غير أن اتساع الحضور التركي قد يحجب السؤال الأكثر أهمية: هل تسعى أنقرة فعلًا إلى زعامة إقليمية، أم أنها تراكم أوراق القوة كي تضمن لنفسها موقعًا لا يمكن تجاوزه في النظام الإقليمي الذي يتشكل على وقع الحروب وإعادة رسم خرائط النفوذ والطاقة والممرات؟
السؤال ليس نظريًا. فتركيا تتحرك في بيئة تتراجع فيها بعض القواعد القديمة للنظام الإقليمي، فيما تتقاطع فوق الجغرافيا نفسها مشاريع أميركية وإسرائيلية وإيرانية، وتزداد قيمة سوريا والعراق وشرق المتوسط بوصفها فضاءات أمنية واقتصادية وممرات محتملة للطاقة والتجارة. وفي مثل هذه البيئة، قد لا تكون السيطرة على الأرض غاية في ذاتها بقدر ما تصبح وسيلة لتحسين الموقع على طاولة التسويات المقبلة.
ومن هنا يمكن طرح مجموعة من الأسئلة: ماذا ترتجي تركيا من حضورها الواسع في ساحات الشرق الأوسط، وما الذي تتوقع أن تجنيه في مقابل الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لهذا الانتشار؟ وهل تراهن القيادة التركية على أن الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي سيقبلون بمنح أنقرة دورًا قياديًا في بناء النظام الإقليمي الجديد؟ وهل يمكن لواشنطن، التي عملت خلال السنوات الماضية على احتواء النفوذ الإيراني وتقليص قدرته على إعادة تشكيل الإقليم، أن تتعايش مع تمدد تركي يمتلك من عناصر القوة التاريخية والجغرافية والاقتصادية ما يجعله أكثر قابلية للاستدامة؟ ثم أين تقع إسرائيل من كل ذلك، وهل يمكن أن يتحول القلق من تمدد النفوذ التركي إلى عنصر ثابت في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد تراجع جانب من “الخطر الإيراني”؟
ثمة مؤشرات أولية توحي بأن أنقرة تسعى إلى هدف أكثر واقعية: مراكمة أكبر قدر ممكن من أوراق النفوذ العسكرية والسياسية والاقتصادية، ثم تحويلها إلى قدرة تفاوضية تضمن حضورها في أي هندسة جديدة للمنطقة. تتداخل في هذا المسعى اعتبارات السياسة الداخلية التركية، بما فيها مستقبل رجب طيب أردوغان وترتيبات السلطة من بعده، مع اعتبارات الأمن القومي والمسألة الكردية والصناعات الدفاعية والطاقة والممرات. لذلك قد يكون من الاختزال تفسير التمدد التركي بعامل واحد، وإن كانت شبكات النفط والغاز والتجارة المتشكلة بين الخليج والعراق وسوريا وشرق المتوسط وأوروبا قد أصبحت جزءًا متزايد الأهمية في الحسابات التركية.
دولة تبحث عن مجالها
قد يساعد في فهم هذا السلوك الرجوع إلى ما يطرحه أحمد داود أوغلو في كتابه الأخير «الزلزال»، حيث يقدم قراءة نقدية ورؤيوية لمستقبل الدولة التركية. فهو يميز، في أحد مقارباته، بين دول يحدد نجاحها حسن إدارتها لتنوعها الهوياتي وبناء انتماء وطني يعلوه، ودول يرتبط استقرارها بقدرتها الإنتاجية والحفاظ على مستوى معيشي متقدم لشعوبها، ودول تمتلك ما يمكن تسميته «تاريخًا دولتيًا»، أي تقليدًا تاريخيًا متراكمًا في صناعة الدولة وممارسة القوة وتصور المجال المحيط بها.
