في الذِهابِ إلى الذُروَة

كلما رحت أحث نفسي على إنجاز ما يفوق خطتي الأصلية؛ كلما تذكرت مثلا طريفًا كنت أسمعه من جدَّتي: "إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر"؛ والمراد أن يستهدف المرء دومًا بلوغ القمة؛ لا أن يكتفي بما دونها ولو كان مقبولا، وأن يستخدم كامل طاقته وجُلَّ مشاعره في الوصول إلى أقصى حد منظور.

المعنى ينطبق على أحوال متباينة والحق أن معظم الأفعال ما جُردت من التفصيلات بقي جوهرها وحده دون رتوش؛ السرقة واحدة مهما تضاءلت أو ارتفعت قيمة المسروق، الكذب هو نفسه وإن اختلفت ألوانه، والظلم كذلك أيضًا، وبالمثل ما كانت له قيمة إيجابية كالتحدي والشجاعة والمصارحة، فإن غامر المرءُ بتحمُّل العاقبة؛ كان الأفضل له أن يتصرف بما يعادلها وأن يعتلي بفعله الذروة؛ ولا يكتفي بما دونها.

***

الذروة في معاجم اللغة العربية هي قمة الشيء والعادة أن يرغب الناس في تبوئها؛ لكن المفردة لا تشير على الدوام إلى كل ما هو إيجابيّ منشود؛ وأكثر التعبيرات الحاضرة في الذهن سلبية حول معناها، هي الحديث عن وقت الذروة وذروة الزحام؛ تلك التي تستهلك القدرة على التحمُّل وتهدر الساعات بلا طائل.

***

يأتي القولُ المأثور ناصحًا السامع: “إن كنت مناطحًا فناطح بذوات القرون” أيّ؛ خُضْ النزالَ بأقوى أدواتك وأنجعها، وأكثرها قدرة على حَسم المعركة، فالاستعداد غير الكامل يجلب الخسارة، واللين عند مَوضِع الجَدّ؛ إيذانٌ بالهزيمة، وفي السياق ذاته فإن المناورةَ الساذجة التي لا تتمتَّع بالإحكامِ الكافي والتدبير؛ تغدو ملهاةً أكيدة، والثورة التي تلتزم القُمقُم فتتنحى ليحكم غيرها، وتتقاعس عن القضاء على الفاسدين؛ إنما تحقق الفشلَ الأكيد وتعجز عن بلوغ الذروة المبتغاة، والدروس المُستفادة حاضرةٌ لم تسلها الذاكرةُ بعد.

***

من بين الأمثال العربية التي ما فتأت تثبت صدقها: “إذا ضَرَبت فأوْجِع، وإذا زَجَرت فأسْمِع“؛ لا يكون الضرب خفيفًا ولا يكون التوعد والنهر ضعيفًا؛ إذ ينبغي أن يصلا الذروة كي يحدثا أثرهما. ما من شكّ أن الناسَ في استجاباتهم مختلفون؛ فثمَّة من تكفيه الإيماءةُ وتؤلمه الإشارةُ وتُرجِفُ أذنَه الهَمسةُ، وثمَّة من يعاني بلادة الحِس والبدن على حد سواء، والحِكمة البليغة تُصنف النوعين وتَصِفُ لكل منهما العلاج الملائم فتقول: “العبدُ يُقرَّع بالعصا والحُرُّ تكفيه المَلامة”.

***

الصَوم ذروةُ امتناع وغالبًا ما يعقبه إفراط في تناول الطعام؛ فإن لم يحدث وانتهى الأمر إلى فتات لا يغني من جوع، ولا يقيم الأود بعد طول انتظار؛ ظهر التناقضُ جليًّا ولفت الانتباه، وأوُجِزَت الحالُ في المثل الشهير: “يصوم يصوم ويفطر على بَصَلة“. أذكر مشهدًا ساخرًا في فيلم البيه البواب؛ حين تقاعد الأستاذ فؤاد المهندس وأقام له الزملاء حفل تكريم ثم حانت لحظة تلقيه المكافأة؛ فإذا بالمدير يسلمه وسط التصفيق والثناء، ثلاث شهادات استثمار قيمتها المجمعة ثلاثون جنيهًا. عبَّر فؤاد المهندس بملامحه عن خيبة الأمل المترتبة على البصلة التي نالها؛ فجاء الأداء كعادته رفيعًا. المثلُ مُستخدَم على نطاق واسع والمناسبات التي تستدعيه إلى الذاكرة كثيرة: الطالب الذي بذل جهده ثم انتظر النتيجة؛ فإذا بمجموعه ضعيف لا يوفي بتطلعاته؛ قد أفطر على بصلة، والشعب الذي انتظر حاكمًا ينصفه بعد معاناة طويلة؛ فإذا به يقاسي الأصعبَ والأمَرَّ؛ قد أفطر أيضًا على بصلة. البصلةُ واحدة والمواقف متعددة.

