لم أكن حينئذ أرجم بالغيب. كانت الشواهد مائلة أمام العيان وعمليات استقطاب النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي تسير سافرة بين الناس، والرحلات ما بين الخرطوم ودبي ثم أبوظبي كانت علنية لمن أراد النظر.
وقبلها بثلاثة أشهر بالضبط كتبت مقالاً أدعو فيه حزب المؤتمر الوطني الذي كان حاكماً إلى الانشقاق على نفسه بشكل رسمي بدلاً عن التنازع داخل البيت الواحد وهو الذي قد يُدمّر البيت نفسه على رؤوسهم. تحقق الذي كان حتمياً وصار الفريقان الآن ما بين هارب خارج البلاد وهارب داخل البيت يتحرك في الظلام مثل أي منسوب في خلايا المافيا.
***
في كلتا الكتابتين لم أكن منتسباً للمؤتمر الوطني ولم أكن مشفقاً عليه من السقوط، بيد أنني كنت حريصاً على استمرار التراكم في التجربة السياسية بحيث يفرز هذا التراكم نظاماً سياسياً ناضجاً وقوياً، ولكن بلادة الساسة حينئذ وهي بلادة لا تزال مقيمة في أوساط قادة ذلك الحزب تصور لهم أنهم سيعودون إلى السلطة مقايضين دماء الشهداء والجرحى بمقاعد جديدة في السلطة الجديدة حتى صرّح أحدهم بأنه لا يليق بعزلهم عن الحوار السوداني-السوداني وهم الذين قدموا ٣٤٠٠ شهيد، متجاهلين أن عليهم أن يتقدموا للجماهير بمئات الأجوبة عن أسئلة مؤجلة قبل السماح لهم بالجلوس مرة للامتحان في قاعات الحكم.
أكثر ما ساءني في تصريح القيادي الإسلامي أنه قدّم الشهداء في فاتورة بالأرقام، ناسياً أن تلك أرواح خالدة لا يصح مقايضتها في سوق السياسة، وإن شاء البعض مقايضتها فإن أولياء الدم الشرعي ربما كانوا أولى بها من أولياء الدم السياسي الذين ينصبون أنفسهم ممثلين عن الخالدين في رحاب الله، بعد أن عجزوا عن تمثيل الذين يعيشون بينهم في دار الفناء.
***
تآمر حزب المؤتمر الوطني (ج) المعارض بقيادة الدكتور نافع علي نافع وقاد حملة عنيفة ضد (ش) ووجد الرئيس المعزول عمر البشير -وهو رجل كسول العقل والجهد ومتواضع المهارات وقليل الحيلة- أن الخيار الأسهل وليس الأفضل هو تعيين رجل حانق من الفرع (ش) ضد الفرع (ج) ولم يجد أمامه أفضل من الفريق صلاح قوش مدير جهاز الأمن الغضوب عليه والمعزول والمسجون والمتورط في محاولة انقلابية ضد النظام الذي كان مكلفاً بحمايته والذي سيتم تكليفه لحمايته في بادرة غير مسبوقة في دولة محترمة أو غير محترمة حتى.
نجح قوش خلال أشهر معدودة في أداء مهمته فقد تراجع نافع عن معارضة إعادة ترشيح البشير وتبديله بنائبه الحاضر في المشهد لثلاثين عاماً بلا إنجاز واحد يحسب له، بكري حسن صالح. من يذكر إنجازاً واحداً للفريق بكري في أي وظيفة تقلدها على أهمية تلك الوظائف العامة؟ أعلن نافع، الذي ما انفك ينازع البشير السلطة على المستوى الثاني، أنه يؤيد ترشيح البشير إذعاناً لقرار مؤسسات الحزب وهكذا ضمن سلامته من بطش قوش الذي كان قد بدأ حملة للفتك بمناوئي البشير تحت ستار محاربة الفساد واصطياد القطط السمان.
