-يصعب تصنيفك في خانة واحدة؛ فأنت الكاتب، الشاعر، المتصوف. كيف تفضّل أن تعرّف نفسك؟
-لطالما سُئلت عن طبيعة أعمالي وكيف يمكن تصنيفها، وكنت أحيل السائلين إلى ما كتبه النقاد، على اختلاف مشاربهم الأدبية والفكرية، وحتى الحزبية. فقد وصفني بعضهم بالكاتب، وآخرون بالأديب أو الشاعر أو المفكر، فيما رأى آخرون أنني أقارب التصوف من زاوية جمالية وفكرية، خارج مدارسه التقليدية وطرقه وطقوسه.
أما أنا، فلا أجد نفسي معنيًا بتعريف ذاتي أو تصنيفها، بل إنني أعزف عن ذلك عمدًا. فكل تصنيف، في رأيي، يحمل قدرًا من التعليب والتحجيم، ويختزل المشروع الإبداعي في عنوان ضيق، بينما المعرفة والثقافة أوسع من أن تُحصر في قالب واحد، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الدين أو التصوف.
-هل استفادت الشعوب من تجارب التاريخ؟
-للأسف، أعتقد أن الشعوب لم تستفد من التاريخ، وربما لن تستفيد منه بالقدر الذي نتصوره. فالتاريخ الذي وصل إلينا ليس سجلًا محايدًا للأحداث، بل روايات كُتبت من زوايا مختلفة، يعتريها النقص والانحياز والتشويه، وأحيانًا التزوير.
لقد قامت أمم وسقطت أخرى، ولكل منها روايتها الخاصة عن نفسها وعن خصومها، لذلك يصعب الحديث عن تاريخ واحد متفق عليه. وإذا كان المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، فأين رواية المهزوم؟
لهذا، ينبغي التعامل مع التاريخ بروح نقدية، لا باعتباره حقيقة مطلقة، بل مادة تحتاج دائمًا إلى المراجعة والتنقيح والمقارنة، لأن كثيرًا من المؤرخين كتبوا تحت تأثير السلطة أو في خدمتها.
-ما هو تعريفك الشخصي للديمقراطية؟
-الديمقراطية ليست نموذجًا واحدًا، بل منظومة تتعدد أشكالها بتعدد التجارب التاريخية والثقافية في الشرق والغرب.
ومن خلال متابعتي للتجارب الديمقراطية، أرى أنها الصيغة الأكثر عدالة لتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، والأكثر قدرة على تجسيد حرية الإنسان ضمن مؤسسات الدولة. لكنها، في الوقت نفسه، ليست معصومة من الأخطاء، إذ شاب تطبيقها في بعض الدول كثير من الانحرافات والتوظيف السياسي.
وبالنسبة إليّ، فإن الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه عبر المؤسسات الدستورية والقانونية، وهي عملية سياسية متواصلة تسمح ببناء مجتمع حيوي وفاعل في السياسة والاقتصاد والثقافة، وتكفل حرية الفكر، أو ما نفتقده في عالمنا العربي: حماية حق التفكير من التكفير.
ولا توجد ديمقراطية مثالية، لكن قيمتها تكمن في قدرتها الدائمة على تصحيح نفسها عبر النقد والمراجعة والتطوير. غير أن انتشارها الحقيقي يبقى مرهونًا بإرادة الدول الكبرى، التي كثيرًا ما تُخضع مبادئ الديمقراطية لمصالحها الاقتصادية والسياسية.
-لماذا أخفقت الأنظمة العربية في بناء تجربة ديمقراطية؟
-السؤال يفترض أن الأنظمة العربية خاضت تجربة ديمقراطية ثم فشلت فيها، بينما أرى أن المشكلة أعمق من ذلك.
في تقديري، لم تعرف المنطقة العربية، منذ سقوط الدولة العثمانية، تجربة ديمقراطية حقيقية، لا على مستوى الدولة، ولا داخل الأحزاب، بما فيها أحزاب المعارضة.
لقد سادت أنظمة تقوم على القمع والإقصاء والإلغاء، سواء في العلاقة بين السلطة والشعب، أو بين السلطة والمعارضة، أو حتى بين قوى المعارضة نفسها، بل وداخل الحزب الواحد.
