سلوى البنا: الأحداث التي نشهدها سوريالية بامتياز… وروايتي انعكاس لها

تبادلت الأديبة سلوى البنا وفلسطين نذرًا وعهدًا بانتزاع الكلمة من فم التنين الإسرائيلي، وتصييرها سلاحًا في خدمة الحق وحقوق شعب تعرّض للطرد، بقوة المجازر والإرهاب، من أرضه وسكناه وحقول أشجاره الممتدة في السنين إلى ما قبل تواريخ البذور والنبات والاجتماع البشري.

تبنّت سلوى البنا الحرف والقلم مطيةً لالتزامها الإبداعي في القصة القصيرة والرواية، وقبلهما في ميدان الصحافة وما يتطلبه من جرأة لا تتوقف عند الخطوط الحمر. صدرت لها أعمال أدبية مبكرة، ونال بعضها «تهديدًا»، إلا أن ذلك زادها إصرارًا على الاستمرار في التأليف، والتنويع في الأسلوب، مع الاحتفاظ بقناعة الاشتباك العضوي مع ما تقول وتعلن، أو ما تُحجم عنه وتستكين إليه. لكنها لا تُهادن أبداً.

منذ «عروس خلف النهر» (1972)، وصولًا إلى روايتها الصادرة مؤخرًا بعنوان «تعويذة الشيخ المجذوب» (205 صفحات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2026)، صدر لها العديد من الأعمال الأدبية، منها: ست الحسن في ليلتها الأخيرة (دار الفارابي)، وعشاق نجمة (دار الآداب)، وامرأة خارج الزمن، وحذاء صاحب السعادة.. وغيرها.

لمناسبة صدور روايتها «تعويذة الشيخ المجذوب»، كان لنا معها هذا الحوار، الذي رأت من خلاله «أن الأحداث التي نشهدها اليوم هي سوريالية بامتياز، والرواية انعكاس لها»، لأن ــ كما تقول ــ «ثمة انحدارًا مخيفًا في القيم والمفاهيم انعكس على الإبداع بشكل عام، وهذا حصاد سنوات من التقزيم والتسفيه»

***

منى سكرية: تُنهين عملك الروائي الصادر حديثًا بعنوان «تعويذة الشيخ المجذوب» بما يشبه التوقّع، أو التمنّي، وربما الرؤيوي، إذ تحكين عن الهادي عطية. ماذا يمثّل هذا الاسم؟ هل هو ترميز لحالة عامة، أم احتمال أن يكون شخصًا أو فردًا أو ظاهرة؟

سلوى البنا: تتخطى رواية «تعويذة الشيخ المجذوب» ما هو مألوف أو متوقع، وربما ما هو مقبول. وهي خالية تمامًا من الأسلوب المباشر الذي يضع للقارئ إجابات مبطنة أو تبسيطًا مفتعلًا لتفكيك الرموز. أما عن شخصية الهادي عطية، فهي رمزية فعلًا، لكنها شخصية مركبة تجسد المستقبل الذي أؤمن به كأديبة ملتزمة، وإن بشكل غير مباشر، تاركةً للقارئ حرية تشكيله وفهمه.

-نلاحظ أنك تعتمدين أسلوب الترميز في أعمالك الأدبية، سواء في الرواية أم في القصة القصيرة. هل هو تعبير عن قدرة إبداعية، أم هروب من مواجهة الواقع؟

-بالعكس تمامًا، هو تحدٍّ للواقع واستحضار له بكل مفاصله. أما الترميز، فهو الأسلوب الأدبي الذي يمنح النص خصائصه، بعيدًا عن الخطابة والمباشرة، اللتين مكانهما خارج الإبداع.

هذا هو الفرق بين كتابة نص سياسي أو خطابي، أو لنقل نصوص المناسبات، وبين النص الأدبي الذي يختزل كل ذلك بالترميز والتشويق، بعيدًا عن المباشرة الفظة التي تفقده خصوصيته.

-تتظهّر في روايتك «تعويذة الشيخ المجذوب» عناصر عدة من المشهد الحياتي: حاكم ظالم، وغانية ماكرة، وكاتب مرتزق، ومناضل شريف، وزوجة مخدوعة.. أين سوريالية ما رميتِ إليه في الرواية؟

-في الحقيقة، فإن الشخصيات التي أشرتِ إليها تحمل في تركيبتها أكثر من بُعد واحد، ومن الخطأ توصيفها أو ترميزها بهذا الاختزال؛ روجينا ليست غانية كما توحي شخصيتها، والمجذوب أو جوناثان ليس حاكمًا فردًا بالمعنى المعروف، وكذلك الزوجة، في سياق النص، ليست زوجة مخدوعة. وينطبق هذا الإطار على سائر أبطال الرواية.

