في هذا السياق، ظهرت “هيئة علماء المسلمين” بقيادة عدد من العلماء، بينهم الشيخ سالم الرافعي، والشيخ أحمد العمري، والشيخ عدنان أمامة، وقدمت نفسها إطاراً يتجاوز الوظيفة الدعوية التقليدية إلى دور سياسي اعتراضي، ساعية إلى تمثيل شريحة من الشارع السني والتأثير في مسار التحولات اللبنانية والإقليمية.
غير أن تجربة الهيئة لا تختزل في قصة صعود تنظيم ثم تراجعه، بل تمثل نموذجاً لكيفية تشكل الفاعلين الدينيين والسياسيين في لحظات التحولات الكبرى. فقد ولدت في سياق استثنائي منحها فرصة التعبئة السريعة والحضور الإعلامي الواسع، لكنه جعل قدرتها على الاستمرار مرتبطة باستمرار الظروف نفسها. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بأسباب تراجع الهيئة، بل أيضاً بعجزها عن الانتقال من إطار تعبوي فرضته الأزمة إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار بعد انحسارها.
لم تنشأ هيئة علماء المسلمين كجمعية دينية تقليدية، بل بوصفها نتاجاً مباشراً لمرحلة سياسية مضطربة أعادت رسم موازين القوى في لبنان والمنطقة. وقد استفادت من التراجع النسبي في حضور المرجعيات السنية التقليدية لتطرح نفسها إطاراً يعبر عن حالة الاعتراض داخل جزء من الشارع السني، ويمنحها بعداً سياسياً يتجاوز الإطار الديني الصرف.
واستند مشروعها إلى قراءة سياسية مفادها أن الأزمة السورية ستقود إلى تغيير سريع في دمشق ينعكس مباشرة على موازين القوى في لبنان. وانطلاقاً من هذا التقدير، تموضعت الهيئة داخل البيئة المؤيدة للمعارضة السورية، وسعت إلى إعادة تعريف التمثيل السني، انطلاقاً من اعتبار أن دار الفتوى و«تيار المستقبل» لم يعودا قادرين على مواكبة التحولات التي فرضتها الحرب السورية. كما ربطت الهوية السياسية للسنة بالتحولات الإقليمية، واستثمرت حالة الاحتقان التي رافقت تدخل “حزب الله” في سوريا لتقديم نفسها بوصفها الصوت الأكثر تعبيراً عن تلك المرحلة.
لكن هذه الرهانات اصطدمت منذ وقت مبكر بحدود البنية الداخلية للهيئة نفسها. فعلى الرغم من امتلاكها بنية تنظيمية ورئاسة دورية، بقيت أقرب إلى ائتلاف فضفاض يضم شخصيات وتيارات مختلفة، تنتمي إلى خلفيات سلفية وإسلامية ومستقلة، وتحمل رؤى ومصالح وارتباطات متباينة. وقد وفّر هذا التنوع قدرة على استقطاب شرائح واسعة داخل البيئة السنية، لكنه حال في الوقت نفسه دون بناء قيادة موحدة، أو إنتاج رؤية سياسية مستقرة، أو تأسيس آليات مؤسسية قادرة على إدارة الاختلافات الداخلية.
وانعكس هذا الواقع على علاقة الهيئة بالقوى الإسلامية الأخرى، ولا سيما “الجماعة الإسلامية” و”جمعية المشاريع” (الأحباش)، إذ تعامل كل طرف معها انطلاقاً من موقعه السياسي ورؤيته لطبيعة المرحلة. ورأت بعض هذه القوى أن الهيئة تمثل استجابة لظرف إقليمي استثنائي، وأن حضورها ارتبط، بدرجات متفاوتة، بشبكات دعم خارجية لم تكن حدودها وأهدافها واضحة بصورة كاملة، في حين اعتبرت الهيئة نفسها التعبير الأكثر صدقية عن المزاج الشعبي الذي ولدته الأزمة السورية. وأسهم اختلاف هذه المقاربات، إلى جانب تبدل أولويات القوى التي وفرت لها الدعم السياسي أو المعنوي، في الحد من قدرتها على بناء استقلالية سياسية وتنظيمية مستقرة.
ومنذ تلك المرحلة، بدأت تظهر المفارقة الأساسية في تجربة الهيئة؛ فقد امتلكت قدرة كبيرة على التعبئة، لكنها لم تمتلك الأدوات الكفيلة بتحويل هذه التعبئة إلى مؤسسة. وبذلك حملت عوامل الصعود في داخلها بذور التراجع، لأن القوة التي تستمد مشروعيتها من ظرف استثنائي تبقى، في الغالب، رهينة لاستمرار ذلك الظرف، ما لم تنجح في إنتاج شرعية جديدة تقوم على المؤسسات والبرامج أكثر مما تقوم على التعبئة وردود الفعل.