والأخطر أن كثيرًا من هذه الأنظمة حافظ على بقائه عبر أشكال مختلفة من التعاون الأمني والسياسي، مستندًا في أحيان كثيرة إلى دعم قوى خارجية تؤمّن له الحماية ما دام يؤدي دوره السياسي. وعندما ينتهي هذا الدور، يُستبدل بغيره، سواء عبر انتخابات شكلية، أو انقلابات، أو انتفاضات يجري توظيفها في صراعات النفوذ.
أما المعارضة العربية، فهي في كثير من الأحيان لم تقدم نموذجًا مختلفًا؛ إذ تحكمها، هي الأخرى، الحسابات السلطوية والارتباطات الخارجية، وترفع شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية، فيما يبقى الوصول إلى السلطة هدفها الأول.
-في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة الإلحاد، ولا سيما بين الشباب. كيف تفسر ذلك؟
-لا أملك معطيات دقيقة تؤكد حجم هذه الظاهرة أو مدى اتساعها، ولذلك أتحفظ على القول إنها في ازدياد كبير، وخصوصًا في المجتمعات العربية.
أعتقد أن الإلحاد ما يزال محدود الانتشار في المجتمعات التي تقوم بنيتها الثقافية على الأديان الكبرى، كالإسلام والمسيحية واليهودية، بينما يبدو أكثر حضورًا في بعض المجتمعات الغربية، أو في بيئات الشرق الأقصى.
وفي المقابل، ثمة ظواهر أخرى تتسع بهدوء، مثل اللاأدرية، والربوبية، والروحانية غير الدينية، وهي لا تعني بالضرورة إنكار وجود الله، بل تعكس بحثًا مختلفًا عن معنى الإيمان.
وبرأيي، ستبقى هذه الاتجاهات محدودة ما لم تظهر منظومة فكرية أو فلسفية قادرة على تقديم تفسير أكثر إقناعًا للوجود والإنسان من التفسيرات الدينية السائدة.
وفي النهاية، تبقى المسألة معلقة بسؤال لم يجد البشر جوابًا نهائيًا عنه: هل نملك حقًا تفسيرًا حاسمًا لمعنى الوجود؟
-لماذا نفتقد إلى ثقافة الحوار؟
-لا أعتقد أن غياب ثقافة الحوار مشكلة عربية فحسب، بل هي معضلة رافقت التاريخ الإنساني منذ بداياته. وإذا استعرنا الرواية الدينية، فإن أول صراع بين قابيل وهابيل لم يُحسم بالحوار، بل بالعنف.
وعلى امتداد التاريخ، لم يكن الحوار هو القاعدة في العلاقات بين الشعوب أو الدول أو القوى السياسية، بل كان استثناءً تفرضه موازين القوة. أما في الواقع، فقد ظلت الغلبة دائمًا للأقوى عسكريًا أو اقتصاديًا، الذي يفرض رؤيته وثقافته وإرادته على الآخرين.
لذلك، أرى أن الحديث عن ثقافة الحوار بقي، في معظمه، جزءًا من الأدبيات التربوية والثقافية أكثر منه ممارسة فعلية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يصعب الحديث عن حوار متكافئ بين القوي والضعيف، أو بين المستعمِر والمستعمَر، أو بين المستبد والمستضعف، أو بين الجلاد والضحية. ففي مثل هذه العلاقات تحكم القوة أكثر مما يحكم الحوار، وتسود ثقافة الهيمنة بدل ثقافة التفاهم.
-هل بات فصل الدين عن السياسة ضرورة للتغيير والتقدم؟
-إن مفهوم فصل الدين عن الدولة، أو ما يُعرف بالعلمانية، نشأ في أوروبا نتيجة صراع تاريخي بين سلطة الكنيسة والطبقات الاجتماعية الصاعدة، التي سعت إلى احتكار القرار السياسي بعيدًا عن الهيمنة الدينية.
وقد انتهى هذا الصراع إلى تحجيم الدور السياسي للمؤسسة الدينية، لا إلى إلغاء الدين نفسه. فما زالت المجتمعات الغربية تحتفظ بحضور ديني واضح، إلى جانب التعددية الفكرية والسياسية.
