سوريا بين الخريطة والأمر الواقع.. حدود تتنازعها المخاوف والمصالح

لا تبدأ سوريا من دمشق. تبدأ من آخر قرية يبلغها القانون من دون وسيط، ومن آخر معبر لا يتقاسم سلطته ضابط ومهرّب وفصيل ودولة مجاورة. ففي العاصمة تُعلَن السيادة، أما عند التخوم فتُختبر. هناك فقط يتضح إن كانت الخريطة وطناً تحكمه دولة، أم مساحة معلّقة تتنازعها قوى تعرف قيمة الجغرافيا أكثر من أصحابها.

على امتداد أكثر من ألفي كيلومتر، لا تواجه دمشق أزمة حدود واحدة، بل خمسة أشكال مختلفة لانحسار الدولة. مع تركيا حدودٌ تحكمها لغة الوصاية. مع العراق حدودٌ تتبعثر فيها السلطة بين جيش نظامي وجيش رديف. مع لبنان حدودٌ تحولت بفعل الاجتماع والفقر إلى اقتصاد ظل. وفي الجنوب تظهر أزمة الشرعية الداخلية قبل الخطر الخارجي. أما عند الجولان، فلا يعود السؤال عن ضبط الحدود، بل عن منع إسرائيل من محوها وإنتاج جغرافيا جديدة بالقوة.

هكذا يصبح ملف الحدود مرآة مكثفة للمسألة السورية كلها: من يحتكر السلاح؟ من يملك قرار العبور؟ وأي دولة يمكن أن تنهض إذا بقيت حدودها مشرعة على احتمالات القضم بالقوة، كما تفعل إسرائيل ولغة استنساخ تجربة الهيمنة والوصاية، كما هو الحال مع لبنان، ناهيك بحدود مشرعة مع تركيا وحذرة مع العراق؟

لم تكن الحدود في عهود النظام السابق متفلتة إلى هذا الحد. لم يعجز “السيستام” عن وقف التهريب، بل أدار مساراته، ووزّع حصصه، وربط شبكاته بالأجهزة العسكرية والأمنية. لم يكن المهرّب خصم الضابط؛ كان ظله المدني. ولم يكن السلاح الخارج من الحدود دليلاً على غياب السلطة دائماً، بل على حضورها في هيئة شبكة مغلقة.

لذلك لا يكفي تغيير الحراس أو رفع شعارات جديدة فوق المعابر. ما يجب تفكيكه هو الاقتصاد السياسي الذي جعل الجريمة امتداداً للحكم، وحوّل المجتمعات الحدودية إلى خزانات للتهريب والولاء القسري. فالدولة التي تستخدم الأدوات نفسها ستعيد إنتاج النظام نفسه، مهما بدّلت أسماء المؤسسات والوجوه.

في الشمال، تُمثل تركيا حدود التفاوض الممكن. هي الدولة صاحبة أطول تماس مع سوريا، وهي أيضاً الجار الذي تتقاطع مصالحه مع قيام سلطة سورية مستقرة في ملفات اللاجئين والتجارة والأمن والممرات الطاقوية. غير أن هذه الحدود تحمل وجهين: غرباً، تتحرك شبكات الهجرة والتجارة غير المشروعة؛ وفي الشمال الشرقي تتكثف عقدة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والامتدادات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

جوهر المسألة هنا سيادي قبل أن يكون إثنياً. فالتحدي لا يكمن في حضور المكوّن الكردي، بل في موقع القوة المسلحة داخل النظام السياسي المقبل. تستطيع الدولة أن تعترف بالهوية والخصوصية والحقوق، لكنها تفقد معناها إذا اعترفت بقيادات عسكرية موازية وسلاسل أوامر مستقلة.

وإذا كانت تركيا تملك عنواناً واحداً يمكن التفاوض معه، فإن العراق يقدم النموذج المعاكس: دولة يتجاور داخلها القرار الرسمي مع خرائط قوة لا تخضع كلها للقرار نفسه. في الشمال تنفتح الحدود على التجارة ومناطق النفوذ الكردي، وفي الوسط تتشابك مسارات السلاح والمخدرات وبقايا التنظيمات المتطرفة بين البوكمال ومحيط الهول، بينما يحتفظ الجنوب بممراته المتصلة بمنطقة التنف.