من المبادرة إلى الدفاع
وشكّل التباعد بين قوة الخطاب ومحدودية الفعل السياسي أحد أبرز التحديات التي واجهت “هيئة علماء المسلمين” منذ سنواتها الأولى. فقد نجحت في استقطاب شريحة من الشارع السني عبر خطاب تعبوي ركز على الهوية والمظلومية وتداعيات الصراع الإقليمي، إلا أنها لم تتمكن من تحويل هذا الزخم إلى نفوذ سياسي مستدام أو إلى مشروع مؤسسي قادر على العمل خارج مناخ التعبئة.
وبقي حضورها مرتبطاً إلى حد بعيد بالشخصيات القيادية وبالقدرة على الحشد الإعلامي، أكثر من ارتباطه بتنظيم يمتلك هياكل مستقرة أو برنامجاً سياسياً متكاملاً. ومع انتقال تداعيات الحرب السورية إلى الداخل اللبناني، ولا سيما في طرابلس والبقاع، بدأت تظهر حدود قدرتها على تحويل خطاب الاعتراض إلى مشروع سياسي قادر على التعامل مع التعقيدات الأمنية والاجتماعية التي فرضها الواقع الجديد.
كما أدى ارتفاع سقف الخطاب إلى زيادة الضغوط على البيئة التي كانت الهيئة تخاطبها، في وقت كان هامش الحركة السياسية يضيق تدريجياً، فيما كانت التوازنات الأمنية تزداد تعقيداً. وبرزت، تبعاً لذلك، فجوة متنامية بين الخطاب التعبوي وبين القدرة الفعلية على إدارة النتائج التي يفرضها هذا الخطاب، الأمر الذي أضعف تدريجياً قدرتها على الاحتفاظ بالموقع الذي احتلته في السنوات الأولى.
ولم تقتصر الإشكالية على محدودية الأدوات التنفيذية، بل شملت أيضاً طبيعة الشرعية التي استندت إليها الهيئة. فقد اعتمد حضورها أساساً على رمزية العلماء وقوة الخطاب الديني، أكثر مما اعتمد على مشروع سياسي ومؤسسي متكامل، وهو ما جعلها أكثر تأثراً بالتقلبات السياسية والإقليمية من التنظيمات التي تستند إلى مؤسسات راسخة أو قواعد تنظيمية مستقرة.
ومع اتساع رقعة الصراع السوري، بدأت الرهانات التي انطلقت منها الهيئة تتعرض لاختبارات متتالية. فقد شكّلت معركة القصير عام 2013 أول مؤشر واضح إلى أن الحرب في سوريا تتجه نحو مسار طويل ومعقد، لا إلى تغيير سريع في موازين القوى كما كانت تتوقع أطراف واسعة داخل المعارضة السورية وحلفائها. وبذلك فقدت الهيئة أحد المرتكزات الأساسية التي بنت عليها تصورها لإعادة التوازنات داخل لبنان، لتنتقل تدريجياً من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع عن حضورها.
وجاءت أحداث عرسال عام 2014 لتكشف بصورة أوضح حدود قدرة “هيئة علماء المسلمين” على التأثير. فقد دفعتها محاولاتها للقيام بدور الوسيط بين الدولة وبعض المجموعات المسلحة إلى الانخراط في ملفات أمنية بالغة التعقيد تجاوزت إمكاناتها السياسية والتنظيمية، كما وضعتها في مواجهة انتقادات واسعة، بعدما ارتبط اسمها، في نظر جزء من الرأي العام، بملفات أمنية أكثر من ارتباطه بالدفاع عن مطالب سياسية أو اجتماعية.
إسلام الأزمات!
وفي الوقت نفسه، كانت البيئة الإقليمية التي أسهمت في صعود الهيئة تشهد تحولات متسارعة. فبدلاً من الحسم العسكري الذي بُنيت عليه كثير من التقديرات، دخلت الأزمة السورية مرحلة طويلة من الاستنزاف، ثم انتقلت تدريجياً إلى مسار إدارة الصراع والتسويات. ومع هذا التحول، تراجعت الأولويات التي منحت الهيئة مساحة واسعة للحركة، وفقد الخطاب القائم على التعبئة والاستقطاب جانباً مهماً من قدرته على التأثير، بينما بدأت المؤسسات الدينية والسياسية التقليدية داخل البيئة السنية تستعيد، ولو جزئياً، بعضاً من حضورها، مدفوعة بالحاجة إلى مرجعيات أكثر استقراراً وأقل ارتباطاً بالتحولات الإقليمية.
