جاءت التطورات الأخيرة في بغداد، ولا سيما حملة الاعتقالات التي شهدتها المنطقة الخضراء، لتكشف أن العراق دخل مرحلة جديدة. فلم تعد السلطة تكتفي بإدارة التوازنات بين الفصائل والقوى الإقليمية، بل بدأت تختبر قدرتها على إعادة رسم حدود القوة داخل النظام السياسي نفسه. وبهذا المعنى، لم يعد السؤال الأساسي: مع أي محور يقف العراق؟ بل: من يملك القرار داخل بغداد؟
الدولة تغادر سياسة الانتظار
حاول رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني أن يبني مساحة من الحياد الإيجابي، في وقت اشتعل فيه الشرق الأوسط بسلسلة من النزاعات المتشابكة. وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح عندما قال إن العراق “لا يستطيع المخاطرة بحياة خمسة وأربعين مليون مواطن بالزج بمستقبلهم في صراعات لا طائل منها”.
لم تكن هذه العبارة مجرد موقف سياسي، بل تعبيراً عن إدراك حكومي لهشاشة الداخل العراقي، في ظل اقتصاد مثقل بالفساد البنيوي، ودولة لا تحتمل كلفة الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة.
غير أن هذه السياسة اصطدمت بواقع ميداني مختلف. فقد واصلت بعض الفصائل المسلحة عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، متجاوزة التحذيرات الأميركية المتكررة من فرض عقوبات اقتصادية قاسية، الأمر الذي أربك محاولات بغداد الإبقاء على سقفها السياسي منخفضاً.
ثم جاءت التطورات الأخيرة داخل المنطقة الخضراء لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد. فالمواجهة لم تعد تدور فقط بين الفصائل والولايات المتحدة، بل امتدت إلى علاقة الدولة العراقية نفسها بهذه الفصائل، وإلى حدود قدرتها على احتكار القرار الأمني والسياسي.
من مواجهة خاطفة إلى استنزاف طويل
خلال حرب حزيران/يونيو 2025، حافظت الفصائل العراقية على قدر من الانضباط العملياتي، إلا أن المشهد تبدّل بعد الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين دخلت بصورة مباشرة في استهداف المصالح الأميركية داخل العراق، ثم وسّعت عملياتها لتشمل قواعد أميركية في الخليج وأهدافاً داخل إسرائيل.
وجاء هذا التصعيد في لحظة شديدة الحساسية، كان فيها إغلاق مضيق هرمز يخنق صادرات النفط الخليجية، بينما كانت بغداد تجد نفسها عالقة بين حاجتها إلى استمرار التفاهم مع واشنطن، وعلاقتها الاستراتيجية بطهران، صاحبة القرار الأكثر تأثيراً في المضيق.
وقبل أن يدخل العراق هذه المرحلة، كانت القوى السياسية الشيعية تعيش أزمة حادة حول اختيار رئيس الوزراء، واجهتها الولايات المتحدة بمعارضة واضحة لأي شخصية تُعدّ قريبة من إيران لتولي رئاسة الحكومة أو أي موقع سيادي مؤثر.
وكانت الأداة الأكثر تأثيراً في هذا الضغط هي التلويح بتقييد وصول العراق إلى عائداته النفطية المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العراقي الهش.
التقاطعات.. الخانقة
لا تحتاج الحرب الاقتصادية إلى إطلاق رصاصة واحدة كي تحقق أهدافها. يكفي أن تُحكم ثلاثة أطواق في وقت واحد حتى تجد الدولة المستهدفة نفسها أمام خيارات صيغت سلفاً، وهذا ما يواجهه العراق اليوم.
فمن جهة، يمر معظم نفطه عبر مضيق هرمز، الذي تحوّل من ممر تجاري إلى ورقة جيوسياسية تتحكم إيران بمفاتيحها، بحيث أصبح يشكل في الوقت نفسه أداة ضغط على خصومها وقيداً على حلفائها.
