عشرون ألفاً قضوا في أسبوع.. والعالم يُصفّق لمن يسخر من احتراقه

خلال أسبوع واحد فقط، بين 22 و28 حزيران/يونيو 2026، تحولت مساحات واسعة من أوروبا إلى فرن كبير. وقدّرت دراسة أولية، استناداً إلى العلاقة الإحصائية بين درجات الحرارة والوفيات، أن موجة الحر ربما ارتبطت بنحو عشرين ألف وفاة خلال سبعة أيام. وليس الرقم تعداداً نهائياً لأشخاص كُتب على شهادات وفاتهم أن «تغير المناخ قتلهم»، بل تقدير علمي قابل للمراجعة، لكن بيانات الوفيات الزائدة التي صدرت في عدد من الدول الأوروبية أكدت أن ما حدث لم يكن مجرد صيف قاسٍ، بل كارثة صحية واسعة النطاق، كان كبار السن والمرضى والفقراء أكثر ضحاياها.

عشرون ألف إنسان في أسبوع واحد. لو سقطوا في تفجير، أو حرب خاطفة، أو انهارت فوقهم المباني دفعة واحدة، لتوقفت نشرات الأخبار، وعقدت الحكومات اجتماعات طارئة، وشُكلت لجان التحقيق، وبدأ البحث عن الفاعل والمسؤول. لكنهم ماتوا متفرقين، في الشقق المغلقة ودور المسنين والمستشفيات ومواقع العمل، فاختفت المذبحة داخل عبارة محايدة ومريحة: «موجة حر». كأن الشمس وحدها قتلتهم، وكأن هذه الحرارة هبطت من فراغ، لا من تاريخ طويل من حرق الفحم والنفط والغاز، ومن نظام اقتصادي عرف الخطر منذ عقود ثم قرّر أن استمرار الأرباح أهم من منع الكارثة.

لم تعد الصلة بين موجات الحر وتغير المناخ مجرد موقف سياسي أو استنتاج أخلاقي. هناك اليوم فرع كامل من علوم المناخ يُعرف بعلم الإسناد المناخي، يقارن العالم الذي نعيش فيه، وقد تراكمت في غلافه الجوي غازات الدفيئة، بعالم افتراضي لم تحدث فيه الانبعاثات البشرية بالمقدار نفسه. بهذه المقارنة يستطيع العلماء تقدير مقدار ما أضافه الاحترار البشري إلى احتمال موجة معينة وشدتها، بل وإلى عدد ضحاياها. وفي تحليل لموجات حر ضربت إنكلترا وويلز في أيار/مايو وحزيران/يونيو 2026، قُدّر أن نحو 42 في المئة من الوفيات المرتبطة بالحرارة لم تكن لتقع لولا الاحترار الذي صنعه النشاط البشري. لم يعد العلم يقول فقط إن تغير المناخ يجعل موجات الحر أشد؛ بل بات قادراً على تقدير عدد الأشخاص الذين كان يمكن أن يبقوا أحياء لولا الكربون الذي أضفناه إلى الغلاف الجوي.

وللاحترار البشري بصمات فيزيائية وكيميائية لا تمحوها الخطب السياسية. فلو كان ازدياد نشاط الشمس هو سبب الاحترار الراهن، لارتفعت حرارة طبقات الغلاف الجوي كلها؛ لكن القياسات تُظهر ارتفاع حرارة سطح الأرض والطبقة السفلى من الغلاف الجوي في مقابل برودة الطبقات العليا، وهو النمط المتوقع عند تراكم غازات الدفيئة. كما تكشف نظائر الكربون أن الزيادة في ثاني أكسيد الكربون تحمل بصمة وقود أحفوري قديم. نحن لا نتحدث عن عقيدة أو مزاج سياسي، بل عن درجات حرارة وإشعاع وتركيب كيميائي للهواء، كلها مقاسة. وحين يسخر دونالد ترامب من تغير المناخ، فهو لا يدخل في جدال فلسفي مع خصومه؛ بل يقف في مواجهة موازين الحرارة والأقمار الاصطناعية وقوانين انتقال الإشعاع ونتائج التحليل الكيميائي للهواء.