ما لم يدركه البشير أن سقوط المؤتمر الوطني (ج) لم يكن نهاية المطاف فقد قام المؤتمر الوطني (ش) بقيادة قوش وتواطؤ نائب الرئيس الجديد عوض ابن عوف بسرقة الانقلاب وتمت الإطاحة بالبشير، لكن الإمارات التي كانت تستعد للمشهد بخطة كبيرة اختطفت الانقلاب هي الأخرى وأطاحت بابن عوف في اليوم التالي ليذهب إلى المنفى خاسئاً وهو حسير.
عدنا الآن إلى بداية المقال فقد تسلمت الإمارات أو بالأحرى مشيخة أبو ظبي تحديداً مفاتيح القصر الجمهوري في السودان، وهنا بدأ خلافنا مع السلطة الحاكمة الجديدة على أسس وطنية، وفكرية، وأخلاقية.
***
ككاتب صحفي لدي دور اجتماعي محدد بدأت معركتي على الفور ضد مشروع التحالف بين العسكرتاريا وفئة من المدنيين المعزولين والعملاء لقوى خارجية والذين كانوا يتحركون بشكل صبياني في تظاهرات محدودة الأثر في شوارع الخرطوم حتى فتح لهم صلاح قوش الطرق للاحتشاد امام بوابة القيادة العامة للجيش وذلك لتوفير الغطاء للانقلاب المسروق أو المنتزع بالقوة.
كتبت سلسلة من المقالات نشرت في صحيفة “السوداني” تحت عنوان (الكاتالوغ) حلّلتُ فيها ما يسمى بقوى الحرية والتغيير وخلصت فيها إلى أن هذه القوى معزولة وضعيفة ولا تملك الأهلية ولا التفويض للحديث باسم القوى المدنية السودانية، وألحقت ذلك بالعديد من الكتابات التي تكشف أن وجود هذه القوى على المسرح السياسي مردود لرغبة العسكر في التحالف معهم -بقلة حيلة مؤسفة- لمواجهة القوى الإسلامية التي انزوى طرفاها (ش) و(ج) وانخرطا في معركة باسلة ضد بعضهما البعض حول الأموال والشركات، فيما اضطرا في الوقت ذاته للقتال متضامنين أمام المحكمة التي بدأت في محاكمة مجموعة من رموزهم بتهمة التخطيط لانقلاب الإنقاذ وتنفيذه.
وقد كان أداء المجوعة متضامنة في تلك المعركة مخزياً للغاية حيث أنكروا معرفتهم بالانقلاب وتخاذلوا عن الاعتراف بأدوارهم فيه بينما كان الشعب يضحك على الفيديوهات التي كانوا يتفاخرون فيها بأدوارهم في ذلك الانقلاب أيام كانوا حكاماً.
هكذا أنكروا انقلابهم وجبنوا عن الاعتراف ببنوته لهم وللغرابة فقد اعترف الرئيس المعزول -بشجاعة كبيرة- بقيادته للانقلاب بينما يعرف القاصي والداني في السودان أنه لم يقد الانقلاب، ولم يشارك في التخطيط له ولا في تنفيذه، وأنه قد تم وضعه على كرسي الحكم بواسطة التنظيم الخاص للحركة الإسلامية. سيبقى هذا مدوناً في كتاب التاريخ.
***
أتشرف بأنني كتبت رافضاً لاختطاف تظاهرات الخبز والطالب العادلة لتحقيق أهداف سياسية في صحيفة “السوداني” يوم ٣ أبريل (نيسان) ٢٠١٩م بعنوان (ألهاكم التظاهر)، أي قبل الانقلاب بأكثر من أسبوع وقلت بالنص “من الضروري ونحن نقرأ ظاهرة التظاهرات الأخيرة وربما التظاهرات السودانية عموماً في مرحلة ما بعد الدولة الوطنية بأنها تتأسس على مطالب خدمية ثم تقوم الطبقة السياسية بحشوها بالشعارات السياسية اللازمة لتحقيق مكاسبها المشتهاة في السلطة خصماً على الفئة الحاكمة. بدأت التظاهرات الأخيرة في الأقاليم احتجاجاً على انعدام بعض السلع الأساسية أو ارتفاع أسعارها ثم امتدت التظاهرات الى العاصمة حيث الخدمات الأوفر مقارنة بالأقاليم وهو ما جعل المطالب السياسية للنخب المعارضة أكثر بروزاً من المطالب بتوفير السلع والخدمات”.