ومن جهة ثانية، تبقى العائدات النفطية العراقية مرتبطة بالنظام المالي الأميركي، إذ تشكل الأموال المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الشريان الرئيسي للموازنة العامة ولسعر صرف الدينار. وأي قيود على هذا المسار المالي لا تعني مجرد أزمة حكومية، بل تهدد بإطلاق موجات تضخم واحتقان اجتماعي قد تنعكس مباشرة على الاستقرار السياسي.
أما الحلقة الثالثة، فتتمثل في التهديد الدائم بفرض عقوبات إضافية كلما اقتربت بغداد من طهران. وتكمن فعالية هذا السلاح في أنه لا يحتاج دائماً إلى التنفيذ؛ فمجرد بقائه احتمالاً قائماً يكفي لتقليص هامش المناورة أمام صانع القرار العراقي.
وهكذا تلتقي ثلاثة مسارات في نقطة واحدة: مضيق هرمز، والعائدات النفطية، والعقوبات الأميركية. وفي مجموعها، لا تنتج مجرد أزمة اقتصادية، بل تؤسس لنمط جديد من الضغوط، تتحول فيه الأدوات المالية إلى وسائل لإعادة تشكيل القرار السياسي، بحيث يصبح الخنق الاقتصادي مقدمة لإعادة رسم التوازنات داخل الدولة نفسها.
إعادة تشكيل البيت الشيعي
إذا كانت الضغوط الأميركية قد استهدفت الاقتصاد العراقي في ظاهرها، فإن تأثيرها الأعمق ظهر داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها. فحين يصبح الوصول إلى العائدات النفطية أو استقرار الدينار العراقي رهناً بعوامل خارجية، لا يعود الضغط موجهاً إلى الحكومة وحدها، بل إلى مجمل النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن للقوى الشيعية أن تجمع بين إدارة الدولة والاحتفاظ بمنظومة سلاح موازية لها، في ظل ميزان قوى إقليمي ودولي يتجه إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة ووظائفها؟
الإجابات لم تكن واحدة.
فقد اتجهت قوى مثل عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، وسرايا السلام إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تعزيز موقع الدولة وإعادة تنظيم العلاقة مع هيئة الحشد الشعبي، بما يحدّ من ازدواجية المؤسسات العسكرية ويخفف الضغوط الخارجية.
ولا يأتي هذا التوجه من فراغ، بل يستند إلى قناعة لدى شخصيات شيعية مؤثرة، من بينها نوري المالكي، وعمار الحكيم، ومقتدى الصدر، وقيس الخزعلي، بأن استمرار تعدد مراكز القوة قد يتحول إلى تهديد للنظام السياسي نفسه، بعدما بات يوفر ذرائع متزايدة للتدخل الخارجي ويضعف شرعية الدولة في الداخل.
في المقابل، تتمسك كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء برؤية مختلفة، فتعتبر أن ما يسمى “سلاح المقاومة“ ليس مجرد أداة عسكرية، بل جزء من منظومة الردع الإقليمية التي لا يجوز التفريط بها.
وتُميز هذه الفصائل بين إعادة تنظيم العلاقة الإدارية مع هيئة الحشد الشعبي، وهو أمر قابل للنقاش، وبين التخلي عن السلاح، الذي تعتبره خطاً أحمر لا يدخل في أي تسوية سياسية.
وبذلك، لم يعد الخلاف يدور حول شكل المؤسسات، بل حول طبيعة الدولة نفسها وحدود احتكارها للعنف المشروع.
انتقال الصراع إلى داخل الدولة
في هذا السياق، تكتسب الاعتقالات الأخيرة داخل المنطقة الخضراء أهمية تتجاوز بعدها القضائي أو الأمني.
