بسمة عبد العزيز Archives - 180Post

fine.jpg

لم يكُن في الجلسة من حديثٍ سوى عن الحربِ التي تشنها الولاياتُ المتحدة الأمريكية على إيران. تباينت كالعادة الآراءُ؛ ثمَّة مَن بنى موقفَه على تأييد غير مشروط للهيمنة الرأسمالية مقابل كره جذريّ عميق لنظام المُرشد، وثمَّة مَن دعم المقاومة في مواجهة العدوان سواء كانت دينية أو علمانية؛ غير أن الحاضرين أغلبهم قد اتفقوا على كون سياسات الرئيس دونالد ترامب ضربًا من الحمق عصيًّا على الاستيعاب؛ ولا سيما أن الصَلف الأمريكيّ الأصيل يتزايد في الآونة الأخيرة فلا يترك براحًا كافيًا للاختيارات، ولا يعبأ بوجود مفاوضات، ولا يكترث لتعهُّدات أو اتفاقات؛ إنما يخرق كلَّ ناموسٍ وعرف. 

800-54.jpg

دار حديثٌ بين صديقات اجتمَعن على إفطار رمضان في بيت إحداهن، تفاخرت أصغرهن بعباءة ابتاعتها خصيصًا للعزائم والزيارات، صيحة جديدة من الصيحات التي تظهر ليتكالب عليها الناس، ويصنعون منها ضرورة لا غنى عنها. قامت تريهن جمال النسيج والتطريز وتجيب عن تساؤلاتهن بشأن ثمنها وأماكن بيعها؛ لكن أخرى أفسدت موقف التباهي والإعجاب بتعليقها: "على إيه؟ اللقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع". توتَّر الجوّ قليلًا وتحوَّلت العباءة إلى مصدر شدّ وجذب؛ فقامت المُضيفة الأكبر سنًا لتأتيَ بأطباق القطائف والكنافة وتصبَّ الشاي؛ لعل الحلوى تلطّف الأمزِجةَ وتخفّف من حِدَّة الاشتباك.

800-38.jpg

وَصَل الشابُ فسَلَّم على مجموعة من اٌقربائه، تضمُّهم وليمةٌ جماعية كبرى بعد طول غياب. اندهش أغلبهم إذ طال جسمُه واعرضَّت عظامُه ولم يكن بالمرة السابقة سوى طفل صَغير. لما صار طرفًا في الكلام وعلا صوته؛ جاءت ألفاظه وإيماءاتُه لتذكرهم بوالده وتعلنهم بأنه أصبح نسخةً مطابقة منه. علَّقت امرأةٌ عَجوز في عينيها لمعة مُميزة: صحيح؛ مَن شابه أباه فما ظلم. 

800-21.jpg

لما امتد الحوار في براح وألفة، وتطرقت الصديقتان اللتان التقيتا بعد فترة من الانقطاع إلى تفصيلات عديدة في حياتيهما، أرادت إحداهما أن توغل أكثر فأكثر، وأن تفصح عن دقائق لا يعلمها أحد. قالت وهي تهمس، موحية بأهمية ما ستفضي به: «فيك من يكتم السر؟» أومأت رفيقتها موافقة على الشرط، متأهبة لسماع ما قد يسر خاطرها أو يبدل أفكارها بشأن أزماتها الخاصة التي لم تزل حبيسة صدرها. مضت ساعة وراء أخرى، وخرجت الأسرار من فاهيهما تباعًا، وانتفت تدريجيًا الضرورة من طلب الكتمان؛ إذ تابع زبائن المقهى الحوار عن كثب؛ فيهم من تفرغ للإنصات، ومن اكتفى بشذرات تصل إلى مسامعه عشوائيًا.

800-8.jpg

في حُجرة السّكرتارية، وقفت عاملتا نظافة في منتصف العمر تقريبًا؛ تتبادلان الحديث حول استحقاقاتِهما المادية التي لم تصلهما منذ فترة. بقيتا تتجادلان لدقائق طوال وقد استقرَّت في يدّ إحداهما ورقةٌ تحمل طلبًا مشتركًا، وأخيرًا تشجَّعت الأكبر عمرًا، وقرَّرت أن تدخلَ مكتب المدير. خَطت طارِقةً الباب، هاتفةً كأنها تشجع نفسَها وتنفض عنها أسبابَ التوتُّر: "هي موتة ولا أكتر؟". خرجت بعد لحظاتٍ قصيرة ووجهها عابس يَكسوه الإحباط، وغادرت خلفها زميلتُها حانقة، واندلع بينهما في التوّ جدالٌ جديد؛ حول المواجهة التي لاحت خاسرة.

