كيف ترى إيران «اتفاق مكة».. قراءة تحليلية لحميد رضا عزيزي

18018010/08/2026
في منصة "Iran Analytica"، يُقدّم الكاتب حميد رضا عزيزي قراءة إيرانية لاتفاق مكة الثلاثي، من زاوية استبعاد حرب باسكتانية تركية سعودية ضد إيران، لكن الأهم، من وجهة نظره، أن الاتفاق ينقل مركز الثقل من مفهوم «التطويق العسكري» إلى التطويق الجيو-اقتصادي: تركيا وباكستان تستطيعان رفع كلفة المواجهة على إيران من دون خوض الحرب، بينما تمنحان السعودية في الوقت نفسه عمقاً ردعياً جديداً. وفي ما يلي أبرز ما تضمنته هذه القراءة:

“في السابع من آب/أغسطس، اجتمع قادة السعودية وتركيا وباكستان في مكة ووقّعوا اتفاقاً ثلاثياً للدفاع المشترك. وجرت مراسم التوقيع في قصر الصفا، خلال اجتماع أطلقت عليه الحكومات الثلاث اسم «قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك»، بمشاركة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

البيان المشترك الذي أصدرته الحكومات الثلاث كان مقتضباً، لكنه تضمّن التزاماً مهماً بالدفاع المتبادل. فالهدف من الاتفاق هو تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدواني، وهو ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً. كما ينص على تعزيز التعاون الدفاعي بينها.

وشددت الحكومات الثلاث على أن الاتفاق غير موجّه ضد أي طرف. وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماز إنه لا يستهدف دولة بعينها، فيما وصفه مسؤول تركي آخر بأنه اتفاق دفاعي بحت، مؤكداً أنه لا يغيّر الاتفاقات القائمة بين الدول الموقعة ودول أخرى. ومن الجانب السعودي، قال نائب وزير الخارجية للدبلوماسية العامة رائد كرملي إن الاتفاق لا يشكل محوراً عسكرياً ولا تكتلاً طائفياً، ولا يرتبط بطموحات نووية أو بسباق تسلح.

لم تصدر طهران أي رد رسمي حكومي في يوم توقيع الاتفاق. ونشر وزير الخارجية عباس عراقجي رسالة دعا فيها الدول الإسلامية إلى الوقوف معاً، معتبراً أن اللحظة الراهنة تستدعي الاعتماد على الذات وحدها وتبنّي مفهوم الأخوة الحقيقية، من دون أن يوضح ما إذا كان يقصد الاتفاق الثلاثي بصورة مباشرة.

لكن سرعان ما ظهرت انتقادات أكثر وضوحاً. فقد كتب إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، أن «اتفاقاً ورقياً» مع تركيا وباكستان لن يوفر الأمن للسعوديين، تماماً كما لم توفر لهم سنوات الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة الأمن. ودعا الرياض إلى تصحيح سياساتها بحيث لا تعود مضطرة إلى البحث عن أمنها لدى الآخرين. أما بين المسؤولين السابقين والمحللين الإيرانيين، فجاءت ردود الفعل أكثر عمقاً، وفي حالات عدة أكثر قلقاً.

لماذا ظهر اتفاق مكة الآن؟

لم يظهر الاتفاق من فراغ، وإنما تطور من نمط قائم من التعاون. فقد أرست اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك السعودية-الباكستانية، الموقعة في أيلول/سبتمبر 2025 بعد أيام من الضربة الإسرائيلية للدوحة، الصيغة التي وسعها اتفاق مكة لاحقاً لتشمل تركيا.

وخلال ربيع 2026، اجتمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر مراراً في عواصم مختلفة، سعياً إلى بلورة مخرج دبلوماسي من الحرب. وهكذا، تحول ما بدأ تنسيقاً دبلوماسياً إلى التزام أمني. وغابت مصر عن الاتفاق بصيغته النهائية، رغم مشاركتها طوال أشهر في تلك المشاورات، إلا أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال لاحقاً إن القاهرة قد تنضم بعد حل المسائل التقنية المتبقية.