الحرارة طبقية حتى في قدرتها على القتل

من الناحية الطبية، تقتل الحرارة حين يفقد الجسم قدرته على التخلص من الطاقة الزائدة، فيزداد العبء على القلب والكليتين والجهاز التنفسي، وقد تتطور الحالة إلى إجهاد حراري أو ضربة شمس أو فشل في الأعضاء. لكنها لا تقتل الجميع بالقدر نفسه؛ فالناس لا يدخلون موجة الحر بأجساد متساوية، ولا بمنازل متساوية، ولا بحسابات مصرفية متساوية. يعبر الثري الموجة من منزل مكيّف إلى سيارة مكيّفة ثم إلى مكتب مكيّف، وقد يغادر المدينة كلها إلى منطقة أكثر اعتدالاً. أما المسن الذي يعيش وحيداً في شقة سيئة العزل، والعامل الذي يواصل عمله تحت الشمس، والمريض الذي يخشى تشغيل المكيف بسبب فاتورة الكهرباء، والأسرة التي لا تملك مكيفاً أصلاً، فهؤلاء يتلقون الحرارة كاملة في أجسادهم.

ولا تبدأ اللامساواة عند باب المنزل، بل في خريطة المدينة ذاتها. فالخرسانة والإسفلت والأسقف الداكنة تختزن طاقة الشمس نهاراً ثم تعيد إطلاقها ليلاً، فيما تخفض الأشجار والحدائق الحرارة عبر الظل والتبخر. لذلك تكون الأحياء المكتظة والمغطاة بالإسمنت أشد حرارة من المناطق الخضراء، ويصبح الفارق الليلي أكثر خطورة لأن الجسد لا يحصل على فرصة للتعافي من إجهاد النهار. لكن الظل والخضرة والسكن الجيد ليست موزعة بالتساوي؛ ثمة أحياء تحيط بها الأشجار والحدائق، وأخرى يغطيها الإسفلت، وثمة مبانٍ معزولة جيداً، وأخرى تتحول جدرانها وأسقفها إلى خزانات للحرارة.

وقد يمتلك الإنسان جهاز تكييف، لكنه لا يمتلك القدرة على دفع فاتورته، فيتحول الجهاز المعلق على الجدار إلى شاهد على نجاة متاحة تقنياً وممنوعة اقتصادياً. هكذا ينشأ نوع جديد من الفصل الطبقي: فصل حراري يشتري فيه الأغنياء مناخاً خاصاً، بينما يعيش الفقراء المناخ العام بكل عنفه. لم تعد البرودة حالة مشتركة، بل ملكية خاصة؛ ولم يعد التكييف مجرد جهاز منزلي، بل جداراً طبقياً يفصل بين من يستطيع حماية جسده ومن يُترك لينضج ببطء داخل منزله. لذلك لا يكفي وصف ما يحدث بأنه «كارثة طبيعية»: الطبيعة توفر الشرط الفيزيائي، لكن المجتمع يقرر من يحتمي ومن ينكشف، ومن يتلقى العلاج ومن يموت وحيداً، ومن يشتري البرودة ومن يدفع حياته ثمناً لها. فموجة الحر لا تمر فوق مجتمع متساوٍ، بل تكشف طبقاته كما تكشف الأشعة السينية ما تحت الجلد.

الرأسمالية الأحفورية: الربح خاص والموت عام

من المضلل أن يقال إن «البشرية» كلها مسؤولة عن تغير المناخ، كأن طفلاً فقيراً في إفريقيا، وعاملاً في بنغلادش، ومزارعاً في لبنان، ومالك طائرة خاصة، وشركة نفط عملاقة، يتحملون المسؤولية نفسها لمجرد انتمائهم جميعاً إلى النوع البشري. ففي عام 2019، كان أغنى عشرة في المئة من سكان العالم مسؤولين عن نحو نصف الانبعاثات، فيما لم تتجاوز حصة النصف الأفقر من البشرية نسبة محدودة منها. كما أمكن، في السنوات التالية لاتفاق باريس، تتبع القسم الأكبر من انبعاثات الوقود الأحفوري والإسمنت إلى عدد صغير نسبياً من الشركات والمؤسسات الإنتاجية والدول المنتجة للفحم. لا يعني ذلك أن هذه الجهات أطلقت كل الغازات مباشرة من مداخنها، بل إن الحساب يتتبع الكربون الموجود في الوقود الذي استخرجته وباعته ثم احترق في أنحاء العالم. لكنه يكشف مدى تركز السيطرة على المصدر الأساسي للأزمة في يد مؤسسات اقتصادية وسياسية محدودة.