ولم يكن الغرب يومًا في حالة عداء مع المسيحية، بل بقي الدين جزءًا من مخزونه الثقافي والحضاري، يُستدعى أحيانًا في المنعطفات الكبرى والصراعات الدولية، كما حدث في بعض الخطابات التي رافقت الحرب على أفغانستان والعراق.
أما في العالم العربي والإسلامي، فالصورة مختلفة. فهذه المنطقة كانت، عبر التاريخ، موطنًا للأديان الكبرى، ولا تزال البنية الدينية فيها جزءًا أساسيًا من تكوين المجتمع.
ولذلك، فإن معظم المشاريع التي حاولت إقصاء الدين عن الحياة العامة لم تتمكن من ترسيخ نفسها، بل عادت، في لحظات الأزمات، إلى الاستعانة بالمؤسسات الدينية لضمان شرعيتها أو استمرارها.
ومن هنا، أرى أن المشكلة ليست في وجود الدين، بل في استغلاله السياسي. فالدين حاجة روحية ومجتمعية، لكن توظيفه في الصراع على السلطة هو ما يسيء إليه ويشوّه دوره.
ولهذا فإن المطلوب، في تقديري، ليس التخلص من الدين، بل تجديد الفكر الديني، وتنقيته من المفاهيم التي تعيق تطور المجتمع، وتحريره من الاستخدام السياسي والانتهازي، بما يسمح ببناء مجتمع حديث يقوم على حرية الإيمان وإيمان الحرية.
-فقدان العدالة الاجتماعية إحدى أبرز أزمات العالم العربي. كيف يمكن تجاوزها؟
-تقوم العدالة الاجتماعية على جملة من الركائز، في مقدمتها المساواة بين المواطنين، والتكافل الاجتماعي، والإنصاف في توزيع الحقوق والواجبات، والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، إلى جانب احترام الحريات السياسية والنقابية، وتعزيز دور المجتمع المدني.
لكن معظم هذه الأسس ما زال غائبًا أو ضعيفًا في مجتمعاتنا، بسبب هيمنة الاستبداد وتراجع مؤسسات الدولة.
ومن الصعب الحديث عن عدالة اجتماعية في مجتمعات تعاني الأمية، والفقر، والبطالة، والجهل، وغياب تكافؤ الفرص.
أما الطريق إلى العدالة، فيبدأ بقيام دولة القانون والحريات، وإصلاح مؤسسات الدولة، وبناء مجتمع مدني فاعل، قبل أن يمر بتشكيل نخب ثقافية ووطنية تمتلك رؤية عقلانية قادرة على مواكبة العصر وقيادة عملية الإصلاح.
–ما هي طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة؟
-تُعد العلاقة بين المثقف والسلطة من أكثر القضايا حضورًا في الفكر السياسي والاجتماعي، وقد تناولها مفكرون كبار، من بينهم ابن خلدون وغرامشي، كلٌّ من زاويته الخاصة.
يرى ابن خلدون أن صاحب القلم يؤدي، في نهاية المطاف، دورًا يخدم السلطة ويعينها على إدارة الحكم، فيما يميز غرامشي بين مثقف يكرّس الهيمنة القائمة، وآخر يسعى إلى تغييرها.
أما أنا، فأرى أن السلطة ليست سياسية فقط، بل تتخذ أشكالًا متعددة: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ومعرفية. وكذلك المثقف؛ فليس هناك نموذج واحد للمثقف، بل مثقف سياسي، واجتماعي، وفلسفي، وتربوي، ومعرفي.
وفي المجال السياسي تحديدًا، أعتقد أن العلاقة بين المثقف والسلطة هي، في جوهرها، علاقة تنافس على النفوذ. فالسياسي يسعى إلى امتلاك السلطة بصورة مباشرة، أما المثقف فيحمل، غالبًا، مشروعًا سلطويًا مؤجلًا، سواء من داخل السلطة أو من خارجها.
ومن هنا، فإن كثيرًا من المثقفين لا يظلون على المسافة نفسها من السلطة، بل ينتقلون، عندما تتاح لهم الفرصة، من موقع النقد إلى موقع الممارسة. لذلك فإن الحديث عن “خيانة المثقفين” ليس دائمًا مبالغة، بل يعكس تحولات شهدها الواقع مرارًا، حين انتقل بعض المثقفين من الدفاع عن الحقيقة إلى الدفاع عن السلطة.