يربط المحلل في العلاقات الدولية مصطفى نجفي الاتفاق بتحول طرأ على تصورات التهديد في المنطقة. فالتطورات التي شهدتها المنطقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك محاولة إسرائيل فرض هيمنة إقليمية، والحرب الأخيرة، وبروز إيران أكثر حزماً، جعلت الدول العربية أكثر إدراكاً لمدى تعرضها للمخاطر في ظل النظام الأمني القائم.

لقد استثمرت السعودية لعقود في شراكتها الأمنية مع واشنطن، لكنها توصلت إلى أن الاعتماد على راعٍ خارجي واحد لا يوفر سوى حماية محدودة من تداعيات الصراعات الإقليمية. ومن ثم، يأتي تقارب الرياض مع أنقرة وإسلام آباد في إطار استراتيجية لتنويع شراكاتها الأمنية والتعامل مع ميزان تهديدات بات يميل ضدها بصورة متزايدة، سواء في مواجهة إيران أو إسرائيل.

ويطور صابر غول عنبري الفكرة نفسها، لكنه يمنح العامل الإيراني وزناً أكبر. ويرى أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، جعلت الحروب في غزة ولبنان وسوريا ونمط التوسع الإسرائيلي من إسرائيل مصدر القلق الرئيسي لمعظم الأطراف الإقليمية، باستثناء الإمارات. وهذه المخاوف لم تختف، إلا أن القلق من إيران تعمق بالتوازي معها.

ويحدد غول عنبري ثلاثة أهداف سعودية وراء الاتفاق.

الهدف الأول هو الردع الجماعي. فالرياض تنطلق من افتراض أن التوترات الإقليمية ستستمر، وأن المملكة قد تجد نفسها منخرطة في مواجهة خطرة، ولذلك تريد مظلة ترفع الكلفة التي ستتحملها طهران إذا قررت التصعيد، وتوفر حماية إضافية للبنية التحتية السعودية.

أما الهدف الثاني، فيتمثل في بناء نظام إقليمي أكثر اعتماداً على قوى المنطقة نفسها، استناداً إلى استنتاجين سعوديين أفرزتهما الحرب: الأول أن الجمهورية الإسلامية نجت من خطر الانهيار، والثاني أن قدرة الولايات المتحدة على احتواء إيران فقدت جانباً من فاعليتها.

ويتعلق الهدف الثالث باليمن، حيث يمكن أن يعمل الاتفاق بوصفه إحدى طبقات استراتيجية سعودية أوسع ترمي إلى تغيير التوازن المحلي، بالتوازي مع إدارة ردود الفعل الإيرانية.

ويصل أستاذ الجامعة حسين مهديان إلى نتيجة مشابهة، ولكن من منظور بنيوي أشمل. فهو يتعامل مع الاتفاق باعتباره خطوة أولى نحو هندسة أمنية إقليمية نابعة من المنطقة وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة، مشدداً على التكامل بين قدرات الدول الثلاث: تركيا، بما تمتلكه من إحدى أكبر القوات المسلحة داخل حلف شمال الأطلسي؛ والسعودية بما تتمتع به من ثقل مالي وطاقوي وجيوسياسي وموقع استراتيجي؛ وباكستان بما تمتلكه من جيش كبير وقدرة ردع نووية.

ويذهب مهديان أبعد من معظم المحللين في تحديد النطاق الجغرافي المحتمل لهذا الترتيب، إذ يرى أن الاتفاق يفتح الباب أمام نشوء محور يمتد من الأناضول، مروراً بشبه الجزيرة العربية، وصولاً إلى شبه القارة الهندية، بما قد تترتب عليه تداعيات بالنسبة إلى الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، بل وحتى ميزان القوى بين الهند وباكستان.