***
لم يقرأ البشير ما كتبنا كعادته وصمّ أذنيه عن الاستماع إلى صوتنا برغم أن المقال حذّره بشكل واضح مما سميناه (حزب المؤتمر الوطني المعارض) فسقط نظامه على ركبتيه، وبدأ الرجل رحلته المستمرة حتى الآن في دفع ثمن قليل لخطاياه الكبيرة مستغلاً تسامح السلطات الحالية بتجاهل محاكمته على الأخطاء الحقيقية التي ارتكبها، واقتصار محاكمته على قضايا هزلية مثل العملة وما إلى ذلك مذكراً الناس بمحاكمة آل كابون رجل العصابات الشهير في الولايات المتحدة مفتتح القرن الماضي والذي عجز النظام عن محاكمته إلا بتهمة التهرب الضريبي!
***
بعد سقوط النظام فشلت في نشر الجزء الثاني من المقال ودرت به على عدد من الصحف حتى نجح الصديق الأستاذ وجدي الكردي في اقناع الأستاذ الصادق الرزيقي رئيس تحرير صحيفة “الصيحة” يومها بنشره، ونشر المقال في يوم ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠١٩م حيث دعا بوضوح وحزم إلى التوقف عن التظاهرات بعد اكتمال سقوط النظام وقلنا إن شعار (تسقط بس) “هو شعار عدمي ومحدود ولا يفتح باباً واسعاً للتغيير وإنما يغلق باب استمرارية التغيير فور حدوثه”.
قدّم المقال تحليلاً للوضع ووصف ما سمي بالثورة بأنه انقلاب عسكري “إن التغيير الذي قاده الجيش والقوات النظامية في ١١ أبريل/نيسان الحالي هو حلقة اخرى من حلقات التغيير التي تولت العسكرتاريا السودانية القيام بها بعد تهيئة الأرضية اللازمة بواسطة الجماهير الغاضبة أصلاً”.. وقلنا إن ما يسمى بتجمع المهنيين لم يقد التظاهرات، وإنما قادتها غرفة عمليات أخرى ودعونا بشكل واضح إلى عودة المتسكعين في ميدان القيادة إلى أعمالهم ولكنهم لم يعودوا فدفعوا الثمن يوم فض الإعتصام ولم يسأل عن دمهم لا أهل ولا عشيرة وتولى دفن قضيتهم المحامي والناشط الديموقراطي وداعية حقوق الإنسان -لا أمزح- نبيل أديب عبدالله.
***
في ٤ يوليو/تموز ٢٠١٩م كانت مشيخة أبوظبي وأدواتها في المنطقة تغرز أنيابها بقسوة في لحم السودانيين وهي تجهد لصناعة حكومة من الدمى المدنية والخونة والعملاء وتحويل المجلس العسكري إلى مجلس مراسمي بلا سلطات في مخالفة (بليدة) لأولى شروط السلطة وهي القوة، حيث أرادت أن تكون السلطة في يد التنابلة الجهلة الذين ما زالوا يقومون بخدمتها ضد وطنهم، فيما يقوم المجلس العسكري بخدمتهم بعضلاته فقط.
في ذلك اليوم تحديداً ووفق ترتيب مقصود نشرت مقالاً دعوت فيها إلى استلهام نموذج بوركينا فاسو بتولي العسكريين السلطة التنفيذية المباشرة فيما يتم تولى رئاسة الدولة المراسمية بواسطة أحد رجال القضاء أو الدبلوماسية، وقلت: “يحتاج المجلس العسكري إلى حوالي الـ٥٠ عضواً في لجنة لكتابة مسودة ترسم طرق المرحلة الإنتقالية وشروطها وحدود الصلاحيات بينها، من خلاصة النخبة السودانية العارفة من رجال قضاء وعلم ودبلوماسية ونشطاء من المجتمع المدني وعسكريين، ويناط بها فوق ما ذكرنا من مهام كتابة الإعلان الدستوري الحاكم والذي يفصل بين السلطات، ويعيد النظر في كل القرارات المتعجلة التي صدرت منذ انتصار الثورة”.. نعم قلت بالحرف “انتصار الثورة”!