800-45.jpg

لما دخل الرجلُ في حلته الكاملة متباهيًا، يُحيط به جمعٌ من الأعوان والحرَّاس؛ توالت تعقيباتُ الحاضرين، فرفعت درجةَ الحرارةَ حدَّ الغليان: بعدما نجح في انتخاباتِ النادي لحَس وعوده. زادت الاشتراكاتُ والتجديداتُ ومَثلت عبءً ماليًا مضافًا على الأعضاء. ليتنا ما أعطيناه أصواتنا، ظنناه إنسانًا حليمًا مُراعيًا للظروف؛ فاتضح أنه مُمثلٌ قدير. أشاحت سيدةٌ في أواسط العمر بيدها وخفضت صوتَها هامسة: "يا ما تحت السَّواهي دواهي" فأمَّن بعض الجالسين على تعليقها، وتعالت ضحكاتُ أخرين. 

b6dda9eb3100cd0471b24ac4c80777df.jpg

دار الحديثُ في مَجال الاقتصاد والحروب، ولما أدلى أحد الجالسين برأي بدا شاذًا غير معقول وادعى أن مصدرَه مَرجِع أجنبيّ، ردَّ عليه آخر: "العلم نور". عادة ما نستخدمُ جملة "العلم نور" في مَعرِض السُّخرية من جهل الآخرين؛ لكن ثمة ذكرى عَطرة تحملها أيام الطفولة؛ فقد زيَّنت الجملةُ جدرانَ المدارس وكان وقعها جادًا رزينًا، والحقُّ أن كثير الشعارات الحاضرة في حيواتنا فقدت معانيها؛ فالأفعال لا تلاقيها على أرض الواقع، وشأن العِلم في خبر كان؛ تشتُّت وتفاوُت وارتباك، وأجيال غُمِّ عليها الطريقُ وتفرَّقت بها الغايات. 

750-2.jpg

أثار فيلم "السّت" زوبعةً من الجَّدل العنيف بين الناس؛ مَن شاهدوه ومَن اكتفوا بالسَّماع عنه، مَن تخصَّصوا في النقد السينمائيّ ومن اندرجوا تحت بند المُتلقي العادي. البعضُ لم يرَ في العمل سوى إساءةً دامغة تستدعي الانتفاض، وبعضٌ آخر تحدَّث عن مُعالجة فنية رائعة تستحِق الإشادةَ والثناء، وبين الفريقين تاه التقييمُ المتأني الرَّزين، واختلت موازينُ الانحياز المَوضُوعي، وتحوَّل الخلافُ في وجهاتِ النظر إلى اتهامٍ مباشر.

16760528320.jpg

الهُجومُ على رئيس دولة في عقر دارِه، واختطافُه ونقله خارج الحدود؛ عملٌ أهوَج صَفيق، لا يمكن قبوله تحت أيّ ظرفٍ أو شرط، والحقُّ أنه يستدعي الغَضبَ والرَّفض، بقدر ما يبعث على التوجُّس والحذر. احتجَّ الناشطون على تدخُّل الإدارة الأمريكية السَّافر بفنزويلا؛ وفيما أصدرت بعضُ الحكوماتِ بيانات شَجبٍ واستنكار؛ صمتت أخرى مُكتفية بمراقبة الأوضاع؛ لا ترحيبًا منها بالمَسلَك المُهين الذي دأب الرئيس دونالد ترامب على انتهاجه ضد مُعارضيه؛ إنما عملًا بالحكمة الشهيرة: "من خافَ سَلم". كلٌّ يَخشى أن يأتيَ دورُه وكلٌّ يفضلُ أن يتركَ لمَن دونه مُهمَّة اتخاذ مَوقِف مُضاد. 

640-2.jpg

انقضى عامٌ آخر مشحون بوابل من أحداثٍ عجيبةٍ مُدهشة، توزَّعت في أرجاءِ العالم؛ من شرقه إلى غربه ومن جنوبِه إلى شماله؛ حتى حارَ الناسُ في وَصف ما يجري على المستويات كافة؛ إذ كان كثيره مُباغتًا صادمًا. البعضُ راح يَسخر ويَصنع النكات، وبعضٌ آخر فقد حلمَه وتخلى عن رابطةِ جأشِه وانخرط في وابلٍ من القَّصفِ الكلامِيّ وربما السُّباب، وهناك من ترفَّع وابتعد صانعًا لنفسه شرنقة؛ انعزل داخلها ونفَضَ عن رأسِه الأوجاع، ومَن لم يستطع الانعزال فسقط في جُبّ الكآبة والقنوط.