وعلى الرغم من اختلاف زوايا النظر، تتقاطع هذه القراءات عند خلاصة أساسية: اتفاق مكة يعكس تغيراً في الظروف الإقليمية، ويرتبط مباشرة بالحرب، ويشكل جزءاً من محاولة أوسع تقوم بها دول المنطقة لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها بنفسها.

ويتفق المحللون الإيرانيون، إلى حد بعيد، على هذا التشخيص. لكن الخلاف يبدأ عند السؤال عما يُراد لهذا الاتفاق أن يفعله فعلياً.

هل اتفاق مكة موجّه ضد إيران؟

السؤال المركزي الذي يقسم المحللين الإيرانيين هو ما إذا كان هذا الترتيب موجهاً ضد إيران، وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى، وفي أي إطار زمني، وبأي درجة من الفاعلية؟

تأتي القراءة الأكثر تشاؤماً من المعلقين الأقرب إلى التيار المتشدد، الذين يرفضون فكرة أن الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق منشغلة أساساً بإسرائيل.

فبالنسبة إلى السعودية، وفق هذه القراءة، يمثل اليمن، ومن خلفه إيران، تهديداً أكثر إلحاحاً بكثير من إسرائيل. أما بالنسبة إلى تركيا، فيظل الاحتكاك مع إسرائيل مسألة بعيدة المدى وأقل إلحاحاً. وبالنسبة إلى باكستان، لا تمثل إسرائيل تهديداً كبيراً أساساً، بالنظر إلى امتلاك إسلام آباد السلاح النووي، وبعدها الجغرافي عن المسرح الذي تعتبره إسرائيل مجالاً لعملياتها، فضلاً عن تركيز باكستان التقليدي على خصومتها مع الهند.

ومن هذا المنظور، يستهدف الاتفاق بصورة أكثر إلحاحاً اليمن والحوثيين، لكنه يشكل في الوقت نفسه رسالة تحذير إلى إيران.

ويستند أصحاب هذه القراءة إلى التطورات الميدانية. فقد أفادت تقارير باستخدام طائرات مسيّرة تركية ضد الحوثيين، فيما أدانت كل من أنقرة وإسلام آباد الهجمات الحوثية على السعودية واصطفتا إلى جانب الرياض. كما نشرت باكستان قوات في المملكة ووجهت تحذيرات إلى الحوثيين، فيما يثير بعض المراقبين الإيرانيين احتمال انخراط باكستان بصورة مباشرة، بما في ذلك احتمال تنفيذ عمليات برية في اليمن.

ويمد هؤلاء حجتهم إلى العراق أيضاً. فقد تحركت السعودية بالفعل إلى جانب الولايات المتحدة ضد فصائل الحشد الشعبي المتحالفة مع إيران، فيما تصاعد الضغط الأميركي على بغداد لنزع سلاح تلك الفصائل، في الوقت الذي تحتفظ فيه تركيا بحضور عسكري مهم داخل العراق.

ومن ثم، يمكن لضغوط منسقة، أو حتى لحوافز منسقة، تمارسها هذه الدول على الحكومة العراقية أن تتحول إلى أداة لموازنة النفوذ الإيراني هناك.

وتعزز الجغرافيا هذه المخاوف الإيرانية. تركيا تقع إلى الشمال الغربي من إيران، والسعودية إلى الجنوب الغربي، وباكستان إلى الجنوب الشرقي. ولذلك يرى أصحاب هذه القراءة أن التطبيق الفعال للاتفاق يمكن أن يعمق العزلة الجيوسياسية لإيران ويعرضها لضغوط متزامنة من اتجاهات متعددة.

كما استخدم هؤلاء المعلقون اتفاق مكة لإعادة فتح نقاش داخلي إيراني بشأن اعتماد طهران على باكستان قناةً للتواصل مع واشنطن. فقد جادلوا منذ فترة طويلة بأن لإسلام آباد مصالح راسخة في تعاونها مع الولايات المتحدة، وأنها تعمل عملياً أداةً للسياسة الأميركية في المنطقة. وهم يقدمون اتفاق مكة الآن بوصفه دليلاً إضافياً يؤكد صحة هذه القراءة.