-كيف ترى واقع الثقافة اليوم في ظل التحولات السياسية والتكنولوجية المتسارعة؟
-أصبحت الثقافة اليوم أسيرة الفضاء الرقمي، والعالم تحول، بالفعل، إلى قرية صغيرة. ولم تعد الرقمنة مجرد أداة تقنية، بل أصبحت إحدى القوى التي تعيد تشكيل التاريخ والثقافة معًا.
وفي ظل العولمة والانفجار الإعلامي، تتراجع الثقافات الوطنية والقومية التقليدية أمام أنماط ثقافية كونية جديدة، تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤثر في أنماط التفكير والسلوك.
وأرى أننا نعيش اليوم نوعًا من العنف الرمزي، يوازي العنف العسكري والاقتصادي، تمارسه القوى المهيمنة في العالم عبر إنتاج منظومات ثقافية وإعلامية قادرة على التأثير في وعي الشعوب وتوجيهه.
ولذلك، ستنشأ أجيال تختلف ثقافيًا عنا، وربما يصعب علينا فهمها أو التنبؤ بمساراتها. فالتغير الثقافي سيستمر، سواء رغبت الثقافات التقليدية في ذلك أم قاومته.
ولا يعني هذا أن كل جديد أفضل، كما لا يعني أن كل قديم يستحق البقاء، لكن المؤكد أن التحولات الجارية ستترك آثارًا عميقة في البنية الاجتماعية والتربوية والنفسية لمجتمعاتنا.
-من بين المذاهب والأيديولوجيات الفكرية، أيها الأقرب إلى أفكارك؟
-منذ أقدم الأساطير والروايات الإنسانية، ظهرت أديان ومذاهب وفلسفات وأيديولوجيات لا حصر لها، وكلها حاولت الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والإنسان والكون.
لكن، في رأيي، لم ينجح أي منها في تقديم إجابة نهائية تشبع حاجة الإنسان إلى المعرفة، أو تزيل حيرته الوجودية.
فكلما بدا أننا عثرنا على جواب، انفتحت أمامنا أسئلة جديدة، وكأن المعرفة نفسها رحلة لا تنتهي.
ولهذا، لا أجد نفسي منتميًا بالكامل إلى أي مذهب أو أيديولوجيا مغلقة، لأن البحث، بالنسبة إليّ، أهم من الادعاء بامتلاك الحقيقة، والسؤال أوسع من أي جواب نهائي.
اكمل
-هل عشنا الحرية بمعناها الحقيقي، أم ما زلنا بعيدين عنها؟
-لا أعتقد أن الإنسان عرف، في أي مرحلة من التاريخ، حرية مطلقة. فالفرد يعيش دائمًا داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والقانونية والطبيعية التي تفرض حدودًا على حريته.
ولهذا، فإن الحرية تظل مفهومًا نسبيًا، تختلف مساحته من مجتمع إلى آخر تبعًا لطبيعة النظام السياسي والثقافي والقانوني السائد.
وفي رأيي، فإن الحرية المطلقة ليست ممكنة، بل قد تقود إلى نقيضها، لأنها تتحول إلى اعتداء على حرية الآخرين. ولذلك يبقى المبدأ الذي يقول: “تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية غيرك“ من أكثر المبادئ قدرة على التعبير عن المعنى الحقيقي للحرية.
-ما هو تعريفك للثورة؟
-أرى الثورة انفجارًا شعبيًا ضد واقع قائم، ينشأ عندما تتوافر ثلاثة عناصر في آن واحد:
- نظام استبدادي فاسد.
- شعب يعاني الجهل والفقر والحرمان.
- قوة سياسية منظمة تسعى إلى الاستيلاء على السلطة.
وتبدأ الثورة عادة بالعصيان والاحتجاج، وقد تتطور إلى المواجهة المسلحة أو الحرب الأهلية إذا تعذر التغيير السلمي.
لكن التجربة التاريخية، ولا سيما في العالم العربي، تُظهر أن القوى التي تقود الثورات لا تفعل ذلك بدافع أخلاقي مجرد، بل لأنها تطمح إلى الحلول محل السلطة القائمة.
ولهذا، كثيرًا ما تنتهي الثورات عندنا إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصورة جديدة؛ تبدأ بسلطة جماعية، ثم تتحول إلى سلطة حزبية، قبل أن تستقر في يد فرد واحد يحتكر القرار ويعيد إنتاج عبادة الزعيم.