ولهذا يقترح بعض الباحثين، بدلاً من تعبير «الأنثروبوسين» أو “عصر الإنسان”، تعبيراً أكثر دقة: «الرأسمالسين»، أي عصر رأس المال. فالإنسان، بوصفه كائناً بيولوجياً، لم يقرر أن يكون الغلاف الجوي مكباً مجانياً لنفايات الصناعة؛ بل فعل ذلك نظام تاريخي محدد ربط تراكم الثروة بتوسع دائم في الاستخراج والإنتاج والاستهلاك. لقد بُني الاقتصاد الأحفوري على معادلة بسيطة ووحشية: تستخرج الشركات النفط والغاز والفحم وتبيعها، فتذهب الأرباح إلى المالكين والمساهمين، بينما يوزع ثاني أكسيد الكربون أضراره على البشرية كلها. تدفع الشركة كلفة الحفر والتكرير والنقل، لكنها لا تدفع كلفة موجات الحر، ولا فواتير المستشفيات، ولا تعوض الأسر التي تفقد أحباءها، ولا تتحمل خسارة المحاصيل وحرائق الغابات وغرق السواحل. تظهر الأرباح في ميزانيات الشركات، أما الموت ففي سجلات المستشفيات؛ يذهب العائد إلى المالك، ويذهب الكربون إلى السماء. تلك هي القاعدة الذهبية للرأسمالية الأحفورية: خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر.

وكان من الممكن، في بدايات العصر الصناعي، الادعاء بأن البشر لم يكونوا يعرفون نتائج حرق الوقود الأحفوري. لكن هذا العذر سقط منذ زمن طويل؛ فقد أظهرت مراجعة لتوقعات أعدها علماء شركة إكسون وإكسون موبيل منذ سبعينيات القرن الماضي أن عدداً كبيراً منها تنبأ بالاحترار اللاحق بدقة لافتة، وأن علماء الشركة قدّروا معدل ارتفاع الحرارة تقديراً قريباً مما حدث فعلاً. كانوا يعرفون، إذاً. لم تكن المشكلة في عجز العلم عن رؤية المستقبل، بل في ما اختارت السلطة الاقتصادية أن تفعله بتلك المعرفة.

وبدلاً من تغيير نموذج الإنتاج، جرى الاستثمار في صناعة الشك: تضخيم هوامش عدم اليقين، وتمويل مراكز تشكيك، وتحويل الإجماع العلمي إلى «جدل»، وعرض العالِم والمنكِر على الشاشات كما لو كانا يمثلان رأيين متساويين. ولا تحتاج صناعة التضليل إلى إثبات أن آلاف العلماء مخطئون؛ يكفي أن تقنع الجمهور بأن المسألة لم تُحسم بعد، وأن علينا الانتظار قليلاً. أما في قطاع الوقود الأحفوري، فلا تعني عبارة «لننتظر قليلاً» الحذر العلمي، بل حقولاً وأنابيب وعقوداً جديدة، ومليارات إضافية من الأرباح.