إقرأ على موقع 180  قراءة إسرائيلية في قمة طهران: التقاء مصالح جزئي

 قراءة إيرانية غير متشائمة

في مقابل القراءة المتشائمة، يعارض حسين مهديان ومصطفى نجفي هذا التفسير، من دون التقليل من أهمية الاتفاق. فمهديان يرفض التعامل مع الاتفاق باعتباره بالضرورة، أو حصراً، تحالفاً مناهضاً لإيران، مشيراً إلى اختلاف مواقف الدول الثلاث الموقعة عليه ومصالحها.

فباكستان عملت طوال فترة الحرب على تجنب الانجرار إلى المواجهة مع إيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دورها كوسيط. أما تركيا فلديها مصلحة مباشرة في منع امتداد الصراع إلى العراق وسوريا وجنوب القوقاز وشرق المتوسط. في حين أن السعودية، بعدما تحملت ضغوط الحرب وتداعياتها، تسعى إلى تنويع ضماناتها الأمنية.

ويصل نجفي إلى خلاصة مشابهة من زاوية مختلفة: فقد دخلت الدول الثلاث الاتفاق بأهداف وحوافز متباينة، بينما يجمع بينها اهتمام مشترك واحد يتمثل في توسيع خياراتها الاستراتيجية داخل بيئة إقليمية سريعة التغير.

بالنسبة إلى الرياض، يضيف الاتفاق طبقة أمنية جديدة إلى جانب الشراكة الأميركية. وبالنسبة إلى أنقرة، فإنه يعزز مكانتها الإقليمية ويوفر لها أداة إضافية لموازنة إسرائيل. أما بالنسبة إلى إسلام آباد، فهو يجمع بين المكاسب الاقتصادية والمردود الأمني، بالتوازي مع استعادة باكستان موقعها بوصفها قوة وازنة داخل العالم الإسلامي.

وفي نهاية المطاف، يتمثل الاختلاف بين الاتجاهين داخل النقاش الإيراني في التمييز بين قراءة الاتفاق باعتباره تحالفاً وبين قراءته باعتباره هندسة أمنية.

يرى الاتجاه الأول كتلة تتشكل على امتداد محيط إيران، ولها أهداف واضحة يمكن التعامل معها في المدى القريب. أما الاتجاه الثاني فيرى البدايات الأولى لبناء نظام أمني إقليمي لا يزال اتجاهه النهائي غير محسوم، وقد تقع أهم تداعياته في نهاية المطاف خارج الملف الإيراني نفسه.

هل تدخل تركيا وباكستان الحرب دفاعاً عن السعودية؟

يُشكّك خبراء مثل نجفي في المدى الذي يمكن أن يصل إليه التزام الدفاع الجماعي المنصوص عليه في الاتفاق على أرض الواقع. فهل تدخل تركيا وباكستان بالفعل حرباً ضد إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم من طهران؟

الإجابة المتوقعة، بحسب هذه القراءة، هي التشكيك في حدوث ذلك في الحالتين.

فتركيا، مهما بلغ عمق تنافسها مع إيران، لا مصلحة لها في الدخول في حرب مباشرة وواسعة النطاق مع طهران، وهي تفضل الاحتفاظ بهامش للمناورة بين إيران والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة. والقيود الاقتصادية والأمنية التي تواجهها باكستان تدفعها في الاتجاه نفسه.

وفي سيناريو توجه فيه إيران ضربة إلى السعودية، يرجح أن تقع استجابة أنقرة وإسلام آباد في المنطقة الواقعة «بين عدم التدخل والتدخل»، بحيث تتخذ شكل الدعم السياسي والتعاون الاستخباري والمساعدة اللوجستية وتوريد الأسلحة، بدلاً من المشاركة العسكرية المباشرة.

