مشاهد من يوميات الزعيم المغربي علي يعتة..

في الذكرى التاسعة والعشرين لرحيله، نستحضر في هذا المقال مشاهد مكثفة من يوميات الزعيم الوطني والتاريخي علي يعتة (1920-1997)، ملقين الضوء على أدواره المتعددة كصحفي مقتدر يطوع الفكر بلغتي الضاد والفرنسية، ونائب برلماني أثبت أنه "فريق في جلباب رجل"، وقائد حزبي جعل من التواضع والانفتاح فلسفة قيادة. كما نتوقف عند إشراقات إنسانية وشهادات حية من كواليس مسيرته الصحفية والسياسية.

لم تكن عقارب الساعة في مكتب مدير النشر ورئيس التحرير تقاس بالثواني والدقائق، بل بنبض المطبعة وسخونة الشارع. فقد كان السي علي (كما يلقبه المناضلون) صحفياً مقتدراً، يكتب مقالاته الافتتاحية بوضوح وبلاغة، وتدفق بعمق نظري يعكس مواقف الحزب بثبات ودون أي مساومة.

كان يجلس خلف مكتبه البسيط، المغطى بأوراق الرأي ومراسلات الأقاليم، يمسك بقلمه كما يمسك الجندي بسلاحه في الخندق. يخط بأناقة لغوية فصيحة افتتاحية العدد للنسخة العربية لصحيفة “البيان”، ولا يكاد يضع النقطة الأخيرة حتى يشرع دونما تردد في ترجمتها وإعادة صياغتها وسبكها بلغة جان جوريس، لتنشر في النسخة الفرنسية من الصحيفة ذاتها. فقد كانت لغة الضاد عنده تحفة أصيلة صقلها على يد شيخه علامة المغرب سيدي عبدالله كنون، بينما كانت الفرنسية أداة مساجلة واقتدار، انتزعها واحتسبها في أروقة المحاكم العسكرية ومساجلات النضال الفكري ومنابر الصحافة الملتزمة.

يطرح القلم جانباً ليرفع سماعة الهاتف الثابت التي لا تكف عن الرنين، صوت قادم من تجاويف المغرب ينقل خبر تضييق على مناضل نقابي، وآخر من مدينة أكادير يستفسر عن بلاغ الديوان السياسي الأخير. يرد السي علي بلهجته الواثقة.. الصارمة والدافئة في آن، ثم ينهض لاستقبال ثلة من أبناء المدينة القديمة بالدار البيضاء، الدائرة التي حملته إلى قبة البرلمان. كان مواطن بسيط يرتدي جاكيتاً بالياً يتكئ على جدار المكتب، ينظر إلى النائب الذي لا يملك خلفه سدنة ولا حجاب، فيبتسم السي علي ويقول له: تفضل يا سيدي، هذا البيت المفتوح يسع الجميع.

كإعلامي ومدير للنشر، لم تكن أولوية السي علي بهرجة الورق أو إغراءات التصميم، بل كان همه الشاغل عمق المحتوى ورصانة التحليل. ولأجل ذلك أرسى طقساً يومياً صبيحة كل يوم، وفق رواية أحد الذين عملوا إلى جانبه، حيث كانت تجتمع لجنة التحرير المكونة من عدد قليل من المناضلين المتطوعين، في جلسة أسرية تسودها الدفء والمودة.

الرابع من اليسار في مدرسة طنجاوية

يتضمن جدول الأعمال: تقييم طبعة اليوم، وإعداد الصفحة الأولى لطبعة الغد، ومناقشة موضوع الافتتاحية، وتوزيع المهام بحماسة كبيرة. وإذا ما دعت الحاجة لإبداء ملاحظة أو تقديم نقد لرفيق، كان يفعل ذلك بهدوء ولباقتين مشهودتين، معلما إياهم أصول النقد البناء والصرامة الفكرية.

تحت قبة البرلمان، وقبل أن يلتحق به رفيق دربه مولاي إسماعيل العلوي، كان السي علي يُمثّل وحده نسيجاً كاملاً لم يشعر السي علي يوما بوحشة الفرد، بل كان يقال فيه بحق: “إنه مفرد بصيغة الجمع، فريق نيابي كامل في جلباب رجل واحد”.

كانت مداخلاته تربك صفوف الحكومة، وخطاباته الفصيحة تهز القاعة هزاً، مستنداً إلى زاد لغوي وفكري نال شهاداته الأولى من كتاتيب طنجة ومقاعد ثانوية ليوطي بالدار البيضاء، وتتلمذ فيه على يد أقطاب الحركة الوطنية كالمرحوم سي بوشتى الجامعي.