ثم جرت واحدة من أكثر عمليات نقل المسؤولية دهاءً: تحولت الأزمة من سؤال عن حقول النفط ومحطات الطاقة والقوانين والاستثمارات إلى سؤال أخلاقي يلاحق الفرد: كم تبلغ بصمتك الكربونية أنت؟ لم تخترع شركة «بي بي» مفهوم البصمة الكربونية، لكنها ساهمت بقوة في تعميم احتسابها على الأفراد. تبدو الفكرة مفيدة، ولا شك في أن السلوك الشخصي مهم، لكن أثرها السياسي كان نقل بؤرة النظر من المؤسسة التي تستخرج الوقود وتحدد خيارات الطاقة إلى المواطن الذي يحاول العيش داخل منظومة لم يصممها. صار العامل مطالباً بالشعور بالذنب لأنه يقود سيارة إلى عمله، بينما تستمر الشركة في فتح الحقول وتسويق الوقود، وتستمر الدولة في بناء مدن لا تتيح له بديلاً عملياً. وهكذا انتقلت المسؤولية من مجلس إدارة الشركة إلى مطبخ المستهلك، ومن القوة إلى الضحية.

إقرأ على موقع 180  سوريا.. تفاوض بالنار بين واشنطن وموسكو   

وليس التأخير المناخي مجرد خطابات، بل إسمنت وفولاذ وقروض وعقود. فكل حقل نفطي جديد، وكل خط أنابيب، وكل محطة غاز أو فحم، منشأة مصممة لتعمل عقوداً. وبعد استثمار المليارات فيها، تصبح الشركات والمصارف والحكومات معنية باسترداد الأموال، فتقاوم إغلاقها قبل نهاية عمرها الاقتصادي. هذا هو الانغلاق الكربوني: نبني اليوم بنية تحتية تحتاج إلى ثلاثين أو أربعين سنة من الحرق كي تصبح مربحة، ثم نزعم غداً أن التخلي عنها مستحيل لأننا أنفقنا عليها كثيراً. هكذا لا تستهلك الرأسمالية الأحفورية حاضرنا فقط؛ بل ترهن المستقبل أيضاً، وتحوّل الأنابيب والمحطات إلى عقود يكون البشر الذين لم يولدوا بعد الطرف الوحيد الذي لم يُستشر فيها.

ترامب: حين يصعد إنكار المناخ إلى منبر العالم

من قلب هذه الصناعة الطويلة للشك خرج الإنكار السياسي الذي بلغ مع دونالد ترامب أكثر صوره وقاحة. لم يخترع ترامب إنكار المناخ؛ سبقته جماعات الضغط ومراكز الأبحاث وشبكات إعلامية أمضت عقوداً في تحويل العلم إلى هوية حزبية. لكنه أخذ ذلك الإنكار من هوامش السياسة إلى البيت الأبيض، ثم حمله إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. في 23 أيلول/سبتمبر 2025، وقف ترامب أمام ممثلي دولٍ يهدد ارتفاع مستوى البحار وجودها، وأخرى يموت سكانها في الفيضانات والجفاف وموجات الحر، ووصف تغير المناخ بأنه «أعظم عملية احتيال ارتُكبت بحق العالم». هاجم الطاقة المتجددة، وسخر من الرياح ومن مفهوم البصمة الكربونية، وقدم سياسات خفض الانبعاثات باعتبارها حماقة تدمّر الدول. كان رئيس أقوى دولة في العالم يقف أمام شعوب ترى مياه البحر تتقدم نحو بيوتها، ومزارعين يشاهدون أرضهم تجف، وأسراً دفنت موتاها بعد موجات الحر، ويخبرهم جميعاً بأن الخطر الذي يعيشونه خدعة صنعها أغبياء.

لكن القاعة لم تنتفض. لم تقع مقاطعة جماعية، ولم يرتفع اعتراض يوازي خطورة ما قيل. جلست الوفود ملتزمة بأدب الدبلوماسية، وعندما انتهى ترامب وغادر المنصة، تلقى تصفيقاً بروتوكولياً. لا يمكن القول بدقة إن الوفود صفقت لعباراته المناخية تحديداً، لأن التصفيق جاء في نهاية خطاب طويل تناول قضايا متعددة. لكن الحقيقة تبقى مثيرة للشفقة: سمعوا رئيساً يسخر من احتراق العالم، فصمتوا، ثم منحوه التصفيق الذي تفرضه المجاملة.