***
لن نمض كثيراً في سرد ما كتبنا منذئذ وقد أثبتت الأيام -بفضل الله ونعمته- صحة أغلب تحليلاتنا وقراءاتنا بما فيها توقعات الحرب الدامية التي دفع ثمنها ملايين السودانيين، وقد فعلت السلطة في كل مرة كتبنا فيها عكس ما دعونا إليه في وقتها ثم عاد إليها بعض وعيها لتنظر في ما كتبنا بعد سنوات.
هكذا كان خلافي ككاتب مع السلطة كلها وهو خلاف ليس شخصياً بطبيعة الحال، وإنما كان خلافاً حول المواقيت أكثر مما هو خلاف حول الرؤى والقضايا، وفي هذا الجانب يمكنني ذكر عشرات الشواهد لكننا هنا لسنا للدفاع عن حظوظ النفس بقدرما أنا الآن هنا للنظر إلى المستقبل أو في سبل الخروج من هذه الأنشوطة التي أوقعنا فيها بلادنا.
***
لم أغير مبدئي البتة ودعوتي الثابتة ستظل هي تأسيس نظام حكم قوى والاستفادة من تجربة الحرب البشعة هذه إلى تأسيس دولة قوية في الداخل، توحد الأمة حول همومها وقضاياها، وهذه فرصة تاريخية لن تتوفر لنا إلا بحرب جديدة وهو أمر لا نريد له أن يتكرر في أي وقت في المستقبل.
قال هيراقليطس (وهو بالمناسبة فيلسوف مناهض للديموقراطية) إن الحرب هي أب كل شيء وإن الصراع هو الذي يمنح الحياة استمرارها وصيرورتها، وها قد جاءت الحرب إلى عندنا ورزئنا بآثارها البشعة فما بالنا لا نأخذ بنصيب مما يمكن أن يتحول إلى فائدة!
***
البروفيسور شارلز تيلي أحد أبرز علماء الاجتماع والباحثين في العلوم السياسية في القرن الماضي يقول إن أغلب الدول المعاصرة -ويعني بالضرورة الدول القوية وليس الدول الهشة الفاشلة- قد ولدت نتيجة للصراعات والحروب وها قد تحقق لدينا الشرط الأول فلماذا لا نكمل الدائرة ونحصل على دولة.
هناك تفاصيل كثيرة وشروط مختلفة في نظرية العالم الراحل وكلها تنطبق على الحالة الراهنة في السودان فلماذا لا نقطف الثمرة التي على الشجرة بدلاً من زراعة دولة لا تمثلنا في مزارع الرباعية والخماسية المسمومة التربة؟
هل اتفقنا بأن الدولة القوية، وبخاصة المؤلفة من أقوام غير متجانسين، تنشأ عادة من الحروب -بالرغم من وجود شروط أخرى لنشوء الدول- وتتأسس حاجة المواطنين إلى الدولة القوية في الفترات ما بعد الحروب؟ والتجربة الإنسانية مليئة بالعبر في أن الدول العظيمة تُبنى دائماً على أنقاض الدمار الذي تصنعه الحروب.
وضع السودان الآن يشبه الوضع في إنجلترا منتصف القرن ال١٧ وهو الذي شهد الحرب الأهلية الإنجليزية والتي نشأت على أنقاضها الإمبراطورية حيث كتب مثقفو تلك الفترة النظرية الجديدة للدولة. كانت النظرية في غاية البساطة: “العهود دون سيوف هي مجرد كلمات”.. والعبارة بالإنجليزية أكثر وقعاً وشاعرية، لكننا على كل حال نريد دولة ذات شوكة تضبط الأمن في الداخل، وتحمي الحدود، وتجعل الأعادي يفكرون مائة مرة قبل أن يقولوا كلمة واحدة قد تغضبها، فهل نحن مستعدون؟
***
ظللتُ طوال السبع سنوات الماضية منتقداً مستمراً للسيد رئيس مجلس السيادة متبعاً أربع وسائل تعلمتها من خبرتي وقراءاتي في الإعلام. كل المنشورات التي كتبتها، وكل المقالات التي نشرتها، وكل الأحاديث التلفزيونية التي ساهمت بها كانت بالإضافة إلى المناصحة الصادقة والمخلصة تقع ضمن أربع وسائل للضغط الإعلامي، وأنا أقول الآن بذلك بعد أن قرّرتُ وضع هذه الوسائل في الرف للمرة الأخيرة.
