّر في ماهية الوجود.

أما في فلسفة عالم النفس «سيغموند فرويد»، فلا يقتصر البيت على كونه مكانًا ماديًا، بل يتجاوزه ليكون رمزًا نفسيًا عميقًا يرتبط بالأمن والهوية واللاوعي، وفقدانه يعني انفصال الماضي عن الذات، وقد يظهر على شكل أعراض نفسية وأحلام مزعجة.

واقعيًا، مشهدية هدم البيوت لها تأثيراتها المعقدة؛ فالبيت كيان يشمل الحصن النفسي والجسدي، والذاكرة الشخصية، وحصيرة الخصوصيات، ولمّات العائلة، وكل التفاصيل اليومية. وعليه، فإن فقدانه يكون كما لو قُطعت أوصال وجذور صاحبه… وعلى مبدأ لافوازييه: «لا شيء من العدم، كل شيء يتحول»، ما يعني أن لكل شيء تأثيراته ولو بعد حين.

المثبت عياديًا أن هناك مراحل يمر بها صاحب البيت المهدّم تشبه مراحل فقدان شخص عزيز، أولها الذهول، ثم التشكيك، وقد تنتهي بأعراض نفسية فردية ومجتمعية قد تتوارثها الأجيال. وغالبًا ما يسبق كل ذلك حالة القلق من جراء الترقب وعدم استقرار المشاعر، ومحاولات معرفة مآل البيت.

أثناء الحروب، ولو اشتدت، يبقى الإنسان متشبثًا بأرضه، ولكن عندما يُدمَّر منزله تبدو الأمور أصعب، وعليه بذل المزيد من القوة النفسية والعملانية للبقاء والتثبت، ما قد يدخله في الإرهاق النفسي والجسدي معًا، وعلى المدى البعيد، في ارتفاع معدل القلق والاكتئاب، وإثارة مشاعر الاغتراب وفقدان الشعور بالاستقرار والشغف بالاستمرارية، وهو ما يعيق البناء النفسي لاحقًا حتى لو أُعيد إعمار المنزل بحكم وقوع الواقعة.

توريث صدمة الهدم

إن مشهد التدمير الشامل للبيوت قد يُدخلنا في عدوى نفسية جماعية محكومة بآلية «التماهي اللاواعي الجمعي»، التي قد تتحول في ما بعد إلى تطوير أعراض شبيهة بـ«اضطراب ما بعد الصدمة»، وتصبح صدمة جماعية مشتركة بين أفراد الجماعة، ومن عوارضها النفس ـ مرضية: استرجاع الحدث المؤلم، التوتر، السلوك الاندفاعي، الانعزال، الكوابيس.

إلا أن البعض لديهم ملكة التحكّم وثقافة التكيّف السريع، فيطوّرون القدرة على التلاؤم النفسي. وأحيانًا كثيرة تصبح فكرة المجتمعات ومعتقداتها أقوى بعد الصدمة بسبب حالة التماسك التي تصيب الأفراد، وتتحوّل الأولويات من الفردي إلى الجماعي بسبب المشترك الواقع عليهم. لكنه تضامن لحظوي، «تضامن تحت الضغط»، من أجل البقاء وإعادة بناء ما تهدم. والجدير بالذكر أن التضامن المجتمعي يصبح أقوى في حالة ضعف الدولة وعدم تحملها مسؤولياتها.

ولكن الخطورة تكمن في أن كثيرًا من الأفراد يعيشون الصدمة حتى لو بدا المجتمع أقوى، وخصوصًا عند تكرار مشهدية التدمير والعقاب الجماعي والقصة المشتركة، ما قد يساهم في نشوء ما يُعرف بـ«هوية صدمية جماعية»، تبدأ مؤشراتها بـ«نحن الذين دُمرت بيوتنا، نحن الذين تعرضنا للظلم..». حينها قد يصعب التخطي والشفاء النفسي وتجاوز الحدث، ويُعاد إنتاج «الصدمة رمزيًا» مع كل حدث.

ويعتمد تثبيت الصدمة وتوريثها أيضًا على الجماعة التي تشعر بأنها مستهدفة دون الأخرى، وخصوصًا إذا بقيت الهوية محصورة في «نحن الضحايا». حينها قد يصعب تجاوز الحدث، وتظهر معها أزمة الثقة بالمحيط والعالم الذي لم يؤمّن لهم الحماية والأمان، وخصوصًا مع غياب الجانب القانوني الإنساني الذي يمنع استهداف المنشآت المدنية في الحروب؛ فالثقة، وفق علم الاجتماع، هي الإسمنت الاجتماعي.

أخيرًا؛ إن تدمير المنازل والقرى وتجريفها بحجج وذرائع مختلفة، لا يلغي الجدل الأخلاقي والقانوني، كما لا يمكن أن يمحو ذاكرة أصحاب الحق. وتوريث التاريخ واجب، ولكن علينا أن ننأى عن توريث صدمة التدمير؛ فالتصدي النفسي، كما التصدي العسكري لأي عدوان جائر، يستدعي الوعي؛ فالمجتمع الذي يملك فكرًا مناهضًا للظلم والتعدي، تتهاوى لديه كل سرديات الخسارات المادية أمام الإرادة التي تحارب من أجل صون كرامة الإنسان في وطنه. حينها، تصبح الخسارات المادية شيئًا ثانويًا أمام الخسارات المعنوية.

ختامًا، سياسة هدم البيوت والقرى هدفها كسر الروح المعنوية ولو سلّمنا جدلًا بأن بيت الإنسان امتداد للذات، فالذات المقاومة بطبعها عنيدة، لها فكر ومعتقد وتاريخ، لا تنكسر ولا تساوم على إعادة إعمار نفسها بنفسها.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إلى صديقي.. الإنهيار الكلي ليس حتمياً