بسمة عبد العزيز Archives - 180Post

800.jpg

زجَرَت الأمُ طفلَها الذي رفَضَ إكمالَ طعامه. قارنت بينه وبين صاحبِه ذي الجّسم المُمتلئ؛ إذ أقبل يأكل بشراهةٍ واضحةٍ دون أن يحتاجَ إلى توجيهٍ أو إلحاح، ولم تلبث مع غياب أيّ استجابة مُرضِية أن انفعلت، وعلا صوتها تأمر صغيرَها المتلكئ بالإسراع في إنهاء وجبته عن آخرها؛ لكن الجدَّة التي راقبت المَوقِف منذ البداية تدخَّلت ناصحةً بعدم الضَّغط عليه، وبمراعاة اختلافه عن زميله، وخَتمَت كلامها بالحِكمة الشعبيَّة الخالدة: "كلّ برغوث على أد دمُّه".

810-3.jpg

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

800-29.jpg

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

800-33.jpg

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.

828.jpg

لما أمر السُّلطان حسن خادمَه بأن يأخذ رشفةً من الشَّراب؛ امتثل الخادمُ مرتعشًا ثم سقط يتلوى ألمًا؛ فتأكَّدت الشكوكُ وانكشفت الخُطة. شاهدنا ضِمن أعمالٍ درامية متنوعة، الملكَ الخائف وهو يطلب من الطاهي أن يتذوَّقَ الطعامَ الذي صنع، فإن سَلِم ولم يُصِبه سوءٌ؛ أكلَ الملكُ واستمتَع بالطيبات، وإن حدثْ غير ذلك؛ وَقع الخائن في شرّ أعماله وانطبق عليه المثلُ الشعبيّ الذي يقول: "طبَّاخ السمّ بيدوقه". الطبَّاخُ على أرض الواقع مجرَّد مجاز، يُدلل على كلّ من سعي لإيذاء الآخرين، والقَّصد بيِّنٌ وصريح؛ إذ الأفعالُ الخبيثة تعود في نهاية الأمر على فاعلها، والفخاخُ تقتنصُ في كثير الأحيان مُدبرَها.

800-21.jpg

تجدَّدت المعاركُ في المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذي يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.

801-3.jpg

على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".

800-6.png

نزلت الشَّابة عن الرصيف، قبضت على يدّ زميلتها المتوترة، ثم قفزت بها إلى نهر الطريق دون حسابات كثيرة. أطلقت إحدى العربات سرينتها وانحرفت أخرى بفضل مهارة سائقها، وخفضت ثالثة سرعتها باستخدام عنيف للمكابح؛ بينما تفادتهما دراجة نارية على متنها أربعة أشخاص، وأخيرًا حالف الحظ المرأتين فوصلتا بسلام إلى البرّ المقابل؛ لينطبق عليهما المثل الشعبيّ القائل: "إديني عمر وارميني البحر". 

800-26.jpg

في إحدى المناسبات السَّعيدة، ارتفع الغناءُ بين جُدران القاعة الرَّحبة؛ فكاد يصمُّ أسماعَ الحاضرين. تعالت الشكوى من هنا وهناك، طلب بعضُ الناس خفضَ الصَّوت وانتظر النتيجة؛ لكن شيئًا لم يتبدل. مرةً واثنتين والمَوقف على حاله؛ إلى أن انفجرَ أحد المَدعويين في مدير القاعة وأشاح بيده: "هو أنا بادَّن في مالطا"؟

750-5.jpg

خلال الفترة القَّصيرة التي شَهدت إغلاقًا عامًا في التاسعة مساءً، تذكرت حاليَ مُستقرة بعض الوقت بإحدى المدن الأجنبية التي تسير على قواعد صارمة، فتُلزِم حوانيتها بمواعيد مبكرة للنوم والصحيان. طبيعة جميلة ولا جدال، أحياء مُغرِقة في الهدوء، معزولة عن الأصوات الصاخبة التي تحرم النسبة الكبرى من قاطني القاهرة حقَّهم الأصيل في الاستمتاع بالصَّمت ولو لدقائق قليلة. تصوَّرت قبل مروري بالتجرِبة أن الكتابةَ في الأجواء الناعمة الساكنة عملٌ موفقٌ سديد؛ لكني كنت ولا شكّ مخطئة. شعور غامِر بالمَلل يبدأ في الزَّحف بمجرد انقضاء أول نهار. تخلو الشوارع عند السادسة مساءً؛ لا تُرى فيها محالٌ ساهرة ولا أشخاصٌ يتسكعون هنا وهناك، ولا حتى حيوانات أليفة تجوبُ الأرصفةَ وتنبش صناديقَ القمامة؛ مواتٌ شاملٌ مُكتمِل الأركان. أدركت مع تعدُّد الزياراتِ على هذا المنوال، مَغزى المثل الشهير: "الجَّنة من غير ناس ما تنداس".