المعضلة هنا أعمق من ضعف التنسيق بين دمشق وبغداد. إنها الفجوة بين ما تقرره الدولة وما تستطيع تنفيذه. فقد توقّع الحكومات اتفاقات، فيما تستمر شبكات السلاح حاضرة بمنطقها الخاص. وكل تفاهم لا يصل إلى القوى الموجودة على الأرض يبقى حبراً رسمياً فوق جغرافيا غير رسمية.

أما الحدود اللبنانية، فهي مجتمع قبل أن تكون مجرد جغرافيا. حدود صنعتها قرى متداخلة، وذاكرة عائلية، ومسالك جبلية سبقت الدول الحديثة. لكن الفقر وتعدد مراكز القوة حوّلا هذا التداخل إلى بنية تحتية لاقتصاد غير شرعي سلاحاً ووقوداً ومخدرات وبشراً.

ترسيم الحدود ضرورة قانونية، لكنه ليس علاجاً سحرياً. فالخط المرسوم على الخريطة لا يهزم شبكة تحميها القوة وتغذيها الحاجة. وما دام الاقتصاد المشروع عاجزاً عن الوصول إلى الأطراف، سيبقى الاقتصاد الموازي أكثر حضوراً من الدولة. من هنا، لا تكون التنمية مكمّلاً للأمن، بل شرطه الأول؛ لأن المجتمع الذي يجد رزقه في القانون يتوقف عن توفير الغطاء لمن يعيشون خارجه.

وفي الجنوب، تنكشف حدود المقاربة الأمنية بصورة أشد وضوحاً. انتقال بعض مسارات المخدرات من درعا إلى السويداء لم يكن مجرد تبديل للطرق، بل تعبيراً عن فراغ سياسي واقتصادي. فقد تراجعت الدولة بوصفها خدمة وعدالة وتمثيلاً، ثم حاولت العودة بوصفها قوة ضبط. وهذه معادلة لا تنتج سيادة، بل تعمق القطيعة.

السويداء ليست ثغرة أمنية تحتاج إلى الإغلاق، وإنما جزء من البلاد يحتاج إلى استعادة سياسية وخدماتية واجتماعية. فبعض الفراغات لا تملؤها القوة، بل الاعتراف والمشاركة. وحتى الإجراءات الأردنية، مهما بلغت فعاليتها، تستطيع اعتراض المسارات ولا تستطيع تجفيف منابعها. أما إسرائيل، فتجد في كل شق داخلي فرصة لبناء نفوذ، وفي كل خوف أهلي ذريعة لإدخال نفسها في النسيج السوري تحت عناوين الحماية.

عند الجبهة الإسرائيلية ينتهي تشابه الحدود. فتركيا والعراق ولبنان والأردن دول تتنازعها مع سوريا المصالح والمخاوف؛ أما إسرائيل فتعمل على إلغاء فكرة الخط نفسه. هي لا تطارد مهرّبين ولا تفاوض على إدارة معبر، بل تفرض خرائط جديدة، وتتجاوز ترتيبات فصل القوات لعام 1974، وتثبت مواقع عسكرية ورقابية في أرض سورية ترى أنها أصبحت مباحة بفعل اختلال موازين القوة. المرتفعات، وفي مقدمها جبل الشيخ، تمنحها أكثر من أفضلية عسكرية. إنها شرفة استخبارية مفتوحة على سوريا ولبنان والأردن، ونقطة قادرة على تحويل التفوق الجغرافي إلى رقابة ونار ونفوذ. لذلك لا يبدو التوسع مجرد استجابة ظرفية لمخاوف أمنية، بل محاولة لتحويل المؤقت إلى دائم: تبدأ الخطوة بوصفها احتياطاً عسكرياً، ثم تتحول إلى منطقة نفوذ، قبل أن تصبح أمراً واقعاً تبحث له إسرائيل عن اعتراف متأخر.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل تضرب أو لا تضرب المفاعلات النووية الإيرانية؟