***

ذروة الغضب عنفٌ. ذروة العداء حربٌ. ذروة الذكاءِ عبقريةٌ، وذروة العشق فناء في ذات المحبوب، أما تكرار الأخطاء ذاتها أملًا في أن تتبدَّل النتيجة؛ فذروة حمْقٍ لا تعادلها أخرى، وأكم من مرة أشحنا بوجوهنا عن التجارب الأليمة التي خضناها، وأولينا المسئولية لمن أثبت سلفًا عدم الكفاءة، وحين جاء وقت الحصاد؛ عجبنا لما طالنا من إخفاق، ورحنا نبكي سوء الحظوظ وننعى الأقدار.

***

بعض الأحيان يصبح الوصول إلى الذروة حالًا سلبيةً؛ إذ يدرك المرءُ أنه قد بلغ المُنتهى، وأن شيئًا جديدًا لن يتحقق من بعد. يفقد حينها شغفه، وتتضاءل حماسته ويتجمَّد في موضعه، والظن أن الشعور بالاكتفاء يولد زهدًا في مواصلة الكد؛ لكن من مباهج الحياة أن تكون المعرفة مدادًا لا ينضب ولا يتحقق في رحابها الإشباع التام؛ مهما حصل المرء وجد واجتهد، والظن أن كل خطوة جديدة تحرض على طلب المزيد ومواصلة السعي.

***

غنى محمد عبد الوهاب: “يسمو إلى الذُروةِ في زَهوِها.. وينثني والسَّهلُ رَحبٌ مَديد.. يا ليتني والسِحرُ عالي الذُرى.. أرقى إلى ذاك الجَمالِ الفريد“. الأبيات من قصيدة “نجوى” التي كتبها كلماتها عبد المنعم الرفاعي، ولحنها عبد الوهاب من مقام الراست. المفردات التي استخدمها الشاعر والصور المرسومة فيها من العمق والتركيب ما يذهل، ويثير الأسى حول ما صارت إليه الأغاني في أواننا هذا.

***

لكل شخص أن يحدد الذروة التي يبغي ارتقاءها وفق طموحاته، ويسعى إلى البقاء فيها باستخدام مهاراته وإمكاناته. بعض الذرى تلوح شديدة الارتفاع سامية بعيدة، وأخرى تبدو دانية قريبة لكنها ضئيلة القيمة، والظن أننا قد تناسينا الأولى وأسقطناها من حساباتنا، واكتفينا بالتطلع إلى الثانية؛ فلما عجزنا عن بلوغها هي الأخرى؛ ارتضينا القاع بديلًا. يتفاوت الناس فيما يقبلون وما ينبذون؛ منهم من يقنع بالقليل الرخيص ومن يطمح إلى الثمين الغالي، ولا جدال أن القُّدرة على رفض المذلة وطلب الرفعة والسيادة؛ أمر يقتصر على الندرة.

إقرأ على موقع 180  قتل "الأب الرمزي".. وأزمة الهوية

***

ذروةُ المَجد سموٌ بينما ذروة البؤسِ حَضيض والمسافة من هذا إلى ذاك هائلة؛ يتطلَّب تجاوزُها إرادةً حرةً صلبة، ودوافع حقيقيًة أصيلة؛ تحرك الساكن، وتحضُّ على نبذ الواقع الكئيب، والانتفاض في مواجهة المظالم. درجنا على قبول الأدنى، واستسلمنا تحت وطأة الضربات المتتالية العنيفة؛ إلى أن بلغنا ذروة التعاسة في غضون فترة قصيرة، وباتت حلوق السائرين في الشوارع مشحونة بالمرارة؛ تنطق ملامحهم بما يعتمل في النفوس وتعكس واقعًا موجعًا كريهًا، والحق أن النزول عن هذه الذروة يحتاج إلى أضعاف الجهود المبذولة في الصعود، والمثل الذي يمكن الاستعانة به من جعبة الحكمة الموروثة: “لا يفلُّ الحديدَ إلا الحديد”.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المَصْرف