كان الصحفيون الشباب يتهامسون في ذهول:

 – من أين يقتطع هذا الرجل ساعاته؟ يحرر الافتتاحيات. يقود الحزب. يستقبل المهمشين. يستجوب الوزراء، ثم يخرج ليلقي محاضرة في المسرح البلدي، كأنه يركض خلف عمر يخشى أن ينقضي قبل أن يكمل الحرف الأخير من وصيته.

***

تختزن ذاكرة من عاشروا السي علي أطيافاً لا تمحوها الأيام من لقاءات ولحظات مشهودة. شخصياً ترجع بي الذكريات إلى المرة الأولى التي سمعتُ فيها باسمه، إذ لم يصلني اسمه مجرداً في البداية، بل وصلني متلبساً بوصف جماعته المتشبثة به، حين تناهت إلى مسامعي كلمة “اليعتويين”.. كان الوصف يطلق على أتباع علي يعتة الذين لم يتبدد شملهم عقب حظر الحزب، ولم يذهب أي منهم في طريقه، بل ظل السي علي يحتضنهم ويحضنونه، متمسكين جميعا بحقهم الأصيل في التنظيم السياسي المشروع.

ثم شاءت الأقدار أن أراه عن قرب من بعيد، واقفاً شامخاً على المنصة وهو يخطب في تجمع سياسي حاشد بالمسرح البلدي بالدار البيضاء. يومها غصت جنبات المسرح بالحضور حتى فاضت، وكان أغلبهم من الطلبة والشباب المتقدين حماسا، بينما ترابطت أعداد غفيرة خارج البناية تتابع كلماته الصادحة عبر مكبرات الصوت الممتدة إلى قلب الشارع.

***

في عالم الصحافة كان السي علي نموذجاً للتواضع والإنصات، كلما كنت أتصل به كصحفي لطلب حوار أو تصريح، كان يجيب على الفور محدداً موعداً بلا إبطاء ولا تسويف. ومع تكرار اللقاءات تحول الاسترسال المهني إلى ألفة إنسانية، فصار يتعامل معي بصفة الزميل مشيعاً هالة من التواضع الجمّ واللطف الذي يأسر القلب.

أتذكر ذات يوم أنني بعد محاورته، ركبت معه في سيارته ليوصلني في طريقه إلى وسط المدينة. وما أن تحركت السيارة حتى أدار مسجل الصوت ليعزف كاسيت للمطرب فريد الأطرش، وهو المطرب ذاته الذي أسرّ لي يوما رئيس تحرير صحيفة “المحرر” المرحوم مصطفى القرشاوي، أن الشهيد عمر بنجلون كان يدندن بأغانيه في حلكة معتقله.

إقرأ على موقع 180  الإنحدار الأمريكي.. ولغة الحرب!

 لم تكد دهشتي بتلك الذائقة الفنية تركد، حتى رأيته يخرج سيجاراً كوبياً ضخماً ويضعه بين شفتيه، ثم التفت إليّ بابتسامته الهادئة وسألني إن كنت أدخن، قبل أن يهديني سيجاراً من النوع نفسه، في لفتة رفع فيها كل أشكال التكلف بين قامة سياسية تاريخية وصحفي في مقتبل الطريق.

***

في مستهل الثمانينيات، صادفت السي علي في حفل إعلامي، فبادر بالسلام عليّ دون انتظار. وبنبل المخلصين للبحث والتدقيق، طلب مني تزويده ببعض المعلومات حول كواليس الصراع “الاتحادي – الاتحادي” أيامها، وذلك على إثر نشري ملخصاً في مجلة “السؤال” لوثيقة نادرة للمناضل الراحل محمد الحيحي (صهر الشهيد المهدي بن بركة). سألني السي علي بحس الباحث الشغوف عما إذا كان بمقدوره تزويده بالنص الكامل والأصلي لتلك الوثيقة، وهو ما قمت به بوافر الاعتزاز.

غير أن هذا التواضع لم يكن يعني التساهل في قواعد المهنة أو شرف المبدأ. ففي إحدى المرات، ذهبت لملاقاته في موعد مسبق لإجراء استجواب، فإذا بي أواجه رفضاً حازماً لمجالستي. كان السبب عاصفة أثارتها أسبوعية “الكشكول” التي كان يديرها الراحل عبدالله الستوكي، إذ نشرتْ خبراً زائفاً يزعم أن ابنه ندير يعتة، رئيس تحرير “البيان” بالفرنسية، عقب لقائه بالرئيس الأميركي جورج بوش الأب برفقة ثلاثة صحفيين عرب، قد حظي بمكافأة أميركية عبارة عن مطبعة أُهديت للحزب لموقفه المناهض لغزو صدام حسين للكويت. كانت فرية ثقيلة الوطأة على مناضل أمضى عمره يدفع من حريته وصحته ثمن استقلالية رأيه.

