“الدّولة”.. هل صارت هيَ “أفيون الشّعوب”؟

تحدّثنا مراراً وتكراراً عن مسألة مفهوم الدّولة ومفهوم بناء الدّولة، وعن اشكاليّة استخدامهما في سياق وجود تأثير - وربّما تحكّم - استعماريّ خارجيّ بشكل خاصّ. ويبدو أنّ هذه الاشكاليّة تتفاقم في ملفات كثيرة في المنطقة، لا سيّما منذ اندلاع الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة الأخيرة على إيران.

لِنعُد إلى الوراء قليلاً. أشرنا فيما سبق من مقالات إلى أنّ نخبنا منقسمةٌ منذ حوالي القرن من الزّمن، مع التّبسيط، بين: (١) أولويّة بناء الدّولة الحديثة؛ (٢) أولويّة التّحرّر من الاستعمار ومقاومة الاحتلال حيث وُجد. قد يكون هذا الانقسام، اليوم، أكثر حدّة وحدّيّة من ذي قبل في بعض الملفّات، لكن هذا بحث آخر.

وقد أشرنا سابقاً، إذن، إلى أنّ تطوّر المفاهيم اللّيبرالية بشكل خاصّ وتعمّق تجلّياتها وتغلغلها في بيوتنا وفي مجتمعاتنا، ولأسباب متعدّدة.. جعلا من شبه المستحيل أن نقنع الشّرائح الأوسع من شعوبنا ومن نخبنا العربيّة والاسلاميّة اليوم، وليس كلّها طبعاً، بأولويّة التّحرّر (أي من دون وضع مسألة “بناء الدّولة” على الطّاولة، بشكل أو بآخر).

ولذلك دافعنا عن نموذج يُمكن تسميته “بالنّموذج الهَجين”، الذي يجمع باختصار: بين ضرورة العمل على التّحرّر من الاستعمار؛ وبين أهمّيّة أو ضرورة العمل على بناء الدّولة والحفاظ على ثقافة الدّولة قدر الامكان.. إلى ما هنالك من جوانب متّصلة لا داعي للعودة إلى تفاصيلها.

ولكنّ المشكلة، كما أشرنا، هي أنّ هذه الاشكاليّة لم تزلْ تتفاقم: بِتنا نسمع أصواتاً أكثر حدّة تنادي هنا وهناك في الاقليم، وفي كلّ أمرٍ تقريباً وفي كلّ شأن، بمسألة “الدولة” أو “بناء الدولة”: لماذا، يا اخواننا هنا أو هناك، لا تبنون.. “الدولة”؟ أتركوا “الدولة”.. تقوم بكذا وكذا. لماذا لا يعود فلان وفلان بن أبي فلان.. إلى “الدولة”؟ لماذا لا تريد هذه الجماعة، أو تلك.. “الدولة”؟ لماذا؟

يكاد بعضهم يصيح: واأسفاه عليكِ يا أيّتها “الدولة” يا بنتَ أبي “دَولة”.. من كذا أو كذا، أو من فلان وفلان! أو يكاد يصرخ: السّلام على “الدولة”، وعلى أهل “الدولة”، وعلى جماعة “الدولة”، وعلى أصحاب “الدولة”.. إلى ما هنالك من صيحات ظاهرة أو باطنة باتت ترد إلينا أكثر فأكثر في هذه المرحلة.

سواء في لبنان، أو في سوريا، أو في فلسطين، أو في العراق، أو حتى في الخَليج واليَمن.. أو حتّى في الملف التّركيّ نفسِه بشكل أو بآخر.. وحتّى في الملف الإيرانيّ إلى حدّ ما.. يكثر هذا النّوع من الخطاب، بمختلف تجلّياته واقعاً.

والمهمّ هو أنّنا، بالتّأكيد، أمام اشكاليّة عميقة تتفاقم باستمرار. ويمكن اختصار المسألة ربّما بمثال بسيط، ولكنّه مُعبّر. لنفترض، لا سمحَ الله، أنّك تعيشُ في بيت مع عائلتك، وقد اكتشفت أنّ فيه سارقاً يعيش معكم أو إلى جانبكم، وهو لم يزل يسرقكم ويحاول الهَيمنة على رزقكم وإدارة شؤون منزلكم. فهل من المعقول أن تكون أولويّتك الأولى “اليوم”: اختيار مدرسة الأولاد، أو حتّى تربيتهم وتعليمهم وتحسين إدارة المنزل.. وأنت تعلم أنّ هناك سارقاً في البيت؟ في أبسط فهم لهذا المثال، من الواضح أنّ الأولويّة العقلانيّة بل الطّبيعيّة تكون لطرد “السّارق” أوّلاً: أيّ نسلٍ، وأيّ تربيةٍ، وأيّ رزقٍ، وأيّ إدارةٍ.. بل أيّ تديّنٍ هذا، وأنت تترك سارقاً مُعتدياً في البيت مع أولادك ومع عرضك ومع رزقك؟

(طبعاً، لا مجال هنا لمجادلة الذين سيقولون، للالتفاف على جوهر المثال، كما يحدث في الحقيقة أيضاً: ولكنّه سارقٌ قوّي! أو: لماذا لا نتذاكى واقعاً، فنتشارك مع السّارق نفسه، لعلّ الله يُحدثُ بعد هذه الفعلة أمراً آخر؟ أو: لماذا تلوم السّارق الأجنبيّ هذا، بينما ولدُك أو أخوك هو سارقٌ أيضاً؟ أو، بكلّ بساطة: ليس هناك من “سارقٍ” أصلاً، بل هذا صديق العائلة نُشاركه رزقنا.. وربّما أكثر من ذلك!).

