إنّه مسار تاريخي أدى إلى انفجار اقتصادي واجتماعي تتراجع معه الثقة بمؤسسات الدولة التي قامت عليها فكرة أميركا «الأمة الضاحكة»، حيث الحريات والفرص والعيش الرغيد. وللإجابة عن سؤال: كيف وصلت الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة؟ يتعين علينا أن نفهم كيف تحول النظام العام من حامٍ للأمان الاقتصادي إلى أداة تخدم مراكز القوة الاقتصادية، وكيف تبدلت موازين النفوذ داخله.
فصل السياسة عن الاقتصاد
تجهد النظم النيوليبرالية في الفصل بين الاقتصاد والسياسة، من خلال تقديم الاقتصاد بوصفه علمًا حياديًا لا علاقة له بالسياسة أو الأخلاق أو القيم الاجتماعية، وتجريده من فلسفته الاجتماعية. وقد بدأ تحول «الاقتصاد السياسي» إلى ما يسمى «علم الاقتصاد» في أواخر القرن التاسع عشر، حين نشر ألفريد مارشال كتابه «مبادئ الاقتصاد» عام 1890.
غير أن هذا الافتراض لا يستقيم، لأن فهم الاقتصاد ينبع من فهم السياسة والنظم الأخلاقية للمجتمعات بوصفها عناصر مترابطة. كما أن آدم سميث، الذي كتب «ثروة الأمم» عام 1776، والذي تقدمه التيارات اليمينية والمحافظة بوصفه «أب علم الاقتصاد»، لم يعرّف نفسه بوصفه عالم اقتصاد بقدر ما اعتبر نفسه فيلسوفًا أخلاقيًا مهتمًا ببناء ما سماه «المجتمع الجيد».
وفي الاقتصاد المسمى «حرًا»، يضع المجتمع قوانينه ونظمه التي تحدد حدود عدم المساواة والفقر والعبودية وعمالة الأطفال والحد الأدنى للأجور وساعات العمل الأسبوعية، بينما يغرق العامل وعائلته في الفقر، ويرث أبناء الأغنياء الثروات من دون أي جهد يُذكر.
تقودنا هذه الأسئلة إلى أسئلة أكثر جوهرية: ما الذي يجعل أصحاب الثروات أقوياء إلى هذه الدرجة؟ وهل من المقبول أن تحتكر الشركات الأسواق، في الوقت الذي تمارس فيه أدوات السلطة ضغوطًا مادية ومعنوية لمنع العمال من الانتظام في نقابات تحمي حقوقهم، وتُنزع الحماية عن الإنتاج المحلي عبر الاستعاضة عنه بسلاسل توريد عالمية؟
تسوّق النظم الرأسمالية، ولا سيما الولايات المتحدة بوصفها درة تاج هذا النظام، خرافة مفادها أن الدولة تقف عائقًا أمام السوق الحرة، في حين أن السوق الحرة نفسها تحتاج إلى قوانين وأجهزة تنظيمية تابعة للدولة تمنع الاحتكار، وتنظم ملكية العقارات والعقود والإفلاس، وتحسم النزاعات عندما يعجز المقترضون عن الوفاء بالتزاماتهم.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، تحكمت الشركات الكبرى، وبورصة وول ستريت، وبعض كبار الأثرياء، بما يسمى السوق الحرة، وبدأت تؤثر بصورة متزايدة في السياسات العامة. وفي المقابل، تراجعت النقابات والاتحادات العمالية التي كانت تمثل حقوق الطبقات الوسطى منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى نهاية ثمانينياته في الولايات المتحدة؛ إذ انخفضت نسبة المنتسبين إلى النقابات في القطاع الخاص من نحو ثلث العمال في خمسينيات القرن الماضي إلى نحو 6% فقط عام 2023. كما حلت الشركات العملاقة والمتاجر الإلكترونية محل الشركات الصغيرة والأعمال الحرة، وحلت شركات الاستثمار الضخمة ذات الميزانيات الهائلة محل المستثمرين الصغار، وتحولت الأحزاب السياسية المحلية في الولايات المتحدة إلى آلات تمويل للحزبين الرئيسيين في واشنطن. ونتيجة لذلك، احتكرت الشركات الكبرى وكبار الممولين رسم القواعد التي تحكم الاقتصاد الأميركي.
انهيار ستارة الخرافات
دحضت السنوات الماضية ما كانت النخبة الحاكمة تتبجح به دفاعًا عن نظامها الحر في مواجهة الاقتصاد الموجَّه، ومفاده أن الأغنياء عملوا بجهد أكبر، فاستحقوا ثرواتهم.