أي مشهد يلخص النظام الدولي أكثر من هذا؟ العلم يُهان علناً، والدول المهددة تلتزم آداب الجلوس، ثم يعلو التصفيق لأن البروتوكول أهم من الحقيقة. ربما خشي بعضهم إغضاب الولايات المتحدة، وربما اعتبر آخرون أن الرد لا يليق بالدبلوماسية. لكن الصمت أمام السلطة ليس حياداً دائماً؛ أحياناً يكون شكلاً من أشكال الخضوع. وحين تصبح المجاملة أهم من مصير البشر، تتحول الأمم المتحدة من منبر للشعوب إلى مسرح يجلس فيه الضحايا بأدب بينما يسخر الأقوى من موتهم.

والأخطر أن كلام ترامب لم يبقَ استعراضاً على منصة، بل تحول إلى قرارات: انسحاب جديد من اتفاق باريس، وتوسيع استغلال النفط والغاز، وإضعاف القيود على الانبعاثات، وتفكيك أسس التنظيم البيئي. هنا يظهر المعنى الحقيقي للإنكار السياسي. فترامب لا يحتاج إلى تغيير قوانين الفيزياء؛ يكفيه أن يغيّر القوانين البشرية التي تحاول الحد من نتائجها. لا يستطيع إصدار مرسوم يمنع ثاني أكسيد الكربون من امتصاص الأشعة تحت الحمراء، ولا أن يأمر المحيطات بالتوقف عن اختزان الحرارة، أو الجليد بألا يذوب، أو الأجساد المسنة بألا تنهار. لكنه يستطيع إلغاء القيود، وتوسيع الحفر، وإضعاف المؤسسات الرقابية، وإجبار العالم على إهدار سنوات إضافية.

فالإنكار لا يطفئ الحريق؛ إنه يعطّل جهاز الإنذار ويفتح صمامات الوقود. وسيكون من المريح، وإن يكن خاطئاً، أن نرى في ترامب مجرد رجل جاهل أو خلل طارئ في نظام عقلاني. إنه ليس نقيض الرأسمالية الأحفورية، بل أحد أكثر أصواتها صراحة: الشركات تريد استخراج المزيد وهو يهتف بالحفر، والمستثمرون يرون في التشريعات البيئية كلفة تقلل الأرباح وهو يصفها مؤامرة على الحرية. يتطلب الحل المناخي تخطيطاً بعيد المدى، وتعاوناً دولياً، واستثمارات عامة؛ فيما يقوم خطابه على الربح السريع والقومية الضيقة ورفض أي حقيقة تفرض حدوداً على السوق. فالاعتراف الكامل بأزمة المناخ يفتح أسئلة لا يريد النظام سماعها: هل يجوز فتح حقول جديدة؟ من يتحمل كلفة الانتقال؟ هل تُحاسب الشركات على أضرار منتجاتها؟ وهل يستطيع اقتصاد يحتاج إلى نمو مادي واستهلاك متواصلين أن يتوسع بلا نهاية داخل كوكب محدود؟ الأسهل من الإجابة هو إعلان أن الأزمة خدعة.

من أوروبا إلى لبنان: حين تصبح النجاة سلعة

أوروبا التي شهدت تلك الوفيات ليست ضحية بريئة خارج التاريخ. فقد راكمت، إلى جانب الولايات المتحدة، ثرواتها وإمبراطورياتها وبناها الصناعية اعتماداً على الفحم والنفط والطاقة الرخيصة، ونقلت جانباً كبيراً من كلفة ازدهارها إلى المستعمرات والجنوب العالمي. لكنها بدأت اليوم تتذوق داخل مدنها ومنازلها بعض نتائج العالم الذي ساهمت في صنعه. ومع ذلك، ما زالت أوروبا تملك شبكات كهرباء ومستشفيات وأنظمة إحصاء وإنذار مبكر وموارد مالية لا يملكها كثير من بلدان الجنوب. فإذا كانت الحرارة قادرة على قتل الآلاف في قارة بهذه الإمكانات، فماذا ستفعل في مدن لا توجد فيها كهرباء مستقرة، ولا مساكن معزولة، ولا رعاية كافية للمسنين، ولا حتى أجهزة إحصاء قادرة على معرفة عدد من ماتوا؟