ولأنّ الموضوعَ أشدّ تعقيداً من هذا المثال بطبيعة الحال، فقد اعتمدنا ودافعنا عن النّظريّة، أو عن النّظريّات، الهَجينة. فمن الخطير جدّاً اليوم أن نقول، كما أسلفنا، إنّ الأولويّة إنّما هي فقط “للتّحرّر” وهذا ما اتّفقنا عليه تكراراً. ولكن، من الأخطر، ثمّ من الأخطر وبالتّأكيد: أن نقع في فخّ الحديث عن “الدّولة” و”بناء الدّولة”.. من دون الانتباه باستمرار إلى أنّنا تحت استعمار واستغلال، وتحت تأثيرات استعماريّة تتحكّم إلى حدّ بعيد جدّاً.. بما يسمّى “دولَنا” اليوم.

لنكنْ مُنصفين وموضوعيّين. هل نتأمّل حقّاً وفعلاً.. أيّ “دولٍ” نتحدّث عنها في المنطقة في الأعمّ الأغلب؟

ولذلك، يمكن القول ببساطة لمن ينادي، في مواضيع كثيرة إن لم يكن في كلّ المواضيع اليوم تقريباً، “بالدّولة” وبمفهوم “بناء الدّولة” يمينًا وشمالاً وشرقاً وغرباً: عن أيّ “دولة” نتحدّث؟

منذ قرن تقريباً، ومشكلتنا مع الاستعمار، إن كان بريطانيّاً أو فرنسيّاً أو أميركيّاً لاحقاً، هي أنّنا – كمشرقيّين، وكعرب، وكمسلمين – نريد الدّولة المستقلّة حقّاً، والسّيّدة حقّاً، والعادلة حقّاً، والفعّالة والوطنيّة والجامِعة والعصريّة.. والاستعمار، بمختلف تجلّياته، هو الذي لا يريد ذلك. فكيف، كيفَ: بعد مئة عام تقريباً، أصبح الاستعمار وحلفاؤه هم الذين يشدّدون على “الدّولة”، وأصبح مناهضوهم هم المتّهمين بالخروج عن هذه “الدّولة”؟ ألسنا أمام موقفٍ مُريبٍ مُبين، بمعزل عن رأينا في هذه الجهة أو تلك.. من بين كلّ الجهات في المنطقة؟ نعم، نحن أمام أمرٍ مُريب، مُنسّق ومُوجّه إلى حدّ بعيد.

إقرأ على موقع 180  الحرب على إيران ولبنان.. وتحولات الشرق الأوسط

هناك فخّ واضح، وعلينا أن ننتبه إليه، برأيي، وأعتقد أنّ كثيراً من نخبنا قد وقعوا فيه للأسف. فمن يريد الدّولة؟ بالتّأكيد، من يُريدون الدّولة هم.. الأكثريّة السّاحقة من نُخبنا ومن شُعوبنا.

ومن الذي لا يريد.. الدّولة؟ من لا يريد الدّولة حقّاً وواقعاً.. هو من يريد أن يتحكّم بقرار هذه الشّعوب، وألّا يسمح لها بأن تكون سيّدة ومستقلّة.. في الواقع الحقيقيّ، لا على بعض القنوات الاعلاميّة اللّبنانيّة والعربيّة.

إذن، فإنّ استخدام شعار الدّولة يميناً وشمالاً اليوم، من قبل اعلام وجهات مموّلة بشكل مباشر أو غير مباشر من الاستعمار نفسه، يطرح تساؤلات عميقة ومهمّة. ومن هنا، علينا أن ننتبه، خصوصًا في لبنان، إلى أنّ رفع “شعار الدّولة” بشكل غير مدروس وسطحيّ يفتح، عمليّاً، الباب أمام عدم تحقّق السّيادة الحقيقيّة، وعدم تحقّق الاستقلال الحقيقيّ، وعدم تحقّق مشروع الدّولة الحقيقيّ.

يكاد الكلّ يريد، من حيث المبدأ، تحقّق مفهوم الدّولة، والكلّ يريد بناء الدّولة. ولكنّ الدّولة الحقيقيّة إن صحّ التّعبير.. ليست “دولةً”، ما هي إلّا مجرّد شكل وصورة، فيما يتحكّم فيها الاستعمار حتّى نخاع النّخاع.

قد نكون نكرّر أنفسنا أحياناً، ولكن، من المهمّ العودة إلى هذه النّقطة مراراً، وتنبيه الزّملاء الأحبّاء جميعاً، وفي كلّ المواضيع تقريباً، إلى ضرورة عدم استخدام هذا المفهوم بالطّريقة التي يريدها الاستعمار نفسه حاليّاً. وهذا ما يحصل، للأسف، في مواضع كثيرة، ومنها النّقاش اللّبنانيّ الداخليّ والنّقاش العراقيّ الداخليّ، وحتّى النّقاش السّوريّ على سبيل المثال لا الحصر.

فهل نحنُ، حقّاً، مُنتبهون بما يكفي.. إلى محاولة تحويل “الدّولة” إلى أفيون هذه المرحلة في المنطقة؟ لنتفكّر في ذلك جيّداً.. ولنتحاور مع المتحاورِين.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ما بعد 11 سبتمبر اللبناني: شهران قد يُغيِران وجه المنطقة