فقد استباح مالكو الشركات الكبرى أسواق البورصة، وربطوا رواتبهم بأداء أسواق الأسهم، بينما زودتهم شبكاتهم داخل وول ستريت وغيرها بمعلومات خاصة عن حركة الأسهم قبل غيرهم، فحققوا أرباحًا خيالية زادت من نفوذهم وقوتهم، ورسخت قدرتهم على التأثير في السياسات والقوانين والضرائب أكثر فأكثر. وما الفريق الحاكم بقيادة ترامب إلا نموذج على ذلك.
وتجمّد الحد الأدنى للأجور، ولم يعد يرتفع، لأن الطبقة العاملة فقدت قوتها الاقتصادية، ومعها تأثيرها السياسي. وفي الوقت نفسه، خفضت الشركات الرواتب، واستبدلت كثيرًا من العمالة البشرية بالتكنولوجيا أو بنقل الأعمال إلى الخارج، حيث الكلفة أقل.
كما ازداد إنفاق الشركات على النشاط السياسي بصورة مطّردة منذ سبعينيات القرن الماضي. ففي عام 1980، ساهمت الشريحة الأكثر ثراءً، التي لا تتجاوز 0.1% من السكان، بنحو 10% من الإنفاق على الانتخابات الفيدرالية، لكن هذه النسبة ارتفعت بصورة كبيرة، حتى بلغت نحو 40% عام 2012. ويطلق البروفسور في الاقتصاد، ووزير العمل الأميركي السابق في عهد بيل كلينتون، روبرت رايش، على هذه الظاهرة اسم «الرشوة القانونية».
وسوّقت الطبقة الحاكمة خرافة أخرى مفادها أن زيادة الإنفاق الحكومي ورفع الأجور يؤديان إلى التضخم، بينما ترفع الشركات الكبرى الأسعار لتعظيم أرباحها، في ظل منافسة محدودة أو شبه معدومة.
فالمسافرون، على سبيل المثال، يعانون ارتفاعًا كبيرًا في أسعار تذاكر الطيران، إلى جانب تراجع مستوى الخدمات، نتيجة اندماج شركات الطيران، التي تقلص عددها من اثنتي عشرة شركة عام 1980 إلى أربع شركات فقط.
وكذلك ارتفعت أسعار الأدوية بين عامي 1995 و2015، بعد اندماج خمسين شركة دوائية لتصبح عشر شركات فقط تسيطر على السوق العالمية.
وتحتكر أربع شركات غذائية نحو 85% من صناعة لحوم الأبقار، و75% من صناعة لحوم الخنازير، و54% من صناعة لحوم الدجاج. كما تهيمن ثلاث شركات عملاقة على نحو 70% من مبيعات السلع الاستهلاكية اليومية في 167 مدينة أميركية. وهكذا، يؤدي الاحتكار إلى رفع الأسعار والإبقاء عليها مرتفعة، نتيجة شبه انعدام المنافسة.
الاتفاقيات الحمائية وكلفة الامتيازات
ويدافع كثير من الاقتصاديين عن عقيدة «الأفضلية النسبية»، التي تتيح لكل بلد التخصص في إنتاج السلع التي يمتلك فيها ميزة نسبية، من دون أخذ النتائج الاجتماعية والبيئية لهذا النمط الإنتاجي في الاعتبار، ولا سيما ظروف العمل القاسية أو الخطرة التي قد تتعرض لها اليد العاملة أو البيئة.
ووصف الخطاب النيوليبرالي الأميركي، على لسان الرئيس الأسبق بيل كلينتون، العولمة بأنها المرادف الاقتصادي لقوى الطبيعة، كالرياح أو المياه، في حين أن الدول هي التي تفاوض على قواعد التجارة العالمية، وتتفق على الأصول التي ينبغي حمايتها.
غير أن الاتفاقيات التجارية في عصر العولمة، مثل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، ركزت بصورة أساسية على حماية الأصول الأميركية، وفي مقدمتها الملكية الفكرية. فعلى سبيل المثال، إذا أصدرت دولة ما قوانين بيئية صارمة تؤدي إلى انخفاض قيمة استثمارات شركات النفط الأميركية فيها، يحق لتلك الشركات المطالبة بتعويضات عن تراجع أرباحها.
كما وفرت تلك الاتفاقيات حماية واسعة للصناعات الدوائية الأميركية، في الوقت الذي تدفقت فيه رساميل المضاربين عبر الحدود، متجاوزة في كثير من الأحيان القيود المصرفية المحلية.
ولا شك في أن المستهلك الأميركي استفاد من انخفاض أسعار السلع المستوردة من الدول ذات اليد العاملة الرخيصة، إلا أن الوجه الآخر لهذه المعادلة تمثل في خسارة ملايين الأميركيين وظائفهم. فقد اختفت نحو 5.5 ملايين وظيفة صناعية بين عامي 2000 و2017 نتيجة ارتفاع الواردات الصينية.