طوال هذه الفترة التي ظللت أوجه فيها النصائح والإنتقادات لرئيس السلطة كنت أتلقى الكثير من ردود الفعل المؤيدة مرة، والرافضة مرة، وخليطاً من المؤيدة والرافضة من أشخاص عجيبين لديهم القدرة على الإحتفاظ بتأييد الموقف ونقيضه.
كنت أجد المساندة من كثيرين من الحادبين على الوطن الجريح والآملين في مستقبل مزدهر لهم ولأبنائهم فيه وهؤلاء هم أغلبية قرائي.
وكنت أجد الدعم من كثيرين هم في صف السلطة في العلن لأنهم يريدون أن أستمر في العراك ضد الحاكم ليكون لوجودهم معنى في خطوط الدفاع عنه فينالون الحظوة منه ومن معاونيه.
وكنت أجد المساندة من تيارات سياسية ذات صلات مع السلطة لكنهم لا يجرؤون على قول ذلك بأنفسهم. وبالطبع فقد كنت أواجه تيارات من الرافضين لما أكتب وكنت أتواصل مع الصادقين منهم وذوي النوايا الطيبة وأمتنع عن هدر الوقت مع غيرهم.
***
ينبغي أن أعيد هنا في العلن أن السلطة نفسها لم تكن تتجاهل ما أكتب بشكل كبير وهذه محمدة وما انفك بعض المؤثرين في دوائرها يحاولون تقريب الذي بيننا لكنني أود الإشارة فقط إلى الصديق الأستاذ محمد محمد خير الذي لم يتوقف أبداً عن الحوار معي مستخدماً أساليبه المتنوعة من الحوار والنقاش والرفض والغضب والضغط العاطفي أيضاً، وقد ألزمني تحت هذا الضغط مرتين إلى الكف عن الكتابة وانتقاد رئيس مجلس السيادة.
على كل حال تمت دعوتي هذه المرة للمشاركة في الملتقى الإعلامي الذي عقد بالخرطوم مؤخراً في ذات الوقت الذي كانت تنعقد فيه بالعاصمة مشاورات لجنة الحوار السوداني-السوداني مما شوّش على البعض، لكن المهم في الأمر هو أنني سافرت إلى الخرطوم والتقيت من التقيت من العاملين في دوائر السلطة وأنا شاكر بالطبع لمن التقيت وشاكر أيضاً لمن تعذر اللقاء بهم بسبب سفرهم أو سفري.
***
مهمة الكاتب المشتبك مع قضايا المجتمع والسياسة أن يكتب رأيه ويقوله بأفضل ما لديه من الأساليب والبراعة، وأن يبذل ما بوسعه من النصح والمساعدة لكنه غير مكلف بإصلاح العالم كله، وأنا ككاتب راض إلى حد كبير عن المدى الذي وصلت إليه كتاباتي ولست مستعداً للتكرار.
لقد قلت الكثير مما لديّ أمام القراء وبذلت ما أستطيع من الكتابة عن تصوراتي وآمالي في المساهمة في بناء دولة قوية تشرفنا جميعاً وتحمي مصالحنا، وهي دولة قادرة على توفير الكرامة والرفاه لجميع مواطنيها إذا حصلت على القوة، وبما أن السلطة قد أبلغتني بأنها مستعدة للإستماع مثلما هي مستعدة للقول وأن لديها من حسن الثقة في ذاتها وفي أدواتها بأن تحتمل الإختلاف وغضب المواطنين، فإنني ألتزم بدوري الجديد كمواطن صالح يكتب ما يرى من دون أن يضطر إلى مواجهة السلطة وحيداً بينما يلوذ قادة الجماهير بالصمت.