وتنتمي تركيا، في رؤية داود أوغلو، إلى الفئة الأخيرة. غير أن امتلاك الذاكرة الإمبراطورية والتقاليد الدولتية لا يعني بالضرورة أن توسيع المجال السيادي الجغرافي هو الحل الأمثل؛ بل قد يؤدي، وفق هذا المنطق نفسه، إلى إثقال الدولة بتوترات داخلية وخارجية تفوق قدرتها على الاحتمال.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: إذا لم يكن توسيع السيادة الجغرافية هو الهدف، فهل تحوّل أنقرة وجودها في عدد من ساحات الإقليم إلى أوراق نفوذ ومقايضة تسمح لها بتحقيق أهداف استراتيجية أقل صخبًا من خطاب «الزعامة الإقليمية»، وأكثر ارتباطًا بمصالح الدولة التركية الملموسة؟
أوراق للمقايضة أم مناطق نفوذ؟
من بين هذه المصالح يبرز ملف الطاقة، ولكن بوصفه أحد عناصر الاستراتيجية التركية لا تفسيرًا وحيدًا لها. ففي مطلع الألفية أجرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تقييمات لموارد شرق البحر المتوسط، وقدّرت في عام 2010 أن حوض المشرق يحتوي على متوسط موارد غير مكتشفة قابلة للاستخراج يبلغ نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يقارب 3.45 تريليونات متر مكعب، إضافة إلى نحو 1.7 مليار برميل من النفط.
ومع توالي اكتشافات الغاز، نشأت في شرق المتوسط هندسة تعاون جديدة جمعت مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وأطرافًا أوروبية أخرى، فيما وجدت تركيا نفسها خارج جزء أساسي من هذه الترتيبات. ولم تكن المشكلة بالنسبة إلى أنقرة اقتصادية فقط؛ فقد تداخلت الطاقة مع الخلاف حول قبرص وترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، ومع تصور تركي أوسع للمجال البحري عبّرت عنه عقيدة «الوطن الأزرق».
ويبدو أن أنقرة قرأت هذه الهندسة بوصفها تهديدًا بإقامة نظام إقليمي للطاقة يمكن أن يعمل من دونها، وربما على حساب مصالحها. لذلك لجأت إلى سياسة تجمع بين الضغط العسكري والقانوني والدبلوماسي، وبين محاولة خلق وقائع جديدة تجعل تجاوزها أكثر صعوبة. في هذا السياق يمكن قراءة أحد أبعاد التدخل التركي في ليبيا. فإلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية والعسكرية الليبية المباشرة، أتاح الاتفاق البحري بين أنقرة وطرابلس لتركيا الاعتراض على التصورات البحرية التي كانت تتبلور بين اليونان وقبرص ومصر، وأدخلها بقوة في النقاش حول خرائط الطاقة والممرات البحرية في شرق المتوسط.
ويندرج في السياق نفسه تمسك تركيا بحقوق القبارصة الأتراك في موارد الجزيرة، وتعزيز حضورها في شمال العراق وشمال سوريا، وإن كانت دوافع هذه التحركات تتجاوز الطاقة إلى الأمن القومي والمسألة الكردية والنفوذ الإقليمي.
أما التحول السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، فقد منح أنقرة فرصة استراتيجية ربما لم تكن متاحة بهذا الحجم منذ عقود. فقد أصبحت تركيا صاحبة نفوذ واسع في سوريا الجديدة بفعل تراكم سنوات من الدعم السياسي والعسكري لفصائل المعارضة، وموقعها الجغرافي، وعلاقاتها بالقوى السورية الجديدة، وقدرتها على التأثير في ملفات الأمن وإعادة الإعمار والتجارة.
من سوريا إلى مكة
جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان ليضيف طبقة جديدة إلى هذا الحضور. ولا تكمن أهمية الاتفاق في كونه إعلانًا عن محور عسكري جديد بقدر ما تكمن في أنه يربط ثلاث دول تمتلك أثقالًا مختلفة ومتكاملة نسبيًا: تركيا بقوتها العسكرية والصناعية وموقعها بين أوروبا والشرق الأوسط، والسعودية بثقلها المالي والسياسي والعربي والإسلامي، وباكستان بقدرتها العسكرية والنووية وموقعها بين الخليج وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.
وقد حرص المسؤولون الأتراك على الإشارة إلى التشابه التقني بين فلسفة الدفاع المشترك في الاتفاق والمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، مع بقاء اختلافات واضحة في آليات الالتزام والتنفيذ. وفي الوقت نفسه، سعت أنقرة إلى التأكيد أن الاتفاق ليس موجهًا بالضرورة ضد إيران أو إسرائيل. ولا يعني هذا الحرص على الطمأنة أن الاتفاق فقد قيمته الاستراتيجية. بل ربما يكشف، على العكس، حدود الطموح التركي في المرحلة الحالية: الاتفاق هو جزءٌ من سياسة تركية أوسع تقوم على تعدد دوائر العلاقات بدل الانتماء الحصري إلى محور واحد. فتركيا تريد الاحتفاظ بعضويتها وموقعها داخل الناتو، وتوسيع شراكاتها مع دول الخليج، والحفاظ على علاقاتها مع إيران، وتطوير علاقاتها مع باكستان وآسيا الوسطى، وفي الوقت نفسه إبقاء باب التفاوض مفتوحًا مع إسرائيل مهما ارتفعت حدة الخطاب السياسي بين الطرفين.