تعكس هذه السياسة عقيدة إسرائيلية أخذت تتصلب بعد السابع من أكتوبر: أمن إسرائيل يجب أن يبدأ داخل أراضي الآخرين. لم يعد الردع وحده كافياً؛ المطلوب إفراغ المحيط من القدرة على تشكيل أي تهديد مستقبلي. ومن هنا يأتي تدمير القدرات العسكرية السورية، وتوسيع أحزمة النار، واستثمار الانقسامات المجتمعية. إنها سياسة تجمع بين القوة العارية والهندسة السياسية: تُغري جماعة بخطاب الحماية، وتضغط على أخرى بالتهجير، وتحوّل الخوف الأهلي إلى ممر للاحتلال.

لكن الجنوب السوري ليس مجرد ساحة أمنية وأكثر من عقدة جغرافية. هو ممر أساسي لشبكات التجارة والطاقة التي تربط الخليج بتركيا وأوروبا. ومع اهتزاز الممرات البحرية، ولا سيما عند مضيق هرمز، تستعيد الطرق البرية قيمتها الاستراتيجية. عندها تعود سوريا إلى موقعها الطبيعي: جسراً بين المشرق والمتوسط، لا ساحة تفصل بينهما.

ومن زاوية المصالح، يمنح تعطيل سوريا إسرائيل مكسباً مزدوجاً. فهو يتركها دولة ضعيفة عند حدودها، ويقصيها في الوقت نفسه عن اقتصاد الممرات الإقليمية. سوريا الموحدة قادرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ وإيرادات وشراكات؛ أما سوريا المجزأة فتبقى حزاماً أمنياً للآخرين، وسوقاً معطلة، وطريقاً مؤجلاً.

قد تستطيع واشنطن كبح اندفاعة إسرائيلية أو تأجيل توسع ميداني، لكنها لا تبدو مستعدة لإعادة فرض الخريطة على تل أبيب. كما تستطيع المفاوضات إدارة الاحتكاك، لكنها لن تصنع تسوية ما لم تبدأ بإعادة الاعتبار إلى خطوط عام 1974، ثم فتح أصل النزاع المتمثل في الجولان السوري المحتل. وما دون ذلك لا يتجاوز تنظيم اختلال القوة ومنحه وقتاً أطول.

استعادة الحدود السورية تتطلب ثلاث معارك متزامنة: توحيد السلاح ضمن البنى والمؤسسات الرسمية الوطنية؛ بناء إدارة حدود وجمارك محترفة؛ إدخال المجتمعات الطرفية في صلب العقد السياسي والاقتصادي. وتحتاج، فوق ذلك، إلى منظومة تعاون مع تركيا والعراق والأردن ولبنان؛ لأن السلاح والمخدرات والتنظيمات المتطرفة لا تعترف بالخرائط، ولا يمكن لدولة واحدة أن تطاردها وحدها.

فالسيادة لا تعني رفع راية فوق المعبر، بل أن يشعر من يعيش عنده بأن القانون يحميه، وأن الاقتصاد المشروع يكفيه، وأن الدولة لا تتذكره فقط حين تخاف منه. فإذا عاد المركز إلى الأطراف خدماتٍ وعدالةً وفرصاً، عادت الأطراف إليه انتماءً واستقراراً. أما إذا بقيت الحواف خارج العقد الوطني، فستبحث كل حافة عن مركز آخر.

المعركة، في جوهرها، ليست بين قبضة أمنية رخوة وأخرى أشد قسوة. إنها بين نموذجين للدولة: دولة تستثمر في الفوضى وتحكم أطرافها بالخوف، ودولة تبني شرعيتها بحيث يصبح القانون أكثر نفعاً من التهريب، والانتماء إليها أكثر أمناً من الارتهان للخارج.

الدول لا تسقط دائماً من قلبها. كثيراً ما تتآكل بصمت من أطرافها، إلى أن تستيقظ العاصمة فتجد أن الخريطة ما زالت معلقة على الجدار، بينما صارت الأرض موزعة بين لاعبين خارجيين.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "الإتفاق الإطاري" بين لبنان وإسرائيل.. أين مشروعيته الميثاقية؟