وقفت أمامه بأمانة وشرحت له موقفي وانفصالي التام عن تفاصيل تلك المادة الزائفة. أنصت السي علي بنبل الكبار ورجاحة عقله ودرايته، وما هي إلا لحظات حتى اقتنع بصحة موقفي، ليزيح جدار الغضب جانباً، وجلس مبتسماً ليجيب عن أسئلتي بكامل الأريحية والوضوح في حوار مطول نشر على صفحتين من جريدة “الكشكول” ذات الحجم الكبير.

***

بصفته الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لم يقتصر أثر السي علي على تلقين المعرفة النظرية، بل تعداه لغرس أسلوب حياة مميز في نفوس مناضلي حزبه. وباعتباره ينتمي إلى جيل القادة الذين انبثقوا من رحم الحركة الوطنية وصقلتهم نضالات الاستقلال، فقد اكتسب شخصية فريدة وهالة خاصة.

بينما كان يتمتع بتفان لا يلين في عمله وطاقة لا تنضب، كان يعرف كيف يشرك جميع النشطاء والمسؤولين، متجنباً الخوض في التفاصيل الدقيقة ومشجعاً الجميع على تولي مسؤولياتهم. وأدى دوره كمنظم دون تدخل مفرط، وعلى الرغم من شخصيته القوية، فلم يفرض رأيه بقوة السلطة بل بقوة الحجة والإقناع. إذ كان يصغي إلى جميع الآراء ويتقبل النقد بقلب رحب، بل إن الرأي المخالف كان يحفزه على تطوير حجته وتعميق فكرته.

أما اللحظات التي كانت تأسر الألباب خلال الاجتماعات الحزبية، فكانت ردوده في ختام النقاشات، حيث كان ينسج بصوته الرخيم وحجته القاطعة خيوط التجميع لا التفرقة، ويقرب بين وجهات النظر المتباينة ببراعة فائقة.

***

بهذا يُمكننا القول والجزم بأن يعتة سبق زمنه بفكر ثاقب، فقبل البريسترويكا وتداعي المنظومة الشرقية، وقبل سقوط الجدار الفاصل بين الألمانيتين بسنوات، هدم الرجل “جدار برلين” المفاهيمي والفكري الذي حاصر الأدبيات الاشتراكية المستوردة، باثاً روح البيئة الوطنية في القوالب الإيديولوجية الجامدة. نظر إلى واقع مجتمعه المسلم وأصالته التاريخية، وقال لرفاقه بصراحة المناضل المجرب: “إن اشتراكيتنا إما أن تنبع من طين هذه الأرض وتخدم هذا الشعب.. أو لا تكون”.

سيظل التاريخ يذكر السي علي كمهندس للتنازلات التاريخية والتسويات الكبرى، تلك التنازلات التي لم تكن يوماً تعبيراً عن ضعف أو تراجع، بل كانت حكمة بالغة حشدت الجماهير وحققت مكاسب حقيقية للوطن. كان مدركاً أن التحولات الكبرى لا تتحقق بضربة واحدة أو قفزة في الفراغ، بل تبنى خطوة بخطوة، وأن كل انتصار يحقق بشق الأنفس يمنح المناضلين الوقود للاستمرار. بالنسبة إليه، تتجذر الثورة الوطنية الديموقراطية في مسألة التسوية التاريخية التي تنبع أصالتها من تربة الوطن ووجدان مجتمعه وفي التوافق الشجاع بين القوى الوطنية التي قد لا تتشارك الإطار الأيديولوجي نفسه، ولكن يجمعها الرهان على الوطن واستقلاله وكرامته.

***

رحل علي يعتة، ورحل معه عمالقة كانوا يشكلون صمام أمان للأمة، لكن الشجرة التي غرسها برفقة عمال المطابع وكادحي الموانئ مع فلاحي السهول وشباب التظاهرات، أصبحت جذورها أعمق من أن تطالها تصاريف الزمان. لقد كان يدرك وهو يطوي أوراق جريدته في هزيع الليل الأخير، أن النضال ليس خياراً سياسياً عابراً، بل هو أسلوب حياة.. وصلاة لا تنتهي إلا برحيل الجسد.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تعبت من نتنياهو.. هل يستريح ويُريح؟