القاهرة والعودة إلى شرق المتوسط
ولا يبدو الانفتاح التركي على القوى الليبية القريبة من مصر منفصلًا عن هذه المقاربة. فالتقارب المصري ـ التركي تجاوز مرحلة تخفيف التوتر، وأخذ يفتح الباب أمام مقاربات أكثر براغماتية في ليبيا، وقد يمتد أثره إلى السودان والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.
وقد تكون إحدى النتائج التي تراهن عليها أنقرة هي الانتقال من موقع الدولة المعترضة على هندسة شرق المتوسط إلى موقع الدولة المشاركة في صياغتها. فمصر لم تتخل عن تعاونها مع قبرص واليونان، كما واصلت تطوير علاقاتها مع إسرائيل في قطاع الغاز، ما يعني أن المصالحة مع القاهرة لا تمنح تركيا تلقائيًا حق النقض على الترتيبات القائمة.
ولهذا قد تكون المقاربة التركية الجديدة أكثر واقعية من محاولة إسقاط تلك الهندسة برمتها: الدخول إليها من أبواب أخرى، والاستفادة من الجغرافيا التركية بوصفها أحد أقصر المسارات الممكنة بين مصادر الطاقة في الشرق والأسواق الأوروبية.
فتركيا تدرك على الأرجح أن السيطرة على مخزونات الطاقة الواقعة خارج حدودها ليست خيارًا واقعيًا، لكنها تراهن على ما تمنحه إياها الجغرافيا من قدرة على التحول إلى عقدة عبور وتخزين وتوزيع للطاقة بين الشرق والغرب. ومن هنا تكتسب خطوط العراق وشرق المتوسط، وكذلك إمكانات الربط المستقبلية عبر سوريا، قيمة استراتيجية تتجاوز العائد التجاري المباشر.
سوريا: نقطة الاحتكاك مع إسرائيل
غير أن سوريا الجديدة تضع تركيا وإسرائيل أمام معادلة شديدة التعقيد. هناك نقطة تقاطع تتمثل في أن الطرفين لا يرغبان، بدرجات مختلفة، في عودة النفوذ العسكري الإيراني إلى ما كان عليه قبل سقوط نظام الأسد. لكن ما يبدأ تقاطعًا عند إيران يتحول سريعًا إلى تنافس عند السؤال التالي: من يملأ الفراغ، وما طبيعة الدولة والجيش والتحالفات التي ستنشأ على الأرض السورية؟
تريد تركيا، وفق ما توحي به سياساتها، سوريا مستقرة بما يكفي لإعادة الإعمار وعودة التجارة وفتح الممرات البرية وتقليص التهديد الكردي على حدودها، لكنها تريد أيضًا الاحتفاظ بنفوذ أمني وعسكري وسياسي كبير داخل النظام السوري الجديد. وفي المقابل، يبدو أن إسرائيل تريد ضمان ألا تتحول سوريا مرة أخرى إلى مصدر تهديد استراتيجي، وأن تحتفظ بحرية واسعة للعمل العسكري ومنع نشوء قدرات ترى أنها قد تقيد هذه الحرية مستقبلًا.
ومن هنا يمكن قراءة جزء من التصعيد الإسرائيلي في سوريا، بما فيه الضربات التي طالت منشآت عسكرية، في إطار أوسع من مجرد مواجهة النفوذ الإيراني. فقد يكون أحد أبعاد هذا التصعيد رسم حدود أمام أي بنية عسكرية سورية جديدة يمكن أن تتطور بدعم تركي إلى مستوى تعتبره إسرائيل مهددًا لتفوقها أو لحرية حركتها.
وهنا تظهر أهمية مشاريع الممرات. فأنقرة لا تنظر إلى سوريا فقط باعتبارها عمقًا أمنيًا، بل أيضًا باعتبارها جسرًا محتملًا بين تركيا والخليج والعراق وشرق المتوسط. وأي استقرار مستدام في سوريا يمكن أن يعيد إلى الجغرافيا البرية قيمتها الاقتصادية بعد عقود من الحروب والعقوبات والانقسامات.