ولم يعد التحدي الذي واجه الهيئة يقتصر على المحافظة على حضورها الإعلامي أو الاستمرار في إصدار المواقف السياسية، بل أصبح أكثر عمقاً، وتمثل في قدرتها على إعادة تعريف دورها في بيئة سياسية مختلفة كلياً عن تلك التي نشأت فيها. فالمناخ الذي أتاح لها أن تكون عنواناً للاعتراض بدأ يتراجع، بينما كانت المرحلة الجديدة تتطلب مؤسسات تمتلك برامج واضحة، وآليات عمل مستقرة، وقدرة على إنتاج السياسة بقدر قدرتها على إنتاج الخطاب، وهي شروط لم تتمكن الهيئة من استيفائها بالقدر الكافي، الأمر الذي جعل انتقالها من حالة التعبئة إلى حالة الاستدامة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
لم يكن تراجع “هيئة علماء المسلمين” نتيجة عامل واحد، ولا يمكن تفسيره من خلال أخطاء تنظيمية أو قيادية فحسب، بل جاء حصيلة تفاعل مجموعة من التحولات السياسية والأمنية والإقليمية التي أعادت تشكيل البيئة التي نشأت فيها. فالحركات التي تولد في لحظات التحولات الكبرى تكتسب، عادة، جزءاً كبيراً من شرعيتها من طبيعة الأزمة ذاتها، ولذلك تصبح قدرتها على الاستمرار مرتبطة بقدرتها على إعادة إنتاج هذه الشرعية عندما تتغير الظروف.
وتكشف تجربة الهيئة معضلة واجهت عدداً من الحركات الإسلامية والسياسية التي صعدت خلال العقد الماضي. فقد منحتها الأزمات فرصة لملء فراغات سياسية واجتماعية والتعبير عن مزاج اعتراضي واسع، لكنها لم توفر لها، بالضرورة، مقومات الاستمرار بعد تبدل موازين القوى. فالتعبئة السريعة قادرة على إنتاج حضور جماهيري وإعلامي، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مؤسسة سياسية مستقرة، لأن الاستدامة تتطلب هياكل تنظيمية راسخة، ورؤية سياسية واضحة، وآليات لاتخاذ القرار وإدارة الاختلاف، وقدرة على التكيف مع البيئات المتغيرة.
وفي حالة “هيئة علماء المسلمين”، ظل الحضور الشعبي والإعلامي أكبر من البناء المؤسسي، وبقي تأثير الشخصيات القيادية أكثر حضوراً من تأثير المؤسسات الداخلية. ومع انحسار البيئة التي أنتجت هذا الدور، لم تتمكن الهيئة من إعادة تعريف موقعها أو إنتاج وظيفة جديدة تتلاءم مع المرحلة التالية، فوجدت نفسها تواجه تراجعاً تدريجياً في الحضور السياسي والشعبي معاً.
ولا يمكن قراءة هذا التراجع باعتباره تراجعاً لتنظيم بعينه، بل بوصفه تعبيراً عن نهاية مرحلة سياسية وإقليمية أوسع. فالحرب السورية، والاستقطاب المذهبي، والفراغ الذي عرفته الساحة السنية في لبنان، كانت جميعها عوامل صنعت البيئة التي سمحت للهيئة بالصعود. ومع تبدل هذه البيئة، تقلصت المساحة التي منحتها دورها، لتظهر حدود التنظيمات التي تستمد شرعيتها من الأزمة أكثر مما تستمدها من المؤسسة.
ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة “هيئة علماء المسلمين” أقرب إلى نموذج لما يمكن تسميته «إسلامية الأزمة»؛ أي نمط من الفاعلية الإسلامية ينشأ استجابةً لظرف سياسي استثنائي أكثر مما ينشأ نتيجة تراكم اجتماعي أو مؤسسي طويل. ويبلغ هذا النمط ذروة حضوره مع احتدام الأزمة التي أوجدته، ثم يبدأ بالانحسار مع انحسارها، ما لم ينجح في إعادة بناء شرعيته على أسس مؤسسية مستقلة عن الظرف الذي منحه شرعية الظهور.
وبذلك، فإن تجربة الهيئة لا تفسر مسار تنظيم لبناني فحسب، بل تقدم مفتاحاً تفسيرياً لفهم مسار عدد من الحركات الإسلامية التي برزت في المنطقة خلال العقد الماضي، والتي ارتبطت شرعيتها السياسية بميزان الأزمات أكثر مما ارتبطت بقدرتها على بناء مؤسسات دائمة. وفي هذا المعنى، لم يكن أفول “هيئة علماء المسلمين” مجرد نهاية لتنظيم، بل كان مؤشراً على انحسار مرحلة كاملة من السياسة الإقليمية التي أنتجت ما يمكن وصفه بـ«إسلام الأزمات»، حيث كانت شرعية الفاعل تتحدد بقدرته على التعبير عن لحظة الانقسام، لا بقدرته على إدارة مرحلة ما بعدها.