فهي توحي بأن السلطة العراقية بدأت تتحرك داخل المجال الذي ظل، طوال سنوات، محصناً بتوازنات سياسية معقدة، وأنها تحاول اختبار قدرتها على استعادة أدوات الدولة في مواجهة شبكات النفوذ التي تشكلت بعد عام 2003.
ولا يعني ذلك أن العراق حسم خياره، أو أن موازين القوى تبدلت بصورة نهائية، لكنه يشير إلى أن الصراع انتقل من هوامش النظام إلى قلبه.
ولهذا تبدو حملة الاعتقالات جزءاً من معركة أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين القانون والسياسة، وبين الدولة والقوى المسلحة، في لحظة إقليمية تتقلص فيها هوامش المناورة بصورة غير مسبوقة.
لا قطيعة مع الجوار
يرى الباحث في المعهد الملكي للشؤون الدولية حيدر الشاكري، في حديثه لـ«180 بوست»، أن تقليص نفوذ الفصائل لا يمر عبر المواجهة المباشرة، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بإعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي، ودمج عناصرها في المؤسسات الرسمية، وربط السلاح بالمخازن الحكومية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب.
ويضيف أن حصر السلاح بيد الدولة ما زال يفتقر إلى آلية تنفيذية واضحة، رغم كثرة النقاشات التي تدور حوله.
ويعتبر الشاكري أن توسيع خيارات العراق خارج الثنائية التقليدية بين واشنطن وطهران أصبح ضرورة استراتيجية، من خلال تعميق العلاقات مع دول الخليج وتركيا والأردن وأوروبا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات تواصل مستقرة مع إيران.
فالدولة الأقوى، في رأيه، لا تُبنى بقطع العلاقات، بل بخلق بدائل اقتصادية وأمنية تقلل تدريجياً من اعتماد العراق على أي طرف خارجي.
من ساحة نفوذ إلى عقدة إقليمية
وفي الاتجاه نفسه، يطرح الرئيس التنفيذي لمركز البيان للدراسات والتخطيط، الدكتور علي طاهر الحمود، تصوراً مختلفاً لموقع العراق في المنطقة.
فبدلاً من النظر إليه باعتباره ساحة تنافس بين المحاور، يدعو إلى تحويله إلى عقدة اقتصادية تربط بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام ومصر وباكستان.
ويعتقد الحمود، في حديثه لـ«180 بوست»، أن المنطقة استنفدت تقريباً نماذج الأحلاف العسكرية والاستقطابات العقائدية، فيما لم تُمنح بعد فرصة حقيقية لبناء شراكات اقتصادية عابرة للمحاور.
وبحكم موقعه الجغرافي، يستطيع العراق أن يتحول إلى مركز للسكك الحديدية، وممرات الطاقة، والربط الكهربائي، بما يعيد تعريف أمنه القومي انطلاقاً من المصالح الاقتصادية المشتركة، لا من الاصطفافات السياسية التقليدية.
ساعة الدولة
تكشف مجمل هذه التطورات أن العراق لم يعد يقف أمام خيار بين واشنطن وطهران فحسب، بل أمام خيار يتعلق بطبيعة الدولة التي يريد بناءها خلال العقد المقبل.
فالضغوط الأميركية، وإغلاق مضيق هرمز، والانقسام الشيعي، وحملة الاعتقالات داخل المنطقة الخضراء، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في أزمة واحدة عنوانها: من يحتكر القرار داخل الدولة العراقية؟
وإذا نجحت بغداد في تحويل هذه اللحظة إلى مشروع مؤسساتي يعيد الاعتبار للقانون ويضبط السلاح ويعيد بناء الاقتصاد، فقد تكون قد دخلت فعلاً مرحلة جديدة في تاريخها السياسي.
أما إذا بقيت الإجراءات محكومة بمنطق إدارة الأزمات، أو تحولت إلى صراع جديد بين مراكز القوى، فإن العراق سيظل يدور في الحلقة ذاتها التي لازمته منذ عام 2003.
إنها، بكل المقاييس، ساعة الدولة.