ويرى روبرت رايش أن التجارة العالمية تزيد ثراء أصحاب الثروات في المقام الأول، بينما تنقل القسم الأكبر من أعبائها إلى الفئات الأقل حظًا.
وفي الوقت الذي تجهد فيه السلطة الحاكمة، على مدى عقود، في تسويق مقولة إن «فرض الضرائب على الأثرياء فعل اشتراكي»، وبالتالي فهو من رجس الشيطان، فإن الولايات المتحدة توفر، في المقابل، مساعدات اقتصادية هائلة للشركات الكبرى والأثرياء، بينما تعرّض سائر فئات المجتمع لقسوة الرأسمالية.
فأغلبية الأميركيين يفقدون وظائفهم من دون أن يتمتعوا بتأمين بطالة كافٍ، كما أن إجازات الأمومة أو الإجازات العائلية المدفوعة لا تتوافر إلا لأقل من 30% من الطبقة العاملة. ولا يتمتع سوى 36% من الأميركيين بتأمين صحي يغطي جزءًا من نفقاتهم العلاجية. وبينما يحصل العاملون في معظم الدول الصناعية على إجازات سنوية تتراوح بين ثلاثة وخمسة أسابيع، لا يزيد متوسط الإجازة السنوية للموظف الأميركي على أحد عشر يومًا. وفي الوقت نفسه، يحصل المديرون التنفيذيون في الشركات الكبرى على مخصصات تقاعدية ضخمة، بينما يكتفي الموظفون العاديون بتعويضات نهاية خدمة متواضعة.
أزمة نموذج
ويشرح روبرت رايش كيف حصل المدير التنفيذي لشركة Equifax، ريتشارد سميث، على تعويض تقاعد بلغت قيمته 18 مليون دولار، بعد فضيحة اختراق البيانات الشخصية لنحو 145 مليون زبون. كما حصل المدير التنفيذي لشركة Wells Fargo، المسؤول عن وحدة فتحت أكثر من مليوني حساب مصرفي من دون موافقة أصحابها، على نحو 125 مليون دولار عند مغادرته الشركة.
وفي المقابل، تحصل آلاف الشركات الأميركية كل عام على مليارات الدولارات في صورة إعفاءات ضريبية ومساعدات حكومية، بينما يتحمل دافعو الضرائب كلفة هذه الامتيازات.
وترفع الحكومة أسعار الأسهم بما يخدم مصلحة الواحد في المئة الأكثر ثراءً، الذين يملكون نحو نصف سوق الأسهم الأميركية، ويستفيد منهم المديرون التنفيذيون للشركات الكبرى، في حين كان يمكن توجيه هذه الأموال إلى بناء شبكات أمان اجتماعي تعود بالنفع على الغالبية الساحقة من دافعي الضرائب.
ويشكل إنفاق الطبقات الوسطى والفقيرة على السلع والخدمات المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل. لكن تراجع القدرة الشرائية لهذه الفئات أدى تدريجيًا إلى انكماش الطلب، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة.
وعندما ترتفع الأسعار، تلجأ الحكومة إلى الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة وإبطاء النشاط الاقتصادي بهدف مكافحة التضخم. غير أن هذا الإجراء يؤدي، في المقابل، إلى زيادة البطالة، والإبقاء على الأجور عند مستويات منخفضة، وهو ما تتحمل الطبقة العاملة العبء الأكبر من نتائجه.
وهذا، برأي الكاتب، ما يفسر، في جانب منه، سياسات ترامب الداخلية والخارجية، لكنه لا يجعل منه سبب الأزمة، بل أحد تعبيراتها السياسية. فالرجل لم يصنع التحولات التي أوصلت الاقتصاد الأميركي إلى هذه المرحلة، وإنما ورث منظومة اقتصادية كانت قد انتقلت، منذ عقود، من رأسمالية تنافسية تقوم على توسيع الطبقة الوسطى، إلى رأسمالية مالية تتركز فيها الثروة والسلطة تدريجيًا في أيدي قلة محدودة. لذلك، فإن انتهاء ظاهرة ترامب، إن حدث، لن يعني انتهاء الأزمة، لأن جذورها أعمق من شخص أو إدارة، وترتبط بالبنية التي أعادت توزيع القوة داخل المجتمع الأميركي نفسه. وما لم تُعالج هذه الاختلالات البنيوية، فإن الولايات المتحدة ستظل تنتج شخصيات شبيهة بترامب، حتى وإن اختلفت أسماؤها وخطاباتها، لأن الأزمة ليست أزمة رجل، بل أزمة نموذج اقتصادي وسياسي بلغ حدود قدرته على إعادة إنتاج نفسه.
