يوسف أيوب, Author at 180Post

830-3.jpg

طرحنا في مقالنا الأول سؤالاً جوهرياً عن الفرد والضياع الوجودي، وأشرنا إلى الاستشارة الفلسفية بوصفها مساحة مستقلة لمن يعاني حيرةً وجودية، لا بوصفها علاجاً لمرض نفسي. أما في المقال الثاني، فقد دخلنا عيادة سقراط الافتراضية، ورأينا كيف يمكن للسؤال أن يكون أقوى من الإجابة، من خلال الطريقة السقراطية بوصفها أداة يستخدمها المستشار الفلسفي لتفكيك اليقينيات وكشف التناقضات. لكن هل هذه الممارسة جديدة؟ أم أن البشرية عرفت، منذ آلاف السنين، أهمية الفلسفة بوصفها عناية بالحياة والنفس، لا مجرد بناء نظري؟

784.png

في مقالنا الأول من هذه السلسلة، طرحنا سؤالًا رئيسيًا: "ماذا تفعل حينما تكون تائهًا وجوديًا؟" وتوقفنا عند فكرة أن الاستشارة الفلسفية مساحة مستقلة لمن يعاني من حيرة، لا من مرض بحاجة إلى علاج نفسي. انتهى المقال الأول بدعوة القارئ للتساؤل: "متى كانت آخر مرة سمحت فيها لنفسك بالتفكير بهدوء في سؤال واحد: لماذا أعيش؟".

850-rotated.jpg

في عالم يموج بالإنجازات والاختراعات، يبقى سؤال واحد يراوغنا جميعًا: لماذا؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في جوهره، هو ما يجعل الآلاف منا - برغم استقرارهم الوظيفي، وهدوء حياتهم الأسرية، وصحتهم الجيدة - يشعرون بفراغ غامض يتسلل إلى أيامهم. هي حيرة وجودية تبحث عن إجابة. هنا يظهر دور الاستشارة الفلسفية، ذلك الحوار الذي يرافقك في رحلة لاكتشاف رؤيتك الخاصة للحياة. إنها مساحة آمنة للتفكّر والبحث عن الحياة التي تريد حقًا أن تعيشها. هل أنت مستعد للحوار؟

copy.jpg

من التعيينات المتشددة في إيران، إلى ولادة ميثاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، مروراً بالمجريات اللبنانية والفلسطينية والسورية واليمنية والعراقية، كُلّها أحداث تبدو، للوهلة الأولى، كأنها تتحرك ضمن سياقات منفصلة. لكن ثمة احتمالًا في أن تكون هذه الأحداث مجرد أعراض لتحول بنيوي واحد، فما نراه اليوم ربما هو لحظة تعبير عن انهيار توازن حكم الشرق الأوسط لعقود.. ولحظة تأسيس لبداية نظام إقليمي لم تتضح معالمه بعد.

799-1.jpg

اعتاد الفكر الحديث أن يصف تطور الوعي الإنساني بوصفه سلسلة من «الإهانات النرجسية» التي تلقاها الإنسان عبر التاريخ. فقد أطاح نيكولاس كوبرنيكوس بوهم مركزية الأرض، فكشف أن الإنسان لا يقيم في قلب الكون، بل على كوكب صغير يدور حول نجم عادي. ثم جاء تشارلز داروين لينزع عنه امتياز الانفصال عن الطبيعة، ويضعه داخل السلسلة التطورية للكائنات الحية. أما سيغموند فرويد، فقد وجّه الضربة الثالثة حين بيّن أن الإنسان ليس سيدًا مطلقًا لعقله، وأن جانبًا مهمًا من سلوكه تحركه قوى لاواعية تتجاوز إرادته.

3.jpg

في ظل التبدلات الجذرية التي تشهدها الجغرافيا السياسية، لم يعد "المشروع النووي السعودي السلمي" مجرد اتفاق تقني أو طموح تنموي، إذ تحول إلى "حجر زاوية" في إعادة تعريف التوازنات الإقليمية. يرسم هذا الحدث برغم الشروط الأميركية، بالتوازي مع التقارب الاستراتيجي المتنامي بين السعودية وتركيا، ملامح مرحلة جديدة تُدار فيها المنطقة عبر تكتلات إقليمية، يسعى كل طرف من خلالها إلى تعزيز هامش حركته واستقلالية قراره، بعيدًا عن النماذج التقليدية للتحالفات الأحادية.

750-10.jpg

تنشأ المفاهيم في أصلها استجابةً لواقع معين، وتُحدّد قيمتها بقدرتها على الفعل داخله أي باعتبارها أدوات تهدف إلى انفتاح الذهن وإعادة تشكيله لا باعتبارها مجرد تمثلات ذهنية. فيُولد المفهوم في بدايته نتيجة توتر تاريخي، من أزمة أو حاجة، تدفع الفكر إلى ابتكار لغة جديدة لفهم العالم وممارسة التأثير فيه.

780-1.jpg

ليس من الصعب ملاحظة شكل الحروب في منطقتنا التي كثيرًا ما تظهر بلبوس ديني، كالشعارات العقائدية، وخطابات التعبئة الطائفية، واستدعاء الهويات الدينية. ففي كل مرة تندلع فيها حرب يتقدم الدين إلى الواجهة، وكأننا أمام صراع ديني خالص تتواجه في الجماعات بإسم الحقيقة المطلقة. غير أن هذا الإنطباع، على قوته، قد يكون مضللًا بقدر ما هو ظاهر. فهذه الحروب التي تخاض بلغة الدين لا تعني بالضرورة انبثاقها عن رحمه.

801-3.jpg

لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان حدثًا يُقرأ بقدر ما يُفهم بوصفه لحظة انكشاف. حين تتوقف الحروب فجأة، لا تترك خلفها فراغًا بقدر ما تكشف البنية التي كانت تخفيها ضوضاء العنف. فما يتبدى اليوم ما هو إلا انكشاف لنمطٍ من السياسة ظلَّ يعمل في الظلّ – سياسة تُدار على حافة الانقطاع، وتستمد تماسكها من قابليتها الدائمة للانهيار.