أما توصيفي لها بأنها رواية سوريالية، فلأنها رواية تقول ولا تقول. فمن أول درجات مغارة المجذوب، وبخوره، ومسبحته، إلى آخر مشهد فيها على وقع دعوة الهادي عطية لقيامة الموتى، ترصد الرواية واقعًا غرائبيًا عصيًا على التوصيف أو الفهم، يشبه هذا الواقع السياسي الذي يشهده العالم اليوم، والمتمثل بإمبراطورية أميركا وزعيمها الأوحد.

ولا يغيب في الرواية مخطط تفكيك الوطن وولادة إمارات مخصية بديلة، من خلال ما أسميته «ممالك الأحلام» التي يسعى جو، أو المجذوب، إلى تحقيقها. فالأحداث التي نشهدها اليوم هي سوريالية بامتياز، والرواية انعكاس لها.

-في «التعويذة» نلحظ أن المرأة المخدوعة تمردت على واقعها، وكأن ذلك يتماثل مع ما تحققه النساء من استقلالية بما يتناقض مع الصورة التقليدية للمرأة الخانعة في المجتمع العربي؟

الرواية ليست رواية نسوية، كما قد يكون قرأها البعض من خلال شخصية إحسان وتوصيفها بالمرأة المخدوعة، ولا من خلال روجينا المجنونة ووصفها بالغانية، أو حتى لوليتا التي ربط البعض بينها وبين لوليتا في الرواية المشهورة.

لا قواسم مشتركة مطلقًا بين لوليتا «المجذوب» وتلك التي استحضرها البعض. وقد يكون من الطبيعي أن تكون لكل قارئ قراءته الخاصة للعمل الأدبي، لكن بشرط أن تستولد هذه القراءة من رحم الرواية.

إن بطلات «التعويذة» هنا لسن نساء عاديات، ولا يجسدن، بأي شكل من الأشكال، المرأة المسحوقة، أو تلك الأنثى الضعيفة والمغيبة الحضور. فلكل منهن، في مسارها وحركتها، دورها القوي، وحضورها الفاعل والوازن، في رسم سوريالية المشهد.

-عمّ تبحث سلوى البنا؟

أنا أبحث باستمرار عن إنعاش ذاكرتي، وعدم قتلها بالنسيان.

إقرأ على موقع 180  لبنان الحرّيّات والعصابات.. والفئران البيضاء!

-واكبتِ محطات أساسية في مشهد النهوض الأدبي الفلسطيني. كيف يتبدى لك المشهد اليوم؟

أنا من الذين لا يجزئون المشهد الأدبي، وأعتبره متكاملًا، كما أعتبر أن ما يسري على الأدب يسري على سائر الفنون.

ثمة انحدار مخيف في القيم والمفاهيم انعكس على الإبداع بشكل عام، وهذا حصاد سنوات طويلة من التقزيم والتسفيه، الذي عملت عليه مؤسسات فكرية وثقافية وجدت لهذه الغاية، ولا تزال تحاصر الكلمة ــ الرصاصة، كما كنا نطلق عليها في زمن الزهو، وحضوره فكرًا ومقاومة.

باختصار، غاب، أو جرى تغييب، ما أسميناه بالأدب الملتزم، الذي يشكل البنيان المتين لحماية العقل من السقوط في فخ تغييب الوطن.

-على ماذا تندمين؟

-الندم جلد للذات غير مجدٍ. ومن يعمل هو الأكثر عرضة للخطأ. فمواجهة الحياة هي معركتنا الأصعب، لكن انتصارنا فيها يتجسد بقدرتنا على الوقوف مجددًا، والنهوض، وترميم ذواتنا، من خلال قراءة تجاربنا بعمق، والاستفادة من أخطائنا. من الطبيعي أن نخطئ، لكن غير الطبيعي أن نكرر الخطأ نفسه أكثر من مرة.

-ماذا علمتك الحياة؟

-الحياة هي المدرسة الحقيقية التي تبني شخصيتنا وتشكلنا، إضافة إلى منبتنا كمجتمع وأسرة. لكن مدى قدرتنا على التعلم منها رهن بقدرتنا على مواجهة ذواتنا بجرأة ومصداقية، لمعرفة تموضعنا الحقيقي من التجربة، وفرز ما لنا وما علينا، كخطوة أساسية للاستفادة منها

Print Friendly, PDF & Email
منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الخرطوم الشهيدة.. سيرة زهرة النيلين