بسمة عبد العزيز Archives - 180Post

800-52.jpg

فى نقاش لاح بلا جَدوى تطرَّق بعض الأصدقاء والصَّديقات إلى عملية إحلال وإبدال غير مَفهومة؛ اجتُثَّت فيها الأشجار من الشوارع، وظهر مكانها النخيلُ الذى تمادى فى الانتشار هنا وهناك؛ فأقيمت له مزارع مُتخصّصة فى بعض المُحافظات وعلى الأطراف، وبثَّت القنواتُ التليفزيونية المُتضامِنة إعلانات تدعو المُشاهدين إلى التصدُّق بثمنِ نخلة، كما نقلت صورَ المَساحات المَزروعة بالفعل؛ شاسعة ضخمة.

750-11.jpg

تحفَّز أفراد الأسرة الصغيرة أمام الشاشة وهم يُتابعون مجرَيات المباراة. تلقَّت الشِباك الهدفَ الأول، تبِعه الثاني، ولم تكن النتيجة مُتوقَّعة. المُهاجمون مُحاصرون والمُدافِعون تائهون، يتخبطون أحدهم في الآخر. دقائق انقلب بعدها الغضب إلى حفل من التعليقات الساخرة، وراح الجالسون يتبادلون في لحظة اليأس العظيم حكاياتٍ طريفة، حول أتعس المهاجمين حظًا، وأسوأ المدافعين أداءً، وعن حراس المَرمَى الذين يتعرَّضون لمُناورات مُخجِلة من الخُصوم؛ تنتهي باستقبالهم أهدافًا عَجيبة مضحكة.  

800-25.jpg

علا صوتُ امرأةٍ في منضدة خلفية، ففزَّت أخرى على مَبعدة أمتار، ومدَّت إليها الخطوَ وهي تبادلها الصِّياح. اجتمع رواد النادي القريبون يحاولون فضَّ الاشتباك الذي نشأ بين الاثنتين؛ فتبيَّن بعد دقائق قليلة أن المرأةَ الأكبر عمرًا لا تريد من طفل الشابة أن يقودَ عربته البلاستيك الصغيرة في المَمَرّ المُجاور. كانت تقرأ من مُصحَف في يدها وتبحث عن فَرض الهدوءِ التام في محيطها. أتبعت صياحَها المُتذمِّر بلفظٍ عنيف، ورَمت الشابَّةَ بأنها منقوصة الأدب وبأنها تُسهِم في إنشاءِ جيل "مش متربي". أغلبُ الحاضرين أعطوا الحقَّ للطفلِ في اللعب ولأمه في الدفاع عنه؛ لكن الأخرى تمادت في غضبها، أرغَت وأزبدَت وألقت بكلمات وَقع بعضُها من آذان السَّامعين مَوقِع السُّباب، ثم غادرت منضدتها مُعلِنة الحسرة على الحال التي آل إليها المُجتمَع، واقترابه من حافة الانهيار.

chisciotte-newAI.jpg

لم تكن النظارةُ كافيةً للبحث عن مَنْشَأ السلعة؛ المكتوب بخطٍ مُنمنم يكاد لا يُرى. باءت المحاولاتُ التي بذلتها السَّيدةُ بالفشل، وبدا عليها حرجُ السؤال. أخيرًا تغلَّبت على مشاعرها وواجهت البائعَ برغبتها في معرفة ما إذا كان المُنتَج الذي انتقته يدخل في نطاقِ حَملة المُقاطعة. رمقها البائع في دهشة؛ ولسانُ حاله يقول إن قليلينَ هُم من لم يزالوا لعهدِهم ذاكرين، أغلبُ الناسِ قد غشاها النسيان وطوى إرادتهم الإحباط على المستوى العام؛ فرجعوا إلى قواعدِهم مَدحورين، يبتاعون ما يجدون دون اهتمام بمصدره.

780.jpg

عند نقطة حاسمة ظهر مَفرِقُ في الطريق، وانقسم المَسار الواحد إلى يُمنة ويُسرة. حَار قائد العربة أيّ فرع يَسلك وأي اتجاه يختار. العلاماتُ الإرشادية مَوجودة؛ لكنها قد تكون مُضللة وفقًا لخبراتِ وتجاربَ سابقة، وقد تُفضي عند اتباعها إلى نهاياتٍ خاطئة، فتهدر الوقتَ والجَّهد وتستهلك الوقودَ الذي بات في حكم الثمين من الأشياء؛ لا ينبغي التفريط فيه بسهولة، وإنما تُحسَب له الحِسابات وتُعدُّ العُدة والترتيبات. 

1869044071619002102.jpg

لم تكُن المشاعر الحادَّة التي اندلعت أمام الشاشة؛ سوى انعكاس طبيعيّ للمشاهد المتوالية. منبع السُّخط الذي لفَّ الجَّمعَ المُتلهف على تلقِّي الجديد؛ هو الأداءُ العجيب لرئيس أكبر دولة في العالم، أو كهذا يُعرّف نفسَه ويُعرِّف بلدَه، ويتيه علنًا بينما يرمي الإهاناتِ هنا وهناك، ويخرقُ التقاليدَ المُتعارَف عليها في نطاقِ الدبلوماسية الرشيدة. جاور السَّخطَ استياءٌ وعدم تصديق؛ منبعهما سوءُ الإدارة والتنظيم، وغياب أبسَط الأدوات الضَّرورية عن المَحفَل الضخم، وظهور المُنظِمين بمظهرٍ أقلّ من المُتوقَّع. 

IMG_8110.jpeg

قالت صديقةٌ مُقربةٌ تعمل أستاذةً جامعية، إن السائقَ الذي يتولّى قيادةَ عربتها، والذي اعتادت أن تُوكِل إليه بعضَ المهام الإضافية ثِقةً في أدائه واعتمادًا على حُسنِ تقديره؛ حزينٌ على غير طبعِه، صامتٌ منذ فترة. سألته عما به وألحَّت في السؤال؛ فأجابها بأن ولدَه الشاب الذي يُعاني عِلةً نفسية مزمنة، قد احتاج للحجزِ في إحدى المَصحَّات، وأن الأمرَ مُتكرر؛ لكنه ذهبَ به هذه المرَّة ثم عادا سويًا.

800-8.jpg

صادفت أزمةً تتعلق بأحد الأقسام القديمة في مستشفى عام. دوراتُ المياه تتعرَّض للسَّدد مرة تلو الأخرى دون أن يتمكنَ المُشرفون على المكان من العثور على حَلٍّ جِذري. بعد مُداولات ونقاشات تبيَّن أن المواسيرَ شِبه مغلقة وأن البالوعاتِ صارت بدورها ضيقة.

800-33.jpg

سألتني المُوظفة عن الرَّقم القومِي. سَكت قليلًا ثم أمليتها إياه. نظرت في وَجهي مَدهوشة ورجتني التأكد؛ فمن ذا الذي لم يَزل حريصًا أو حتى قادرًا على تخزين أيِّ معلومة في ذاكرته؟ من الذي لا يستعين بوَسيلة مُسِاعدة تُسهِّل له المهمَّة وتخفِّف عنه عناءَ التركيز؟

FB_IMG_1627711640704.jpg

تعاقبت أمواج البحر على شاطئ سيدي بشر خلال الأسابيع الماضية، غطت منه مساحات ليست بضئيلة، ثم أبت أن تعود من حيث جاءت. بقيت المياه المالحة في منسوب أعلى من سابقه؛ تآكلت الرمال، وتنحت المقاعد والشمسيات التي لم تكن تترك مواقعها ولو في ذروة النوات.