***
يتمتع الفريق أول عبد الفتاح البرهان الآن بسلطة غير مسبوقة في تاريخ السودان لم تتوفر حتى للإمام المهدي، وقد ظللتُ أقول هذا الكلام في كتاباتي وفي أحاديثي التلفزيونية وقلت إنه يشبه في ذلك إمبراطور اليابان قبل الحرب العالمية الثانية ما عدا أن الأخير كان يُعبَد لدى بعض الطوائف في البلاد، ولديه قدرات فردية تفوق حكام السودان جميعاً منذ الإستقلال لكن هذا ليس الكمال. يكتمل الحاكم بالمؤسسات ومن الضروري أن يفهم السودانيون جميعاً أن قسمة الثروة ممكنة وضرورية وشرط للعدالة لكن قسمة السلطة أمر فيه قولان قد لا تصح الإشارة اليهما هنا كما يقتضي الصواب السياسي.
يسيطر الفريق أول البرهان على القوة والشوكة العسكرية، ويسيطر على الساحة السياسية، ويسيطر على المشهد الشعبي، ويسيطر على الأموال، ويسيطر على التشريعات حيث تتحول كل كلمة يقولها إلى قانون دون أن تنشر في الجريدة الرسمية، ورجل بهذا الحظ في تقاطع الوقت والمكان هذا يمكن أن يتحول إلى فرصة كبيرة لإعادة تأسيس الدولة السودانية القوية، أو أن يتحول إلى معول خطير يُدمّر البلاد كلها إذا تمت مواجهته بالعنف والرفض.
إن الشعوب في كل أزمنة الكوارث والأزمات الكبرى مستعدة للتخلي عن قسط وافر من حقوقها الطبيعية لأجل الحصول على الأولويات، وقد رأينا ملايين الناس تخلوا عن بيوتهم وأموالهم وحقهم في الأمن والخدمات والعيش الكريم في وطنهم مقابل استعادة الدولة. هذه هي اللحظة التاريخية لبناء دولة قوية قادرة على ردع العدوان الداخلي ومنه تستمد قوتها على ردع العدوان الخارجي.
الأنظمة السياسية المحترمة في الساحة الدولية هي الأنظمة القوية في الداخل المحلي، وليس الأنظمة المحبوبة فالحب لا وجود له في السياسة والقائد الحقيقي هو القائد المهاب لا القائد المحبوب.
***
لقد وضعتني زيارة الخرطوم أمام اختبار حقيقي وهو أن أتخلى -بكل تواضع طبعاً- عن مواجهة الدولة ككاتب مشاكس بشكل سافر في وسائل الإعلام مقابل القدرة على الوصول إليها -أي الدولة- والتداول معها والمساهمة بالكلمة والرأي في صناعة المستقبل مع احتفاظ الحكام بحقهم الطبيعي كحكام في الرفض الكامل، أو التعديل أو الزيادة أو الانتقاص.
فإن شاءت السلطة أن تقرأ ما نكتب، فالحمد لله، وإن لم تشأ، فالحمد لله كذلك، وهناك متسع لنا للكتابة عن أشياء نؤجل الحديث عنها برغم أننا نعرف أنها أكثر إثارة لاستجابات الفرج والجمال لدينا كطرفين: الكاتب والقارىء.
لقد قال هيراقليطس ضمن أقواله القليلة والمكثفة والتي أبقته حياً ألوفاً من السنين “لا يمكن لشخص أن يخطو في ذات النهر مرتين، لأن النهر ليس هو في كل مرة ولأن الشخص لا يبقى دائماً نفس الشخص”، وبما أنني قد زرت الخرطوم هذه المرة ووجدتها ليست كما عرفتها في المرة السابقة فإنني أتوق بأن لا أبقى هذه المرة نفس الشخص الذي زارها في المرة السابقة. اللهم نسألك الرشد والصواب والهدى على سبيل الخير وما التوفيق إلا بالله.