وبالتالي، فإن أهمية تحالف مكة، بحسب نجفي، تكمن في مساهمته الرمزية في تعزيز الردع، أكثر مما تكمن في وجود آلية تضمن دخول الدول الثلاث معاً في الحرب.

وعلى هذا الأساس، يرفض نجفي تشبيه الاتفاق بحلف شمال الأطلسي. فما أنشأته الدول الثلاث هو، في رأيه، ائتلاف للموازنة تسعى من خلاله كل دولة إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية.

من الأحلاف الثابتة إلى شبكات الموازنة

هنا تبرز الأهمية الأوسع للنقاش المتعلق بشكل النظام الإقليمي الجديد. فلا تزال الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في المنطقة، إلا أن الاعتماد الكامل على واشنطن أصبح ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى العديد من دولها. وفي المقابل، أثبتت إسرائيل عجزها عن فرض نظام إقليمي جديد، فيما تواصل إيران توليد ضغوط استراتيجية على محيطها.

وفي ظل هذه الظروف، يدخل الشرق الأوسط مرحلة تتسم بتعدد ترتيبات الموازنة وتداخلها وسيولتها، بدلاً من قيام كتل ثابتة ومتماسكة. كما تصبح التحالفات أكثر ارتباطاً بالمصالح والصفقات وأكثر استجابة للظروف المتغيرة.

وسيأتي الاختبار الحقيقي عندما تتعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم فعلي. وقد يكشف تجنب تركيا وباكستان التدخل المباشر عندئذ حدود هذا الترتيب، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهياره.

لكن ثمة حجتان مضادتان لهذه القراءة المطمئنة تستحقان اهتماماً جدياً.

الردع من دون حرب

الحجة الأولى يقدمها حسام الدين آشنا، المسؤول السابق في إدارة الرئيس حسن روحاني، الذي يرى أن اتفاق مكة يغير بصورة جوهرية البيئة المحيطة بالحرب.

فالأثر الأكثر مباشرة للاتفاق، وفق آشنا، يتمثل في تقليص صدقية التهديدات الإيرانية الموجهة إلى دول الخليج، بالتوازي مع إيجاد مسار يمكن من خلاله جر تركيا وباكستان إلى الأزمة إذا هددت إيران السعودية.

فالردع يعمل أساساً من خلال التأثير في حسابات الطرف المراد ردعه، وبالتالي فإن الأثر الذي يتحدث عنه آشنا لا يحتاج إلى وجود تعهد فعلي بالمشاركة القتالية لكي يتحقق.

أما الحجة الثانية، فتتعلق بالأدوات التي يمكن استخدامها تحت عتبة الحرب، وربما تمثل الملاحظة الأكثر أهمية في النقاش الإيراني بأكمله.

فقد أشار بعض المحللين الإيرانيين إلى أن الموقع الجغرافي للدول الثلاث الموقعة على الاتفاق يفتح الباب أمام إضافة بعد بري إلى الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة بالفعل.

تمر عبر باكستان وتركيا طرق برية تحمل أحجاماً مهمة من التجارة الإيرانية، وقد ازدادت أهمية هذه الطرق بعدما أصبحت القناة التقليدية عبر الإمارات أكثر تعقيداً نتيجة الحرب.

ولا تحتاج أنقرة وإسلام آباد إلى خوض حرب ضد إيران كي تدعما السعودية. إذ يكفي تقييد التجارة الإيرانية أو إغلاق الحدود.

وتزداد خطورة هذه المسألة بسبب اختلال القدرة على الرد. فقدرة إيران على استخدام القوة العسكرية ضد تركيا وباكستان أكثر تقييداً بكثير من قدرتها على الرد على دول الخليج، نظراً إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي وامتلاك باكستان السلاح النووي.

وبهذا المعنى، لا يعمل الردع من خلال بنود الدفاع المتبادل وحدها، وإنما من خلال تعريض الاقتصاد الإيراني للضغط، وتحديداً في المجال الذي تمتلك فيه طهران قدرة أقل على الرد بالمثل.

