“فورين بوليسي”: حين تعمل واشنطن لمصلحة بكين!

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا اشترك في إعداده الكاتب نيكولاس بيكيلين والكاتبة ياكيو وانج، يوضحان فيه أن الفشل الاستراتيجي لإدارة ترامب في إدارة الملف الصيني يُعد التطور الأكثر خطورة وتأثيرًا في رئاسته (حتى أكثر من أزمة إيران)، إذ أدت قرارات واشنطن المتخبطة إلى تراجع القوة الأمريكية وتسريع تحول توازن القوة العالمي لصالح الصين. 

“في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء العالمية ومواقع الأخبار الضوء على الأزمات والحروب المشتعلة التي انخرطت فيها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي مقدمتها الحرب على إيران، يتبلور في الخفاء تحول استراتيجي أكبر بكثير وأعمق أثرًا على مستقبل القرن الحادي والعشرين. قد ينظر المؤرخون والباحثون في المستقبل إلى الأزمة الإيرانية باعتبارها نقطة تحول حاسمة كشفت حدود القوة الأمريكية وعزلت واشنطن دوليًا، إلا أن الفشل الأكبر والأكثر خطورة للولايات المتحدة لا يكمن في الشرق الأوسط، بل في المحيط الهادئ؛ وتحديدًا في العجز الشامل لسياسة واشنطن تجاه الصين.

إن الصين، خلافًا للعديد من القراءات السطحية، لا تسعى إلى إعادة إنتاج نظام عالمي مطابق للنموذج الأمريكي (Pax Americana) الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. بدلًا من ذلك، تمتلك بكين استراتيجية واضحة ومحددة: تقييد القوة الأمريكية، وتقليص نفوذها المالي، وتفكيك هيمنتها العسكرية في آسيا، وإعادة تشكيل المؤسسات الدولية بما يخدم الأنظمة غير الديمقراطية. وفي غضون أقل من عامين، قدمت واشنطن بسياساتها المتضاربة أكبر خدمة لبكين لبلوغ أهدافها.

أولًا: الملف الاقتصادي وحرب الرسوم

كان الشعار المحوري لسياسة ترامب الاقتصادية يتلخص في خفض العجز التجاري مع الصين وإعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية عقابية مشددة. غير أن الواقع الميداني والدراسات الاقتصادية، ومنها دراسات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أثبتت أن الأثر الصافي لهذه الحرب الجمركية لم يكن سوى إعادة توجيه خطوط السير:

  • إعادة التصدير عبر دول ثالثة: استمرت الصادرات الصينية في التدفق إلى الأسواق الأمريكية، إنما عبر وسائط ودول ثالثة مثل فيتنام وتايوان والمكسيك. ونتيجة لذلك، ظل العجز التجاري الأمريكي مرتفعًا دون تحسن ملموس في ميزان المدفوعات.
  • الإضرار بالمصنعين والمستهلكين: تسببت تقلبات الرسوم الجمركية في فرض تكاليف باهظة على قطاع التصنيع والمستهلك الأمريكي، مع إبقاء سلاسل التوريد الحيوية تحت رحمة التطورات الجيوسياسية.
  • سلاح نقطة الاختناق (Chokepoints): فشلت الإدارة الأمريكية، بشكل غير مفهوم، في توقع استخدام بكين نفوذها على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة كأوراق ضغط مضادة.

تُوّج هذا التخبط باتفاق بوسان (أكتوبر 2025) على هامش قمة أوبك؛ إذ اضطر ترامب إلى التخلي عن تهديده بفرض رسوم إضافية بنسبة 100% مقابل الحصول على هدنة هشّة بشأن الفنتانيل والصويا والمعادن النادرة. وكان الملمح الأساسي لهذه المواجهة إثبات أن الاقتصاد الصيني أظهر قدرته على المقاومة والالتفاف والتأقلم مع أشد الإجراءات الأمريكية قسوة.

ثانيًا: سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

طالما تباهت الإدارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة تتقدم على الصين بفارق شاسع في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. ولكن، في الواقع، انكمشت الفجوة بشكل متسارع نتيجة عوامل هيكلية وسلوكية:

  • تخبط الضوابط وتجاوز العقوبات: لم تستطع إدارة ترامب الاستمرار في تنفيذ ضوابط التصدير الصارمة التي وُضعت في عهد إدارة بايدن بشأن أشباه الموصلات المتقدمة، وتحركت ببطء شديد لمواجهة طرق الالتفاف والتهريب. سمح ذلك للشركات الصينية بالوصول إلى الشرائح المحظورة لتدريب نماذجها اللغوية الضخمة (LLMs) عليها، إما مباشرة أو عبر طرف ثالث.
  • تفوق الصين في التطبيق والتصنيع: ركزت بكين، بأسلوب منهجي، على البحث العلمي التطبيقي والابتكار ونشر النماذج مفتوحة المصدر. وباقتران ذلك بقدراتها التصنيعية الهائلة والصدارة العالمية في نشر الروبوتات الصناعية، أصبحت الصين تضيق الفجوة التكنولوجية بسرعة فائقة، وتتغلب تدريجيًا على نقطة ضعفها المتمثلة في قدرات المعالجة الحاسوبية.
  • استهداف البيئة الأكاديمية والبحثية: بينما تخوض واشنطن حروبًا سياسية ضد الجامعات المحلية، وتفرض قيودًا صارمة على الهجرة تنفّر الكفاءات العالمية، وتخضع التمويل العلمي للمراجعات الحزبية؛ تُخرّج الصين سنويًا ما يقرب من ضعف عدد حملة الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتسجل أرقامًا قياسية في براءات الاختراع، وتستقطب العقول الهاربة من القيود الأمريكية.