في لبنان، لا تقتصر الحماية من الحر على شراء جهاز تكييف؛ بل تتطلب اشتراكاً في مولد، وفاتورة كهرباء، وثمن وقود، وقدرة على الصيانة والدفع المستمر. هنا يلتقي الاحتباس الحراري العالمي بانهيار الدولة المحلية، فتتحول النجاة إلى سلعة: من يملك المال يشتري بعض البرودة، ومن لا يملكه يستقبل الحرارة في جسده. لم تعد الدولة تضمن حداً أدنى من الحماية، بل صار كل فرد مطالباً بشراء مناخه الخاص من السوق. لذلك ينبغي أن يصبح التكيف مع الحر حقاً عاماً تكفله كهرباء موثوقة، ومساكن معزولة، ومساحات خضراء، ومراكز تبريد عامة، وحماية للعمال، ورعاية للمسنين، وخطط طوارئ لا تترك النجاة للقدرة الفردية على الشراء.

ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول الحل إلى فاتورة جديدة تُلقى على الفقراء والعمال، فيما تحتفظ الشركات بثرواتها ويواصل الأثرياء أنماط استهلاكهم. فالانتقال العادل لا يعني إغلاق الصناعات وترك العاملين فيها لمصيرهم، بل خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري بالتوازي مع توفير وظائف بديلة ودخل وتدريب وحماية اجتماعية. العدالة المناخية ليست زينة أخلاقية تضاف إلى السياسة البيئية، بل هي الشرط الذي يمنع التحول الأخضر من أن يصبح نسخة جديدة من النظام القديم: الأرباح في الأعلى والتضحيات في الأسفل.

الخدعة الحقيقية

من قتل أولئك الذين ماتوا في أوروبا؟ قتلتهم الحرارة بالمعنى الطبي المباشر، لكنها لم تأت وحدها. وراءها كربون يتراكم في الغلاف الجوي، وشركات تحمي استثماراتها، ومصارف تمول بنى أحفورية جديدة، وسياسي يحوّل العلم إلى مؤامرة، وإعلام يعرض الحقيقة والكذبة كأنهما رأيان متساويان، ومؤسسات دولية تستمع في صمت ثم تصفق احتراماً للبروتوكول. ووراء ذلك كله نظام اقتصادي يحسب كلفة خفض الانبعاثات حتى آخر دولار، لكنه يعامل موت الآلاف باعتباره «أثراً خارجياً» لا يظهر في ميزانيات الشركات.

عندما يقول ترامب إن الاحتباس الحراري خدعة، فهو يقلب الحقيقة رأساً على عقب. الخدعة ليست ارتفاع حرارة الأرض؛ الخدعة هي إقناع الناس بأن الاقتصاد الذي يحرقها لا يمكن تغييره. الخدعة هي مساواة الفقير الذي يبحث عن بضع ساعات من الكهرباء بالملياردير الذي يعبر القارات بطائرته الخاصة. الخدعة هي جعل المواطن يحاسب نفسه على بصمته الكربونية، فيما تستمر الشركات في فتح حقول جديدة. الخدعة هي حساب كلفة الطاقة النظيفة من دون حساب كلفة الموت والمرض والجفاف والحرائق. أما الخدعة الكبرى فهي أن يقف رئيس أمام دول العالم، ويسخر من الخطر الذي يهدد شعوبها، فتصمت القاعة، ثم تمنحه عند المغادرة تصفيقاً مهذباً.

لكن الغلاف الجوي لا يجامل رئيساً ولا يخضع لبروتوكول؛ يحتفظ بكل طن كربون إضافي ويعيده حرارة وجفافاً وفيضانات وحرائق وموتاً. لذا، فعشرون ألف ضحية في أسبوع لائحة اتهام لنظام خصخص الربح وعمّم الخسارة، ولصناعة عرفت الحقيقة فصنعت الشك، ولسياسة جعلت الإنكار عقيدة، ولعالم رأى الجريمة فصفّق.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فضيحة الفاخوري.. بالإدارة السياسية من جريصاتي إلى "الثنائي"