إيران ومعركة الممرات
بدورها، لا تستطيع إيران النظر إلى هذه التحولات بوصفها شأنًا تركيًا ـ إسرائيليًا فحسب. فالتراجع الذي أصاب نفوذها في سوريا يهدد أحد أهم الممرات التي بنت عليها استراتيجيتها الإقليمية، أي الاتصال البري الممتد عبر العراق وسوريا نحو لبنان وشاطىء البحر المتوسط.
لكن من الأفضل عدم اختزال الموقف الإيراني في الدفاع عن «حصة» محددة من خطوط النفط والغاز. بالنسبة إلى طهران، المسألة أوسع: طرق التجارة والطاقة، والاتصال الجغرافي بحلفائها، والقدرة على الحركة العسكرية واللوجستية، ومنع تحول العراق وسوريا إلى فضاء استراتيجي مغلق أمامها.
وهكذا تتقاطع فوق الجغرافيا نفسها ثلاثة تصورات مختلفة على الأقل. تركيا تريد تحويل موقعها إلى مركز للممرات والطاقة والتجارة. إسرائيل تريد بيئة إقليمية تقل فيها التهديدات العسكرية وتحتفظ فيها بحرية الحركة. وإيران تريد ألا يؤدي النظام الجديد إلى عزلها عن المشرق وإغلاق منافذها غربًا.
أميركا وإدارة التوازنات
تبقى الولايات المتحدة الطرف القادر، أكثر من غيره، على التأثير في حدود هذه المشاريع، وإن لم تعد قادرة أو راغبة في إدارة كل تفاصيل المنطقة كما في مراحل سابقة.
وقد تكون تركيا نجحت في مراكمة ما يكفي من الأوراق لجعل استبعادها من هندسة المنطقة أكثر صعوبة. لكنها لم تحصل بعد على تفويض أميركي مفتوح، كما أن واشنطن لا تبدو مضطرة إلى الاختيار بين أنقرة وتل أبيب وفق القاعدة الصفرية. والأرجح أنها ستسعى، ما أمكن، إلى إدارة التنافس بينهما بحيث تستفيد من الدور التركي من دون السماح له بتقويض التفوق الإسرائيلي أو تماسك الناتو أو الترتيبات التي ترعاها في شرق المتوسط والخليج.
وهذا يجعل دور المبعوثين الأميركيين، ومن بينهم توم برّاك، مهمًا في محاولة ضبط التناقضات بين الحلفاء والشركاء، ولا سيما في سوريا حيث تتجاور القوات والمصالح والخطوط الحمراء على مساحة جغرافية ضيقة.
غير أن إمكان الوصول إلى تسوية مستقرة بين المصالح التركية والإسرائيلية والإيرانية يبقى محدودًا ما دامت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية لم تبلغ صيغة نهائية، وما دامت سوريا نفسها لم تستكمل بناء نظامها الأمني والسياسي، وما دام مستقبل الممرات الإقليمية مرتبطًا بنتائج حروب لم تنته آثارها بعد؛ فالمنافسة التركية ـ الإسرائيلية لا تبدو متجهة بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر. إنها تتصل بصورة متزايدة بالسؤال الأكبر الذي ستحدده السنوات المقبلة: من يشارك في رسم النظام الإقليمي الذي سيخرج من رحم الحروب الحالية؟ ويتفرع منه سؤال آخر: هل ستصبح تركيا زعيمة الشرق الأوسط؟ بل: ما الثمن الذي سيترتب على الآخرين دفعه كي تقبل تركيا بالنظام الإقليمي الجديد، وما الثمن الذي ستدفعه هي للحصول على مقعد في هندسته؟
فالشرق الأوسط الذي يتشكل بين الخليج والعراق وسوريا وشرق المتوسط لن تحدده الجيوش وحدها، ولا حقول الغاز وحدها، ولا التحالفات وحدها، بل القدرة على الجمع بين القوة والممرات والأسواق والتسويات. وفي هذه المعادلة لا تبدو تركيا راغبة في الحلول محل أميركا بقدر ما تبدو مصممة على أمر أكثر واقعية: ألا يُرسم الشرق الأوسط الجديد من دونها.