ثالثًا: التراجع العسكري والانسحاب الاستراتيجي من آسيا

تقتضي المصلحة الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ منع الصين من التحول إلى قوة هيمنة إقليمية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على ثلاثة أركان: وجود عسكري أمريكي قوي، ورسائل ردع صارمة وموثوقة لحماية تايوان، وتحالفات إقليمية متينة. غير أن سياسات ترامب أدت إلى تآكل هذه الأركان الثلاثة بشكل غير مسبوق:

أ) تحويل الموارد العسكرية:

أدى انخراط الإدارة الأمريكية في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران إلى سحب أصول عسكرية ضخمة من المحيط الهادئ. فعلى سبيل المثال، أدى نقل حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى إخلاء غرب المحيط الهادئ من أي حاملة طائرات أمريكية لفترات حيوية، فضلًا عن استنزاف المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الصواريخ الموجهة بدقة، مثل صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك، التي تشكل العصب الأساسي لأي مواجهة محتملة مع الصين.

إقرأ على موقع 180  جان عبيد.. الحكيم والحَكَم

ب) التشكيك في الالتزام تجاه تايوان:

استغلت بكين هذا الفراغ لتنفيذ أوسع وأقرب مناورات عسكرية حول تايوان، محاكية عمليات الحصار والضربات الدقيقة. وفي المقابل، تعامل ترامب مع ملف حزم الأسلحة الخاصة بتايوان بوصفه «ورقة تفاوضية» للحصول على تنازلات تجارية، ما أرسل إشارة صريحة إلى الصين بأن واشنطن قد تكون مستعدة للمساومة على أمن حلفائها.

ج) تضرر التحالفات التقليدية:

كوريا الجنوبية: تسبب قرار ترامب بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع سيول، على خلفية رفضها المشاركة في حرب إيران، وتصريحاته المتوددة لزعيم كوريا الشمالية، في دفع كوريا الجنوبية إلى الإعلان عن سعيها إلى «استعادة كاملة» للعلاقات مع الصين.

الهند: تعرضت العلاقات مع نيودلهي، التي أُسّس لها طوال عقود بوصفها قوة موازنة للصين، للإجهاد والتوتر، ما دفع الهند إلى التقارب البراغماتي مع بكين تحت مظلة تكتل «بريكس» لبناء أنظمة مالية وتجارية بديلة ومعزولة عن النفوذ الأمريكي.

رابعًا: انهيار القوة الناعمة وتراجع الانضباط المعياري

لطالما واجهت الصين صعوبة في منافسة الولايات المتحدة في ساحة «القوة الناعمة»، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وسلوكيات «دبلوماسية الذئب المحارب». لكن الفجوة بدأت تضيق، ليس بسبب تحسن السجل الصيني، بل نتيجة التدهور الذاتي الحاد لصورة الولايات المتحدة عالميًا.

في الختام؛ تُظهر حصيلة المشهد الجيوسياسي الراهن حقيقة صدمت الكثير من المراقبين: إن معظم التراجعات الأمريكية أمام الصين كانت إخفاقات ذاتية الصنع، نتيجة التخبط وغياب التسلسل الهرمي للأهداف الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن الصين نفسها لم تكن بارعة للغاية في استغلال كل الفرص المتاحة، بسبب تخوف الدول المجاورة من طموحاتها البحرية وتباطؤ إصلاحاتها الاقتصادية الداخلية، فإن بكين لا تحتاج إلى كسب حب العالم لتستفيد من الانسحاب الأمريكي.

إن نظام الرئيس الصيني شي جين بينغ يركز في المقام الأول على تأمين عرشه، وتقليص قدرة واشنطن على التدخل في شؤونه، وتوفير بيئة دولية تسمح بصعوده المتدرج. وبحسابات القوة المجردة، أصبحت بكين، بعد أشهر قليلة من الولاية الثانية لترامب، تمتلك أسواقًا أكبر، ونفوذًا أعمق على سلاسل التوريد، ومساحة أوسع للضغط على تايوان. إن الإرث الأكبر لسياسات واشنطن الحالية قد لا يكون مجرد الإخفاق في ملفات منفصلة، بل تأكيد المقولة الصينية التاريخية بأن الوقت يمشي في صالح بكين”.

(*) بالتزامن مع “الشروق“؛ المصدر الإنجليزي: “فورين بوليسي

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أمريكا، إسرائيل، الهند وإيطاليا.. كيف تستفيد من الممر الإقتصادي؟