-هل الفكر السياسي انعكاس للثقافة العامة، أم أنه أداة لتشكيلها؟
-أرى أن العلاقة بين الفكر السياسي والثقافة علاقة متبادلة؛ فالفكر السياسي يعكس ثقافة المجتمع، لكنه يسهم، في الوقت نفسه، في إعادة تشكيلها.
وهذه العلاقة تقوم على التفاعل المستمر بين النخب والبنية الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع.
وتتوقف فرص التقدم على قدرة النخب على إنتاج أفكار جديدة تنطلق من واقع المجتمع، ثم تعيد صياغة هذا الواقع في صورة وعي جديد يقود عملية التغيير.
ففي كل مرحلة تاريخية ينشأ صراع بين النخب والقوى الاجتماعية، ومن هذا الصراع تولد نخب جديدة وأفكار جديدة وأشكال جديدة من السلطة.
ولذلك أجد في المقولة الشعبية: “كما تكونون يُولّى عليكم“ جانبًا من الحقيقة، لكنني أضيف إليها الوجه الآخر: “وكما يُولّى عليكم تكونون”. فالعلاقة بين المجتمع والسلطة ليست أحادية الاتجاه، بل علاقة تأثير متبادل.
ولعل التجربة الصينية تعبّر عن هذا المعنى في الشعار الذي يقول: “من الجماهير… وإلى الجماهير“. فالنخبة الناجحة لا تفرض أفكارها من خارج المجتمع، بل تستوعب أفكار الناس، ثم تعيد إنتاجها في صورة مشروع فكري وسياسي جديد.
-في ظل الفوضى السياسية والإعلامية، كيف يمكن للمواطن أن يميّز بين الحقيقة والادعاء؟ وما دور المثقف في هذا السياق؟
-أصبح الإعلام اليوم أخطر أدوات الصراع في حروب الهيمنة الحديثة، لأنه لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحول إلى أداة لتشكيل العقول وصناعة الرأي العام. وهو، في الواقع، جزء من البنية السياسية، ويعمل غالبًا في خدمة مشاريع الدول والأحزاب والقوى النافذة.
وتزداد خطورة هذا الدور مع الهيمنة التي تمارسها المؤسسات الإعلامية العالمية الكبرى، ولا سيما الأميركية، على تدفق الأخبار والمعلومات، الأمر الذي يمنحها قدرة هائلة على توجيه السرديات وصناعة الأولويات.
ولهذا، لا أؤمن بوجود إعلام محايد بالمعنى المطلق. فكل مؤسسة إعلامية تتحرك ضمن منظومة من المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية، بدرجات متفاوتة.
ولا يعني ذلك أن كل ما ينشر كذب، لكن الإعلام، في كثير من الأحيان، لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يعيد ترتيبها وانتقاءها وتأويلها بما يخدم أهدافًا محددة. وهنا يصبح التضليل الإعلامي امتدادًا للتضليل السياسي، وتغدو صناعة الرأي العام جزءًا من معركة النفوذ بين القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن تمييز الحقيقة من الادعاء لم يعد مهمة سهلة، لأن المواطن يعيش وسط سيل من المعلومات المتناقضة، التي تختلط فيها الوقائع بالدعاية، والأخبار بالتحليلات، والحقائق بالسرديات السياسية.
أما المثقف، فلا أعتقد أنه يقف خارج هذه المعركة. فهو، بدوره، جزء من الصراع الدائر داخل المجتمع، ويتأثر بموازين القوى والبيئات الفكرية والسياسية التي ينتمي إليها.
ولذلك، فإن الصورة التقليدية التي تقدم المثقف بوصفه كائنًا مستقلًا ومحايدًا وثوريًا على الدوام، تبدو لي أقرب إلى المثال النظري منها إلى الواقع. فقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من المثقفين انتقلوا، عند أول اختبار، من موقع النقد إلى موقع السلطة، أو أصبحوا جزءًا من أجهزتها الفكرية والإعلامية.
لهذا، فإن استقلال المثقف ليس صفة تُمنح له مسبقًا، بل مسؤولية أخلاقية عليه أن يثبتها في مواقفه وسلوكه، لا في شعاراته.