هل ترد إيران بالانضمام إلى الاتفاق؟

يثير احتمال توسيع التحالف سؤالاً آخر مرتبطاً بهذه المعضلة.

فقد اقترح عبدالله رمضان زاده، المسؤول السابق في إدارة الرئيس محمد خاتمي، أن تبادر إيران بنفسها إلى طلب الانضمام إلى الاتفاق الثلاثي، مقدماً اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لبناء ترتيب إقليمي لا يشمل إسرائيل.

ويعكس هذا الاقتراح تطلعاً إيرانياً قديماً إلى إنشاء نظام أمني إقليمي نابع من المنطقة نفسها، كما يتقاطع مع اللغة التي استخدمها وزير الخارجية عباس عراقجي يوم توقيع الاتفاق عندما دعا إلى التضامن بين الدول الإسلامية.

إلا أن هذا الاقتراح يصطدم في الوقت نفسه بالمنطق الذي أدى أساساً إلى نشوء الاتفاق.

فالتحالف تبلور نتيجة الحرب، وجاء، في جانب منه، استجابة للحاجة إلى احتواء القوة الإيرانية.

ومع ذلك، يبقى توسيع الاتفاق احتمالاً قائماً، وتبدو دول الخليج التي تعرضت للضربات خلال الأشهر الخمسة الماضية المرشحة الأكثر وضوحاً للانضمام إليه.

فإذا أثبت هذا الترتيب أنه يوفر للسعودية قيمة ردعية حقيقية في مواجهة إيران أو شركائها الإقليميين، فقد تجد دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي أسباباً تدفعها إلى الانضمام إليه.

وهذا الاحتمال نفسه يمثل أيضاً أقوى حجة ضد انضمام إيران إلى الاتفاق.

ماذا يقول النقاش الإيراني في المحصلة؟

إذا أخذنا النقاش الإيراني في مجمله، فإن نقاط الاتفاق بين المحللين الإيرانيين تبدو أكبر من نقاط الاختلاف.

فهناك قبول واسع بأن اتفاق مكة يسجل تحولاً حقيقياً في الظروف الإقليمية، وأنه نشأ من الحرب ومن مواطن الضعف التي كشفت عنها، وأنه ينتمي إلى مسار أطول باتجاه إنشاء ترتيبات أمنية تصنعها دول المنطقة بنفسها.

لكن الاختلاف يبدأ عند تحديد اتجاه هذا التحول وجدوله الزمني.

هل نحن أمام تحالف يتشكل ضد إيران، وله أهداف يمكن تحديدها في اليمن والعراق، ثم في إيران نفسها في مرحلة لاحقة؟

أم أننا أمام إعادة اصطفاف بنيوية أوسع، لم يُحسم اتجاهها النهائي بعد، وقد لا تكون إيران بالضرورة الهدف المركزي أو النهائي لها؟

إن الصمت الرسمي لطهران، والغموض المدروس في دعوة عباس عراقجي إلى التضامن الإسلامي، يوحيان بأن القيادة الإيرانية استوعبت أهمية التطور، لكنها اختارت ألا تمنحه الاعتراف السياسي الذي كان سيترتب على إصدار رد رسمي مباشر عليه.

المخاوف الإيرانية واضحة.

أما المسألة التي لا تزال بلا إجابة، فهي تحديداً تلك التي تركتها الدول الموقعة على الاتفاق مفتوحة: ماذا سيحدث عندما يتعرض أحد أعضاء الاتفاق لاختبار أمني حقيقي؟

والإجابة عن هذا السؤال لن ينتجها نص الاتفاق، بل الأزمة المقبلة”.

(*) ترجمة ChatGPT بتصرف 180post، النص الأصلي بالانكليزية على منصة “إيران أناليتيكا”

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ما بين السياسي والرياضي.. مونديال 2022 نموذجاً